هل يمكن للكرة ان تحل محل الأسلحة والصواريخ في المعارك, بحيث يمكن اعتبار الانتصار في مباراة لكرة القدم انتصارا في ارض معركة عسكرية وتحقيقا لمجد وصونا لكرامة أمة؟, أو ان الهزيمة في مباراة يمكن اعتبارها هزيمة وطنية تستدعي محاكمة الفريق المهزوم باعتباره ارتكب خيانة وطنية ؟ هذه الاسئلة وغيرها دارت في رؤوس الكثيرين منا أثناء متابعة مباريات كأس العالم الأخيرة, التي انتهت بفوز فرنسي مفاجىء وغير متوقع, وضد كل التكهنات والتحليلات التي قدمها نقاد العالم الجادون لكل الفرق, ونقاط قوتها ونقاط ضعفها. كان يمكن ان يكون فوز فرنسا بكأس العالم لأول مرة, نهاية مدهشة, باعتبار أن فريقها حقق في عرف البعض (معجزة) , لا لأنه فاز في المباراة النهائية على الفريق الذي اعتبره البعض أقوى فريق يمثل البرازيل في تاريخ كأس العالم على الاطلاق, الذي يضم من بين لاعبيه اعظم لاعب في العالم (رونالدو) رغم أنه فشل في إثبات ذلك, ولكن بسبب النتائج السياسية التي ترتبت على هذا الفوز داخل فرنسا, وانعكست على تصرفات وتصريحات الكثيرين من سياسييها, تلك التصرفات والتصريحات التي جاءت عكس ما كان متوقعا من اي من أولئك السياسيين. الفريق الفرنسي الفائز بكأس العالم حقيقة لم يكن فرنسيا, ولو حاولنا أن نتتبع نشأة كل لاعب من لاعبيه على أرض الملاعب أو على أرض الواقع لتأكد لنا ذلك, نكتفي بالاشارة الى بعض ابرز لاعبيه, مثلا الكابتن (زين الدين زيدان) الذي قاد الفريق في المعركة الحاسمة, وسجل أول هدفين في المباراة النهائية وضعا البرازيل على حافة الانهيار والتسليم بقوة فرنسا الضاربة في المعركة الكروية التي جرت في المباراة النهائية, أسمه يدل على أصله العربي, إنه ابن أحد المهاجرين الجزائريين الذين وجدوا في فرنسا الطريق الوحيد لتغيير حياتهم, واللاعب (تورام) الذي سجل هدف الفوز في مباراة كرواتيا, ثم أهداف (جوركاييف) و(هنري) وتريزجيت) , أو اللاعب (كارنبيه) , كلها أسماء أجنبية ولدت في فرنسا, وتربت في حواريها القذرة, وكانت كرة القدم الطريق الوحيد للخروج من تلك الطبقة, ولكن تحت وطأة الشعور بالدونية نتيجة الانتماء الى أسرة مهاجرة, وأيضا في ظل عنصرية معروفة في فرنسا وغيرها من دول أوروبا الغربية, تلك العنصرية التي ازدادت حدتها في السنوات الأخيرة نتيجة للأزمة الاقتصادية. هذه الاسماء وغيرها لم يلتفت اليها احد عندما اصدرت الحكومة الفرنسية قبل سنوات قليلة قانونا يسمح بطرد هؤلاء المهاجرين, ويجرد الكثيرين من المولودين منهم على ارض فرنسية من جنسيتهم, ويطالب بإعادتهم الى بلادهم في افريقيا وآسيا, ذلك القانون الذي صدقت عليه الجمعية الوطنية الفرنسية (البرلمان) في ظل الحكومة اليمينية السابقة, وتحت الحاح وزير داخليتها في ذلك الوقت (شارل باسكوا) , الذي اعتبره المحللون السياسيون وقتها الأب الشرعي لذلك القانون الذي أثار المثقفين والطلاب ودفعهم الى الخروج في مظاهرات طافت أنحاء فرنسا تطالب بإلغائه, لأنه يعتبر خروجا على الأسس الديمقراطية وحقوق الإنسان, التي تدعي فرنسا أنها ترفع رايتها وشعارها. ذلك القانون الذي لم تستطع الحكومة الاشتراكية الحالية ان توقف تنفيذه, ولم تجرؤ على مجرد المساس به, أو وضعه موضع شك رغم أن صدوره كان يعتبر انتصاراً لليمين المتطرف في البلاد, وبشكل خاص الجبهة التي يقودها (لوبن) , الذي يرى في الأجانب سرطانا يجب استئصاله, ولأن مثل تلك القوانين تحظى بدعم أغلبية الشعب الفرنسي الذي يرى ان شوارعه تغيرت ألوانها, وأصبحت الأغلبية البيضاء البشرة المهددة بترك مكانتها العليا لهؤلاء الملونين القادمين من المستعمرات القديمة, نظراً لانخفاض معدل التناسل بين الأوروبيين, وارتفاعه بشكل جنوني بين السود والملونين القادمين من افريقيا واسيا. ماذا حدث لكل هذا بعد فوز فرنسا بكأس العالم؟ ما الذي تغير في عقول الفرنسيين ليتحولوا فجأة من النقيض الى النقيض؟ . هل يمكن ان يكون للفوز في مباراة لكرة القدم تأثيرا يوازي, او يتفوق على تأثير الانتصار في معركة عسكرية؟ الرئيس الفرنسي جاك شيراك في غمرة حماسه امام بريق كأس العالم الذهبي انطلق صارخاً: (الوان علم فرنسا ثلاثة, وألوان وجوه فريقها متعددة, كانوا جميعاً وراء الفوز) , ترى هل اكتشف الرئيس الفرنسي فقط لحظة فوز فريق بلاده لكرة القدم بكأس العالم لأول مرة في تاريخ تلك البطولة الدولية, ان الوان وجوه الفريق متعددة الالوان؟ هل اكتشف الرئيس المبجل ان تلك الالوان المتعددة التي تصبغ وجوه الفريق يمكن ان تكون الراية والشعار للمرحلة المقبلة من تاريخ فرنسا ؟! ثم جاءت تصريحات وزير الداخلية السابق المتشدد شارل باسكوا, الذي فصل قانون الهجرة ارضاء لنزعة العنصرية في بلاده ضد الأجانب, وقام بالدفاع عنه في الجمعية الوطنية دفاعا مستميتاً, تلك التصريحات التي فاجأ العالم بها في صحيفة (لو موند) , حتى ان القراء لم يصدقوا عيونهم وهم يطالعونها, قال الوزير صاحب أقسى قانون ضد الهجرة في فرنسا:(انظروا الى فريق فرنسا الذي فاز بكأس العالم, انظروا الى شبابنا القادم من مستعمراتنا السابقة, لقد أثبتت مباريات كأس العالم ان أبناء المهاجرين أصبحوا جزءا من نسيج هذا الوطن, في هذه اللحظة التي اصبحت فيها فرنسا قوية (؟!) يمكنها ان تكون كريمة, ويمكنها ان تقدم لهؤلاء بعضا من كرمها) وأكمل تصريحه مؤكداً: (ان ديجول لو كان هنا لفعلها) يقصد بالكرم الفرنسي منح المهاجرين نصيباً أكبر من مجد فرنسا, ذلك المجد الذي يرفرف على نهر السين وبرج إيفل وقوس النصر بعد فوز فريق أبناء المهاجرين بكأس العالم وإهدائه لفرنسا لأول مرة في تاريخها. الوزير الذي لم يتراجع عن قانون الهجرة السيىء السمعة رغم المعارضة التي وجدها اثناء تقديم القانون وتطبيقه, تخلى فجأة عن قبضته الحديدية وآرائه المعادية لكل ما ينتمي إلى جنس غير فرنسي, حولته كرة القدم فجأة إلى داعية للدفاع عن المهاجرين الافارقة والعرب والاسيويين في بلاده, وكأن المباراة التي فازت فيها فرنسا لم تكن مباراة رياضية, بل كانت معركة عسكرية بكل معنى الكلمة, وان فريق بلاده لم يكن سوى الجيش الوطني, وان الفوز بكأس العالم لكرة القدم كان انتصارا في معركة حربية وطنية ضد قوى اخرى حاولت ان تنزع من فرنسا كرامتها. صرخات الرئيس جاك شيراك في المباراة الاخيرة لكأس العالم, وتصريحات وزير الداخلية الاسبق شارل باسكوا بعد ذلك, ثم نتائج الاستفتاءات التي نشرتها وسائل الاعلام الفرنسية, والتي تشير إلى ان اغلبية الفرنسيين يطالبون بمنح المهاجرين فرصة اكبر في البقاء في البلاد, بعد ان اثبتوا ولاءهم لفرنسا بالفوز بكأس العالم, بينما فشلت اجيال عديدة من ابنائها في الفوز بهذا الشرف, حتى عندما كان (بلاتيني) افضل لاعب في العالم, كل تلك مؤشرات على ظاهرة غريبة صنعتها وسائل الاعلام الفرنسية حول فريقها اثناء فترة الاعداد لمباريات كأس العالم, وكان يمكن لتلك الظاهرة ان تتحول إلى عكسها لو ان الفريق فشل في مهمته. تلك الظاهرة ليست فريدة في فرنسا وحدها, بل ان الاحداث التي وقعت اثناء مباريات كأس العالم الاخيرة, تؤكد ان كرة القدم فقدت معناها الرياضي, وان فريق كرة القدم اصبح يمثل الشرف الوطني, وتجلى هذا في حالات العنف التي صاحبت الفريق الانجليزي, وكذلك الفريق الالماني, وصور الحزن الوطني في اسبانيا بعد خروج فريقها من الدور الاول, وكأن هذا الخروج كارثة وطنية لا تغتفر, ثم حالة الحداد العام في البرازيل التي خسرت الكأس عن جدارة. السؤال هو: هل كان مصير المهاجرين في فرنسا معلق بنتيجة مباريات كرة القدم؟ اذا كان الامر كذلك, ماذا لو لم يحقق هذا الفريق المكون من ابناء المهاجرين المطعم بالفرنسيين هذا الفوز؟ كاتب مصري مقيم في اسبانيا