طالما أننا نعيش في عالم منظم, فمن الجدير بنا الاهتمام والتعرف على ما يخصنا من هذه الميزة من حقوق. ويحسب للعرب انهم من الأمم الأكثر انصياعا لمقتضيات التنظيمات الدولية, التي توصف عموما بالشرعية الدولية. لكنهم ورغم التأثير المذهل لهذه الشرعية على قضاياهم الحيوية, لم يتمكنوا من طرح حاجاتهم منها بما يناسب اتساقهم معها والحرص عليها . نود القول بأن هناك عدم توازن بين ذود العرب عن القانون والنظام الدوليين وطاعتهم لمخرجاتهما, وبين قدرتهم على تحصيل حقوقهم عبر هذا المدخل المتحضر. لا نعرف قرارا دوليا تمرد عليه العرب وعبروا عن عصيان له, بيد انه يمكن الاشارة لعشرات القرارات التي عصاها آخرون وتسببوا بذلك في أضرار كبيرة للقضايا العربية. وحتى في المرات القليلة التي امتعض فيها العرب, حين كانوا يمتعضون, من مواقف دولية معينة, كقرار تقسيم فلسطين (1947), سرعان ما كانوا يعودون إلى جادة الطاعة والامتثال وان كانوا لهذه المواقف كارهين. هذا الوفاء لعالم القانون والنظام المتحضر, أو الذي يفترض فيه التحضر, هو المسؤول عن تنفيذ قرارات لا تبدو عادلة ومنطقية. كالمشاركة في الحصار الدولي ضد العراق وليبيا.. والعرب حين يفعلون ذلك, لابد وانهم يطمعون في أن يؤدي المجتمع الدولي ما عليه من استحقاقات تجاه حقوقهم وقضاياهم. غير ان ذلك لا يحدث في الغالب لأسباب كثيرة.. منها أحيانا ضعف القدرة على المتابعة والسعي الذاتي. اذ انه حتى في الحالات التي يظهر فيها التنظيم الدولي تجليات يمكن أن تستغل لصالح قضايا العرب, لا يظهر هؤلاء ما ينم عن دأب المتابعة والاستمرارية بهدف تحويل هذه التجليات إلى أفعال. المثل في هذا المقام يتلعق بموقف الأمم المتحدة من (السكان الأصليين) .. فقد اتخذت مجموعة من الخطوات المتقدمة في هذه القضية, مرت من فوق رأس العرب من دون ايلائها ما تستحقه من عناية على الاطلاق: الخطوة الأولى, ان مؤتمر الأمم المتحدة المعني بالبيئة والتنمية كون فريقا معنيا بالسكان الأصليين. الثانية, ان الجمعية العامة أعلنت عام 1993 سنة دولية للسكان الأصليين في العالم. الثالثة, ان مشروع برنامج عمل المؤتمر الدولي للسكان والتنمية (القاهرة ــ 1994) أقر اعلان عقد دولي للسكان الأصليين في العالم بدءا من العاشر من ديسمبر 1994. ولاننا نعتبر ان شعبا عربيا هو الشعب الفلسطيني ينتمي بكامله إلى دائرة السكان الأصليين المقصودين بعمليات الابادة والتطهير العرقي, من غزوة استيطانية خارجية هي الغزوة الصهيونية, فمن المؤكد ان الخطوات المذكورة تعنينا تماما. وكان المأمول, وما زال, ان نمتطيها لتعزيز الموقف العربي في القضية الفلسطينية, على الصعيد الدولي. لنتأمل كيف تناول مؤتمر الأمم المتحدة للسكان والتنمية القضية, وبدا وكأن الأمر كله يشخص الحالة الفلسطينية, اعتبر المؤتمر ان (للسكان الأصليين منظوراً متميزاً من ناحية علاقة السكان بالتنمية, فهذا المنظور يختلف عن تعاطي السكان الذي يتعاملون معهم داخل الحدود الوطنية. وفي بعض المناطق (لنقل هنا داخل فلسطين التاريخية جدلاً!) لا يزال السكان الأصليون يعانون من ظواهر عديدة كفقدان الأرض والموارد والتدمير الأيكلوجي والتشريد, وإعادة التوطني, وتمزيق أوصال أسرهم ومجتمعهم المحلي ونظمهم الاجتماعية) . يمضي المؤتمر قائلاً ..(تتسم حالة العديد من فئات السكان الأصليين بالمعاناة من التمييز والقمع, اللذين يأخذان شكلا مؤسسيا وينص عليهما في القوانين الوطنية وهياكل الحكم, فضلا عن ممارسة الضغوط لتشريدهم من أراضيهم, ويعتقد السكان الأصليون ان الاعتراف بحقوقهم في أرض أجدادهم وثيق الصلة بالتنمية المستدامة) . بعد هذا التحديد الدقيق للمشكلة, تصور المؤتمر في بيانه الختامي مجموعة من الاجراءات التي يمكن بها التخفيف من معاناة السكان الأصليين, نقول التخفيف وليس انهاء المعاناة - لأن لذلك شروطاً أخرى, أهمها استئصال سيطرة المجتمعات الغازية وهيمنتها - ومن هذه الاجراءات : - اعتراف الحكومات والمؤسسات الهامة بالمنظور المتميز للسكان الأصليين فيما يتعلق بجوانب السكان والتنمية, وان تتناول احتياجاتهم بالتشاور معهم, وبخاصة خدمات الرعاية الأولية صحيا والقضاء على كل أشكال التمييز والقمع. - على الأمم المتحدة خلال العقد الدولي للسكان الأصليين, أن تتعاون مع تنظيمات هذه الجماعات لتحديد احتياجاتهم والعمل على الوفاء بها. - يتعين على الحكومات - يقصد المسيطرة طبعا - ان تحترم ثقافات السكان الأصليين, وأن تمكنهم من امتلاك أراضيهم وإدارتها وحماية مواردهم الطبيعية, وإعادتها الى ما كانت عليه. لقد شارك العرب في هذا المؤتمر بفعالية بل واستضافته القاهرة واحتفت به في حينه, وكانت قراراته ومعالجته المتعلقة بالسكان الأصليين من الأبعاد التي تعنى شطرا من أبناء الأمة ابتلي بالاستعمار الاستيطاني, وهو جدير بوضعه على الأجندة الدولية الخاصة بهذه القرارات, غير ان المواقف الدولية لا تتحرك من تلقاء نفسها, انها دوما بحاجة لمن يسعى وراءها, ونحن لا نعلم الآن ما إذا كانت الأمم المتحدة قد استلهمت حقا التشخيص المذكور وفكرة العقد الدولي للسكان الأصليين, فان هي فعلت, فلن نخسر شيئًا بإثارة ملف الشعب الفلسطيني ضمن الاتجاه العام. وإن لم تكن الأمم المتحدة قد تبنت بعد الفكرة, فلن نخسر أيضاً ان نحن آثرناها من جانبنا, بما يضيف مدخلا آخر لفضح الاستعمار الصهيوني في فلسطين, وفق ما اعتمده المجتمع الدولي وشرعيته التي يخلص لها العرب حتى لو تضرروا من بعض منتجاتها.