لم تستطع الولايات المتحدة كتم غيظها وقلقها من التقارب السوري - العراقي, فسارعت الى الاعراب عن معارضتها لمعاودة ضخ النفط العراقي عبر خط الانابيب الذي يمر بالاراضي السورية الى مرفأ بانياس على الساحل السوري . ولم يكن هذا الموقف غريبا, وهو بهذا المعنى ليس مفاجئا, كما انه ليس الاول من نوعه بالنسبة للادارات الامريكية. منذ اختفاء الاتحاد السوفييتي (السابق) عن الخريطة السياسية, واختفاء عالم القطبين باتت الولايات المتحدة تتصرف باعتبارها القيم على شؤون العالم, فهي التي ترسم معايير النظام الدولي في مختلف الشؤون: السياسية والاقتصادية والامنية والقومية, وهي التي تحدد المسموحات والمحرمات على صعيد العلاقات الدولية. ومن موقعها الاحتكاري هذا باتت الولايات المتحدة تعمل جاهدة على التدخل حتى بالشؤون الداخلية للدول, على اختلاف احجامها وقدراتها سواء كانت دولا كبيرة او صغيرة, قوية او ضعيفة, لتعزيز هيمنتها على النظام الدولي. وفي سبيل ذلك عملت الولايات المتحدة على استغلال جبروتها: الاقتصادي والتكنولوجي والعلمي والمالي وقدراتها العسكرية الهائلة الى اقصى حد, مستغلة مسارات العولمة وآليات التداخل والاعتماد المتبادل على الصعيد الدولي. وقد ساهم في تسهيل هذه التوجهات التطورات التي تشهدها اوروبا واولوياتها الخاصة التي تجعلها تنصرف لترتيب البيت الاوروبي بدلا من الدخول في نزاعات ومشكلات مع الولايات المتحدة في ظروف هي ليست مهيأة لها بعد وينطبق هذا التحليل ايضا على الاقطاب الأخرى في آسيا, بخاصة اليابان والصين. في منطقتنا يبدو التدخل الامريكي اكثر فجاجة, فقد استغلت الولايات المتحدة الامريكية المتغيرات الدولية والاقليمية (الناجمة عن حرب الخليج الثانية خاصة) لتعزيز هيمنتها على المنطقة من مختلف النواحي الاستراتيجية معللة ذلك بالاوضاع غير المستقرة فيها, وباعتبارها منطقة حيوية لمصالحها الاستراتيجية, بالنظر لوجود النفط ولموقعها الاستراتيجي (من الناحية الجغرافية) ولوجود اسرائيل فيها, وايضا لتخوفها من فلتان المنطقة من بين يديها, بما يعنيه ذلك من خسائر تلحق بالولايات المتحدة وبمكانتها على الصعيد الدولي. منذ مطلع التسعينات عمقت ووسعت الولايات المتحدة من تدخلها في شؤون المنطقة الداخلية, ولم يعد هذا التدخل يقتصر على ادارة الصراع العربي - الاسرائيلي, حيث فرضت مسار عملية التسوية بمستوييها الثنائي والاقليمي, بما في ذلك وضع مضامين العلاقات المستقبلية الاسرائيلية - العربية, كما لم يعد هذا الامر يتعلق فقط بقضايا النفط, وانما بات يشمل الانظمة الاقتصادية والدفع باتجاه الخصخصة والانفتاح الاقتصادي. وبلغ الامر, كما هو معروف الى حد التدخل بشؤون العلاقات العربية - العربية, والى حد وضع صيغ النظام العربي, ووضع محددات وقيودات سياسية واقتصادية له تجعله رهن الاولويات السياسية والمصالح الاقتصادية للولايات المتحدة, بدل ان يكون تعبيرا طبيعيا عن المصالح والاولويات العربية. في هذا الاطار جاء التدخل الامريكي السافر في قضية انعقاد مؤتمر القمة العربية, فأمريكا باتت تتدخل في موعد انعقاد القمة ومكانها وجدول اعمالها كما تعمل على التدخل في قراراتها, وهي التي باتت تحدد ما اذا كان انعقادها ملائما من عدمه. في هذا الاطار ايضا يأتي التدخل الامريكي في شؤون العلاقات السورية - العراقية, والولايات المتحدة بذلك تعبر عن ذعرها من محاولات التقارب العربي, وتعبر عن مخاوفها من محاولات تعزيز التضامن العربي, على اعتبار ان هذه المحاولات يمكن ان تعزز من قدرة العرب على التخلص من الارتهان للارادة الامريكية, ولان تكاملهم يقوي من قدرتهم على الاعتماد على الذات ويساهم في تعديل الموازين لصالحهم ولصالح امكاناتهم في مواجهة مختلف التحديات التي تواجههم. الموقف الامريكي من خط انبوب النفط السوري - العراقي, هو موقف من خطوط السياسة العربية, وموقف من محاولة اعادة بناء النظام العربي على اسس جديدة. اخيرا ليس امام العرب من خيار لتطوير امكاناتهم ولتعزيز مكانتهم على الصعيد الدولي ولاستعادة حقوقهم, بديلا عن التضامن والتكامل العربيين على اساس من المصالح والروابط القومية وعلى اساس التكافؤ واحترام الخصوصيات الوطنية. كاتب فلسطيني