القمع الاجتماعي والسياسي والاقتصادي والنفسي يقيد الابداع الانساني, لأن الابداع انطلاق فكري وشعوري والقمع سجن للفكر والشعور وبالتالي فان القمع والابداع متناقضان. والمجتمع الذي يسوده القمع تنعدم فيه الديمقراطية لأن معنى الديمقراطية اتاحة امكانية تحقيق البدائل الفكرية في شتى مجالات النشاط الانساني والقمع معناه ومؤداه خنق امكانية هذا التحقيق وبالتالي فان الديمقراطية والقمع متناقضان . والابداع وثيق الصلة بالديمقراطية لأن لدى الانسان في ظل الديمقراطية قدرا اكبر من الحرية الفكرية ومن اتاحة فرصة التعبير عن الرأي والنفس ومن الشعور بالامان ومن الجرأة على توجيه الانتقاد وعلى ابداء الآراء الداعية الى التغيير والتصحيح وابداء الافكار الجديدة غير الخائفة وغير المقيدة, وهذه كلها عوامل لابد من توفرها حتى يستطيع الانسان ان يكون مبدعا من النواحي الفكرية والادبية والفنية. ولا تتوفر الديمقراطية دون توفر امكانية التعددية السياسية والاجتماعية والاقتصادية لأن توفر هذه الامكانية معناه توفر امكانية تحقيق البدائل الفكرية في مجالات الحياة المختلفة. وحتى يكون اي مجتمع حرا يجب ان ينشأ أفراده على الاستعداد لأن يستمع بعضهم الى بعض ولأن يناقش ويحاور بعضهم بعضا اذ لا حرية في مجتمع لا يطيق افراده الاستماع الى آراء الآخرين ومناقشتهم ومحاورتهم. واتاحة النقاش وتبادل الآراء من مستلزمات الحرية الفكرية. وحرية التعبير عن الرأي لا يمكن ان تتحقق دون ازالة الخوف من عواقب ابداء الرأي المغاير والمناقض. ويتعزز الفكر عن طريق الحرية الفكرية لأن ممارسة هذه الحرية عن طريق النقاش والحوار الموضوعيين تثري الفكر وتنشطه. وللديمقراطية دور هام جدا في ضمان السلام والامن, وذلك لكونها آلية تنشأ بها حالة يكون فيها للاغلبية من المواطنين البت في المسائل التي تهم مجموع المواطنين. ومن الواضح ان بت الأغلبية من المواطنين في المسائل التي تهمهم وتهم حياتهم من شأنه ان يكون اساسا اقوى للقبول العام وبالتالي للسلام والامن الداخليين. وتقوم صلات بين الحريات السياسية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية والفنية. الحريات هذه تعزز بعضها بعضا وتتأثر بعضها ببعض. التعزيز والتأثر متبادلان بين هذه الحريات. والحرية السياسية لن تتحقق دون تحقيق الحرية الاجتماعية والثقافية والاقتصادية والفنية. في الاطار الاجتماعي السياسي الديمقراطي من المفترض ان تكون القيم السياسية مستمدة من قيم المجتمع الثقافية والاقتصادية والفنية والتاريخية او قائمة عليها. ومن المفترض ان يحصل تفاعل وثيق بين مجموعتي القيم, المجموعة الاولى والمجموعة الثانية, ومن المفترض ايضا ان تكون القيم الثقافية والاقتصادية والفنية والتاريخية والدينية خلفية للقيم السياسية. واذا اصبحت مجموعتا القيم منفصلتين بعضهما عن بعض, واذا اكد المسؤولون السياسيون او ذوو الامر السياسيون قيمهم السياسية دون مراعاة للقيم الاجتماعية الثقافية واذا قمع ذوو الامر هذه القيم الاجتماعية او تلك اصبحت قيمهم السياسية مفروضة فرضا على المجتمع. وبذلك تنعدم الديمقراطية. واذا كانت الحرية في المجالات الاقتصادية والثقافية والاجتماعية والفنية مقهورة او مقموعة او مكبوتة او مهملة اصبحت الممارسات السياسية منقطعة عن القيم السائدة في هذه المجالات وغير متصلة بها وغريبة عنها واصبحت تلك الممارسات مفروضة فرضا على الواقع الاجتماعي, مما يتنافى مع الديمقراطية التي معناها كما اسلفنا اتاحة امكانية تحقيق البدائل المختلفة. والفرض يتنافى طبعا مع الحرية لأن الفرض تقييد والحرية انطلاق, والحرية لا يمكن ان تتعايش مع الفرض او الاملاء او التقييد. الدكتور: تيسير الناشف: مفكر عربي مقيم في الولايات المتحدة