بدون مبالغة ـ يقول احد الكتاب ــ ان مجموع ما كتبته في حياتي الصحفية اكثر من20الف مقال, وأحد عشر كتاباً, دون أن استطيع احصاء عدد التعليقات الاذاعية التي كتبتها وأذعتها, وظهرت على شاشة التلفزيون أكثر من عشرين مرة , لكن الناس أو معظمهم على الأقل لا يتذكرون من كل هذا, إلا ما قلته على الشاشة الصغيرة (التلفزيون) . حديث الكاتب الصحافي هل يقود إلى استنتاج مؤداه أننا نشهد نهاية عصر الكلمة المكتوبة, ومن يكتبها طبعا, وسيطرة عصر الكلمة المرئية أو المسموعة في آن واحد؟ اخشى ان اقول أن حديث الصحافي المبدع (نبيل خوري) يضعك في مواجهة تحتاج إلى شجاعة أكثر مما تحتاج إلى مكابرة, والشجاعة أن تقول: ان الأمور التي نعيشها تقود إلى هذا الاستنتاج فعلاً, لكن الشجاعة لا تمنع المقاومة والتمترس وراء شجاعة أخرى أكثر أهمية, هي شجاعة الاستمرار بشراسة حب البقاء. كان الناس يسهرون وفي احضانهم الكتب, صاروا يسهرون مبحرين في صوت كاظم الساهر وديانا حداد, لكن لا كاظم ولا ديانا ولا غيرهما يستطيعون نحت ذلك الممر الصلب إلى وجدان الجماهير كما نحته نجيب محفوظ, ونزار قباني, والجواهري, وكل قافلة حملة القلم ممن عرفناهم ومن لم نعرفهم. ماذا بقي من حضارات الأمم التي حفرت لنفسها مكانا في سماء المسيرة الإنسانية, هل يتذكر الناس راقصة الفرعون, أو مطربة الملك أو مصمم أزياء الخليفة؟ ربما بشكل عابر, لكن كل الحضارات حفظت نفسها في ذاكرة الزمن بالنحت والكتابة على جدار البشرية المجيد, الكتب والمخطوطات. ولذلك فليس من قبيل المبالغة أن تحسب بداية الحضارة بذلك اليوم الخالد الذي عرف الإنسان فيه الكتابة, ولا يهم بعد ذلك ان كانت هذه الكتابة على الجدران, أم على جذوع الاشجار أم جلود الحيوانات, المهم أن تكون المفصل الرئيسي في تاريخ الحضارة, أية حضارة. إذن, وطالما لم تنته الكلمة المكتوبة كل هذه الاحقاب والقرون, فلن تنتهي أبداً, وعصر (الهلس) الذي تحدث عنه نبيل خوري ككل عصور الانحطاط والطوائف, سريع الانتشار, سريع الاستحواذ, لكنه سرعان ما تقصفه كلمة, تلك هي الكلمة المكتوبة, المستمرة, ووحده الكاتب سيبقى, بشرط أن يستمر وأن يكتب وألا (يستقيل) من هذه المهمة الحضارية, لأن عصرا تعيسا كعصر (الهلس) الفضائي استطاع أن يسلبه وظيفته. وبما أنه لا كرامة لنبي في أرضه, فكذلك لا كرامة لكاتب أو مبدع في عصر الفضاء والفيديو كليب, لكن لينس الكاتب والمبدع هاجس الشهرة ولا يقارن نفسه بأتفه مذيعة, وأتفه قارىء نشرة أخبار, وصغار المطربين والمطربات الذين تعرفهم الملايين, وترقص على أغانيهم وتشتري بضاعتهم الرخيصة, ذلك أنه في عصور الانحطاط تزدهر البضائع الرخيصة دائماً.