يوم السادس من أكتوبر من العام الماضي شهدت قاعة العشاء في البيت الابيض حفلا محدودا اقتصر على عشرة فقط من قيادات اليهود في أمريكا. كان الحفل لتكريم رئيس اسرائيل عيزرا وايزمان وكان طابعه يهوديا خالصا او شبه خالص. وربما باستثناء بيل كلينتون المسيحي المعمداني المذهب, كان هناك الى جانب اليهود , نائب الرئيس آل جور وله بدوره نسب يهودي وكانت ايضا مرجريت أولبرايت التي (اكتشفت) يهوديتها مؤخرا فضلا عن يهودي قح آخر هو ساندي بيرجر مستشار الرئيس الامريكي للأمن القومي. ورغم ان رئيس اسرائيل يتولى منصبا فخريا او بروتوكوليا.. فان القضايا التي تناولها اجتماع السادس من أكتوبر الماضي في واشنطن كانت ابعد ما تكون عن الاحتفاليات او الشكليات, لأنها دارت حول محور أساسي يمكن تلخيصه في عبارات تقول: .. لقد آن الاوان لاعادة النظر في علاقة يهود أمريكا بنظام الحكم الليكودي القائم حاليا في اسرائيل. استطلاع هام للرأي ولم يكن من المصادفات ان شهد نفس اليوم 6/10/1997 اذاعة نتائج استطلاع الرأي الذي أجراه منتدى دراسة السياسات الاسرائيلية وهو أحد مراكز البحوث المهتمة باسرائيل والحركة الصهيونية واتجاهات اليهود في امريكا والعالم, وجاء في مقدمة هذه النتائج ان 84% من افراد العينة المفحوصة من يهود أمريكا أكدوا انهم يفضلون ان (تضغط) امريكا على اسرائيل بمعنى أن تمارس ادارة الرئيس كلينتون ضغوطها على حكومة بنيامين نتانياهو, مثلما تضغط على الجانب الفلسطيني لتحقيق هدف اساسي يتمثل فيمايلي: .. انقاذ عملية السلام المترنحة في منطقة الشرق الاوسط. هكذا جاءت نتائج الاستطلاع لتشير الى متغيرات طرأت على اتجاهات الرأي العام من يهود امريكا تجاه السياسات التي يتبعها ائتلاف اليهود الحاكم في اسرائيل. ولاول مرة.. يصرح زعماء اليهود الامريكيون باهمية ممارسة (الضغط) على اسرائيل رغم ان كلمة ضغط ــ برشر بالانجليزية ــ كانت من المحرمات في اروقة وربما ملفات وزارة الخارجية الامريكية, حتى ان الكاتب السياسي الامريكي (جوناثان برودر) يقول ان الدبلوماسيين وراسمي السياسات في الخارجية الامريكية يسمونها باسم (بي وورد) بمعنى انهم ينطقون اول حروفها ــ الباء دون ان يجسروا على التلفظ بالكلمة كاملة وكأنها اصبحت تابو او اسما فظيعا محاطا بالأرصاد والمحرمات لو نطق به السياسي لحاق به من خدام الاسم المحرم خطر محدق فظيع. مع ذلك فقد شهد اجتماع البيت الابيض اعلانا فيما يشبه الاجتماع من زعماء الجالية اليهودية الامريكية وكان على رأسهم ملفين سالبرج رئيس مؤتمر المنظمات اليهودية وهو بمعنى آخر رأس الشبكة الفعالة من حيث الضغوط على صانعي السياسة في الحكومة والكونجرس, وقد ايدوا الرئيس الامريكي في جهوده للجمع (بين نتانياهو وعرفات) على مائدة مفاوضات وبذل جهود اكثر من حثيثة للتوصل الى محصلة ايجابيات للمفاوضات بين الطرفين ويومها قال تأملهم على نحو ما ينقل في الكاتب (جوناثان برودر) : فخامة الرئيس: اننا نرى فيك اكثر الرؤساء الامريكيين تأييدا لاسرائيل ونحن عندما نتكلم عن أهمية الضغط على حكومة اسرائيل فلسنا نتكلم فقط عن المنظمات التي نقودها بل نتحدث عن الجالية اليهودية, الامريكية بشكل عام. اسباب التغيرات والسؤال هو: لماذا تغيرت الى حد ملحوظ اتجاهات يهود أمريكا الى المؤيده باستمرار لحكام اسرائيل؟ الاجابة توردها دراسة عن نتانياهو ويهود امريكا نشرتها مؤخرا فصلية (وورلد بوليسي جورنال) عدد الربيع 1998 وقالت فيها: لقد بات يهود امريكا يشعرون بخيبة امل عميقة ازاء ما تجلى في زعامة نتانياهو من سلسلة من الاخطاء التي لا نهاية لها, ومن سلوك الاستفزاز والتحرشات والصراعات الداخلية مما جعل عملية (اوسلو) للسلام تصل الى حافة الهاوية وتوشك على الانهيار رغم انها كانت تحفل بوعود وآمال في يوم من الايام. في هذا السياق ايضا تورد زعامات يهود امريكا بعض حلقات هذه السلسلة من اخطاء نتانياهو وحكومته.. ومنها مثلا .. الاشتباكات مع الفلسطينيين حول النفق الاثري الذي يمر اسفل مدينة القدس .. الامعان.. بالاستفزاز في بناء مستوطنات يهودية جديدة وخاصة مستوطنة شرقي القدس .. عملية اغتيال زعيم منظمة حماس في الاردن وقد كشفت معها اوراق وكالة مخططات اجهزة الامن والاستخبارات في اسرائيل. والذي نريد ان نتوقف عنده في هذا الصدد هو ان زعامات يهود امريكا ــ لم تفقد بالطبع تأييدها للكيان الاسرائىلي, لكنها شرعت تعيد النظر في قدرة رئىس الوزراء نتانياهو على ادارة دفة الامور وعلى الاستثمار الرشيد ولو على طريقة المرابي اليهودي المحترف ــ لكل ما تراكم لصالح اسرائيل من مكتسبات مابين انهاء المقاطعة العربية التقليدية, ومابين كسر طوق العزله عن الكيان العبراني ابتداء من سلام انور السادات في كامب ديفيد الى سلام الملك حسين المتسم بدفء غير عادي في نظر المحللين الامريكيين الى سلام ياسر عرفات الذي رفعوا على بابه لافتة (الشجعان) ولانهم لايريدون ان تفلت الفرصة التاريخية فقد اعطوا الرئيس كلينتون الضوء الاخضر لممارسة ضغوط ولو مستترة على اسرائىل وقيادتها في اي محادثات مقبلة (كان اخرها محادثات لندن ومن بعدها محادثات واشنطن في منتصف مايو الماضي, لا عجب ان يقول المحلل السياسي (ج جولدبرج) وهو من خبراء الشؤون اليهودية في امريكا. لقد التقى زعماء اليهود مع كلينتون وكان في جعبتهم رسالة واحدة تقول سيادة الرئىس نحن نحبك ونثق فيك فافعل مايجب عليك ان تفعله هكذا بغير زيادة أو نقصان. ليهود امريكا مصالحهم ايضا ليس معنى هذا ان يهود امريكا قد تحولوا الى مؤيدين للحق العربي ولادعاة يبشرون بالعدل وانصاف الشعوب. ولا معناه اننا بازاء ظاهرة ايجابية على طول الخط.. ولكن معناه اننا امام تطورات ومتغيرات تطرأ على الشأن اليهودي الامريكي وعلينا ان نرصدها اولا. بموضوعية وفي حجمها الطبيعي ثم نعمل ماوسعنا الجهد على وعيها ومن ثم استثمارها في ادارة العلاقات مابين الشد والجذب مع الكيان الصهيوني في اسرائىل (لا نقصد بالعلاقات التطبيع والغزل الرخيص مع تل ابيب بل نقصد بها ادارة الصراع مع الكيان الاسرائىلي) . المهم ان يهود امريكا يدركون ان لهم مصالح كامريكيين ورجال اعمال ومستثمرين في الشرق الاوسط هكذا فتح عيونهم شيمون بيريز في كتابه الاشهر بعنوان (الشرق الاوسط الجديد) ناهيك عن اكثر من مؤتمر اقليمي شاركوا فيه ولعلهم تلمظوا انتظارا لعوائده ومكاسبه ما بين الدار البيضاء الى الدوحة. من هنا تواصل نتائج الاستطلاع الذي اشرنا اليه في مطلع المقال الكشف عن تلك الاتجاهات المتغيرة بين اوساط يهود امريكا فنقول .. 94 في المائة (اغلبية كاسحة او شبه مطلقه بالنسبة للاستطلاعات العلمية في امريكا) من اليهود الامريكيين يوافقون على ان ثمة حقائق جديدة تطرح نفسها في المنطقة وتنطوي على آمال واعدة باقرار السلام .. 79 في المائة يفسرون سياسات نتانياهو مابين مواصلة المستوطنات ومصادرة الاراضي (الفلسطينية) وهدم المنازل ــ على انها محاولة من جانب رئيس وزراء اسرائيل وحكومته لارجاع عقارب الساعة الى الوراء. (نص تعبير مجلة وورلد بوليس جورنال ــ ص91). اكثر من هذا, وتلك ايضا حقيقة يهمنا ان نضع تحتها عشرات الخطوط الحمراء من اجل تنبيه صانعي السياسة في العالم العربي. ان الصدوعات التي باتت تفصل بين اليهود الامريكيين وبين حكومة نتانياهو ترجع كذلك الى عاملين او تحالفين في غاية الاهمية. العامل الاول هو تحالف نتانياهو في داخل اسرائىل مع الجناح اليميني الرجعي والبالغ التعصب من اليهود من اجل اعادة تعريف من هو اليهودي ليوافق اهواء واتجاهات اليهود المحافظين الارثوذكس وهو ما اصبح يعرض للخطر تيارات اليهود الليبراليين التي تحمل شعارات الاتجاهات التنقيحية او الاصلاحية او التجديدية. وليس لأحد ان يستهين بهذه الخلافات فهي من اخطر ما يكون, بل هي بمثابة (كعب أخيل) او نقطة الضعف القاتلة في الكيان اليهودي (اسرائيل) وفي علاقاته مع اليهود من خارجه وخاصة في امريكا. فالخلافات بداية تستند الى تفسيرات دينية وهي تكتسب بهذا روح التعصب والتكفير والتشدد, والخلافات ايضا وصلت الى حد ان وصف الارثوذكس الحرفيون او النصيون معابد اليهود الليبراليين ــ الامريكيين بانها مجرد.. (مواخير) وعندما حاول يهود ويهوديات من امريكا التعبد عن حائط المبكى غربي القدس.. فوجئوا بمن يعترضهم من اليهود الارثوذكس الذين لم يتورعوا عن ان يلقوا على الامريكان وابلا من القاذورات والنفايات الآدمية! العامل الثاني وهو خطير بدوره حيث يقوم حاليا بين زعامة اسرائيل (نتانياهو ــ الليكود) وبين اليمين المسيحي المحافظ (الرجعي ايضا) في امريكا, والتحالف يقوم بالذات بين رجلين اولهما بالطبع نتانياهو وثانيهما اسمه جيري فالويل (تذكروا الاسم جيدا فهو يمثل كابوسا ثقيلا ورمزا مقيتا في محيط السياسة الامريكية من حيث اتجاهاته التي تتعارض مع حقوق الشعوب والعدل الاجتماعي وتتنكر لكل ما تواضع عليه العصر في مجال حقوق الانسان). والمشكلة ان فالويل هذا ينطق باسم الجماعة الانجيلية ــ البروتستانتية في امريكا وقوامها نحو 70 مليون نسمة وهم يمثلون قاعدة يستند اليها زعامات الجمهوريين من اعداء الرئيس كلينتون وحزبه الديمقراطي. هكذا تتداخل السياسة مع الدين (او فلنقل مع استغلال الدين) وتتشابك التحالفات التي يسعى اليها عدونا تعزيزا لمواقفه وامعانا في سياساته. واذا كانت الادارة الامريكية قد عمدت الى ممارسة ضغوطها على نتانياهو.. فالرجل لن يعدم وسائل شتى وبديلة للالتفاف من حول هذه الضغوط. وهذا معناه ــ وللمرة المليون ــ ان الجانب العربي مطالب بمزيد من الموضوعية ومزيد من المعلومات وبالذات حول المتغيرات التي تطرأ على الساحة السياسية الامريكية وايضا الساحة السياسية ــ الحزبية والدينية داخل اسرائيل ذاتها بين لحظة واخرى فهل نحن فاعلون. ام سنظل نتفيأ في دعة لذيذة ظلال التكرار والشعار والتعميم الذي لا يغني ولا يسمن بحال من الأحوال؟