كان يوم الجمعة الماضي 17 يوليو 1998 يوما مشهودا في كاتدرائية (بياروبول) بمدينة (سان بيتر سبرج) في روسيا حين انحنى الرئيس بوريس يلتسين وزوجته أمام جثمان آخر قيصر حكم روسيا (نيكولاس الثاني) . وفي الواقع لم يكن في النعش جثمان... بل مجرد عظام محروقة عثر عليها بعض الباحثين في الآثار في مدينة (ايكاترنبرج) الروسية التي ارتكبت فيها منذ ثمانين سنة بالضبط (يوم 18 يوليو 1918) جريمة قتل القيصر وزوجته (ألكسندرا) وخمسة من أطفالهما وبعض الخدم القائمين على خدمتهم, ذات يوم من أيام (انتصار الشيوعية البلشفية...) فيا له من انتقام الامبراطورية القيصرية الروسية بعد ثمانين عاما على أطلال تلك الشيوعية البلشفية التي ماتت ودفنت وانتهت ولا أحد يعرف لها قبرا أو جثمانا. هذا الحدث الذي أراده (يلتسين) بسيطا وبروتوكوليا تحول إلى مظاهرة شعبية خرج فيها مئات الآلاف من الروس في أغلب مدن روسيا رافعين صور القيصر نيكولاس الثاني وزوجته وأطفاله... حتى اضطر (بوريس يلتسين) إلى القاء خطبة مؤثرة في الكاتدرائية قال فيها: (إن قتل القيصر جريمة لا تغتفر قام بها (الشعب) ! في لحظات مظلمة من تاريخنا نأمل ألا تعود أبدا..) . ولانارة هذه اللحظات المظلمة) يجب أن نعود إلى ظروف ثورة روسيا التي لا تختلف عن كل الثورات الدموية في العالم حين انتصر (لينين) في أكتوبر 1917 وقضى على أسرة (رومانوف) الحاكمة وقام النظام الشيوعي الجديد بنفي القيصر وأسرته إلى اقليم (الأورال) في مدينة (ايكاترنبرج). ويقول لنا المؤرخ الروسي (فلاديمير فولكوف) إن (لينين) هو نفسه الذي أعطى الأمر بقتل القيصر وعائلته تمثلا بقتل ملك فرنسا (لويس السادس عشر) وزوجته (ماري انطوانيت) فيما تسمى بالثورة الفرنسية عام 1789. فبينما كانت العائلة القيصرية تنام مطمئنة ليلة 17 يوليو 1918 بعد شهرين من العذاب والملاحقة والقمع والبهتان.. حل القتلة تلك الليلة وعددهم اثنا عشر من عتاة المجرمين وتجار المخدرات بالبيت الذي يقيم فيه نيكولاس الثاني وأسرته واعلموا القيصر ان لديهم أوامر بنقلهم إلى مكان آمن بسبب اقتراب الثوار من المدينة وشرع القيصر يرتدي ملابسه وكذلك فعلت الامبراطورة (ألكسندرا فيدوروفنا) والأميرات (الجا ــ 22 سنة) و(تاتيانا ــ 21 سنة) و(ماريا ــ 19 سنة) و(أناستازيا ــ 17 سنة) وكذلك ولي العهد الأمير (الكسس ــ 14 عاما) وطبيب العائلة المخلص الدكتور (بوتكين) وثلاثة من الخدم الذين لم يقبلوا التخلي عن العائلة القيصرية وواصلوا خدمتها.. بدون مقابل وهم: مرافقة الامبراطورة السيدة (أنا ديمدونا) ومرافق الأمراء (ألكسس تروب) والطباخ (ايفان كاريتونوف)... قام المجرمون بانزال أعضاء الأسرة إلى دهليز البيت بعد أن أوهموهم ان العربات قادمة لتأخذهم إلى مكان آمن... ثم جاءت كتيبة من الجيش الأحمر وأخذت تطلق النار على القيصر وبناته وأولاده وزوجته وأجهز عليهم الجند بالسيوف وسرقوا المجوهرات, في حين كانت شاحنات الجيش أمام البيت تشغل محركاتها وتطلق صافراتها لتغطي على أصوات اطلاق النار حتى لا يعلم الشعب شيئا عن الجريمة. وبعد الجريمة وعلى مدى شهور طويلة ظل السر قائما وظل رجال الحرس يحرسون البيت كما لو كان سكانه أحياء يرزقون وبعد اكتشاف المجزرة أصبح بيت (ايباتياف) الذي شهد الجريمة محجا للمواطنين الروس يزورونه أفرادا وجماعات ويوقدون فيه الشموع ويصلون فيه على الطريقة الأرثوذكسية قربانا لأرواح عائلة (رومانوف). وحين تفاقمت ظاهرة زيارة بيت (ايباتياف) وتضايقت السلطة الشيوعية في الأورال من تصاعد الشعور القيصري ضدها, تم تدمير البيت ومسحه من على وجه الأرض بإذن خاص وحازم من الأمين العام للجنة المركزية الشيوعية باقليم الأورال في السبعينات الذي كان اسمه (بوريس) ولقبه (يلتسين) وهو نفسه الذي سيصبح رئيس روسيا بعد حوالي عشرين عاما وهو نفسه الذي سينحني بخشوع أمام رفات القيصر المظلوم وعائلته المسكينة وهو نفسه الذي سيعلن يوم 17 يوليو 1998 بأن (على الشعب الروسي أن يطلب الصفح من ضحاياه) . ما أغرب تقلبات التاريخ وما أكثر عبرها القاسية وما أقل الذين يعتبرون بها. وقديما قال الامام علي ــ كرم الله وجهه ــ فيما نقله الشريف الرضي: (ما أكثر العبر وما أقل الاعتبار) . ها نحن نشهد عادة الاعتبار للقيصر المغدور به بعد أن انهار نظام الشيوعية الدموي على رؤوس أتباعه وتجاره وسحرته ولم يبق منه أي أثر. وها نحن نرى أغلب شرائح الشعب الروسي تلتف حول أمير شاب هو حفيد القيصر واسمه (جورجي رومانوف) بأمل عودته إلى عرش أجداده... وفي انتظار ذلك قام أسقف روسيا الأكبر (ألكسيس الثاني) في نفس يوم دفن رفات جده بتعميد هذا الأمير الشاب في كاتدرائية (سان سارج) لتكريس الثنائية العريقة القائمة بين الكنيسة الروسية وعائلة رومانوف الحاكمة. مثلما كان الأمر عبر القرون. وبعد ذلك يبقى أغرب ما في هذا الحدث هو اصرار نهر التاريخ على الرجوع إلى مساره الطبيعي رغم محاولات تحويله عن مجراه... ففي الحضارة كما في الطبيعة يستحيل خروج نهر واثق عن الخط الذي ولد فيه وتدفق.