تعتبر الأزمة المالية التي اندلعت في شرق آسيا أكبر امتحان للعولمة ولدعوتها الاحتفائية , بل وأكبر تحد لها, ولغة الأرقام مبينة بما لا يحتاج إلى زيادة تعبير أو ايضاح, فقد تقلص اقتصاد اندونسيا بـ 80%, وتايلاند بـ50% وكوريا الجنوبية بـ 45% وماليزيا بـ 25% ناهيك عن قيمة العملات وسوق البورصة اللذين غارا إلى مستويات منخفضة, وإلى البطالة والفقر اللذين قفزا إلى مستويات مرتفعة. لم يكن بدعا ان تصدر كتابات رصينة تشكك في مسار العولمة وفي ايجابياتها المحتملة وفي فضائل التجارة العالمية, كما يقول جون جراي في كتابه الفجر الكاذب فالتجارة العالمية لن تكون الأداة التي تسد الهوة بين الدول الغنية والدول الفقيرة, وليس بمقدور الدول الفقيرة ان تعتمد على مزاياها التفضيلية في الشغل, على اعتبار الأجور الزهيدة التي يتقاضاها العمال, فالاقتصاديات الكبيرة أو السلم, على مستويات أسواق ضخمة قللت من أثر عمالة الدول الفقيرة الزهيدة. فضلا عن التكنولوجيا المتطورة.. لن تفرز العولمة مزايا تعم فضائلها العالم. بل الأدهى حسب قول John Gray في كتابه الفجر الكاذب,الذي يحمل قوله على محمل الجد ان العولمة ايديولوجية يتهافت الناس حولها كما تهافتوا على ايديولوجيات خلت, هي شبيه بالأيديولوجيا الشيوعية التي قضت وانتهت. شبيهة بها في نزوعها العقلاني وفي منحاها نحو الفعالية وفي عدم اعتبارها للتاريخ وللخصوصيات الثقافية, وكأني بصاحبنا يهيئونا لنهاية العولمة كما انتهت الشيوعية. ومهما يكن من أمر فإن دعاة العولمة في مركز دفاع, ومن اللازم في تصوري ان نرصد كل هذه الأصوات الرصينة في عالم متداخل, أو في قرية كونية, حسب التعبير الرائج, فما يحدث على جنبات الباسفيك ليس بذي أثر في أفريقيا أو أمريكا اللاتينية, لا لأن الاقتصاد العالمي متداخل كما لم يسبق له من ذي قبل ولكن لأن التصورات التي سادت والاختبارات التي غلبت والحلول أو العلاجات التي قدمت هي الآن موضع نظر, ولعل من هذه الأفكار تلك التي صاغها فريد محمد زكريا مدير تحرير مجلة (فورين أفيرز) الذائعة الصيت في مقال له بــ (نيويورك تايمز) المؤثرة, نحن امام قول رجل خبير ذي باع طويل وفي منبر مؤثر. مضمون قول فريد زكريا ان نار الهشيم التي اندلعت في شرق آسيا قد ترهن احد اهم مكتبات ما بعد الحرب الباردة وتهدد استقرار المنطقة. بل الاخطر حسب قول زكريا قد تنسف آفاق السوق العالمية والليبرالية السياسية عبر العالم, فحينما اندلعت الازمة في تايلاند في يونيو من السنة الماضية اعتبر انها محدودة وان جهود صندوق النقد الدولي ستستطيع ان تطوقها وتعيد الاستقرار. كل هذه المقارنات تبين انها كانت خاطئة ووصفات صندوق النقد لم تكن ناجعة. فقد استفحلت الازمة وأثرت في اقتصاديات كبيرة مثل روسيا واستراليا. وأخرى بعيدة مثل المكسيك وجنوب افريقيا. بعد سنة من اندلاع الازمة وبعد علاجات صندوق النقد الدولي برز في هذه الدول اتجاه مضاد ضد سياسة التحرير التي يدعو لها الصندوق ورفعت شعارات شعبوية ودعوات حمائية. ومن المحتمل ان تسري هذه الدعوات المضادة عبر العالم لتصبح اتجاها عاما. فما يا ترى العمل؟ فإذا لم تتحسن الامور واضطرت دول شرق آسيا ان تتنكر لديونها وان تقدم على مراقبة الرأسمال على عملاتها. فاقرأ على العولمة السلام. والقول ليس لي. فهاجس فريد زكريا انقاذ العولمة لأنه في امتحان خطير ولذلك يقدم على اعادة النظر في العلاج الذي طرحه صندوق النقد الدولي. فصندوق النقد الدولي لم يخرج عن الحلول التي كان يقدمها لدول العالم الثالث في اعادة هيكلة اقتصادياتها من تخفيض النفقات ومن التشديد على سياستها الضريبية. فلقد ادت وصفات صندوق النقد الى نتائج عكسية. لكن اخطر قرار حسب فريد هو الذي اقدم عليه الصندوق بزعزعة الامبراطوريات البنكية أو ما اصطلح عليه Grony Capitalism لا لأن هذا الاجراء كان خاطئا ولكن توقيته لم يكن مصيبا لأنه جعل الحكومات هشة وحرمها من قاعدة شعبية. وبتعبير آخر ان اجراء الصندوق كان اجراء تقنيا صرفا دونما اخذ بعين الاعتبار للبعد السياسي. هاجس فريد زكريا انقاذ العولمة لأن في اخفاقها اخفاقا للنظام السياسي الذي تتصدره الولايات المتحدة وفتح الابواب لعدم الاستقرار العالمي وتهديد للسلم العالمي. على غرار ما عرفه العالم في الثلاثينات حينما انهار النظام الاقتصادي الذي كانت تتصدره بريطانيا فانبعثت اتجاهات حمائية على انقاض الازمة باسم الشيوعية وباسم الفاشية. ثم بعدهما انهيار الاقتصاد العالمي والتوتر الدولي الذي افضى للحرب. فهل يكون مستقبل آسيا هو ماضي أوروبا؟ هذا ما يريد فريد زكريا تفاديه بدور فاعل للولايات المتحدة.