منذ زمن بعيد قرأت كتابا بعنوان: (لماذا ستطأ الأقدام العربية أرض المريخ) الكاتب هو الدكتور التونسي منصف المرزوقي , خريج جامعات فرنسا وهو متخصص في أمراض المخ والأعصاب, كتب في مواضيع أخذت ومازالت طابع الحساسية في النطاق العربي مثل: التغرب, التراث, التخلف والمستقبل المجهول .. وأجمل ما يشدك إلى كتاباته الالتزام الوطني الذي تحسه في كل جملة من جمل الكتاب اضافة إلى موضوعية المنهج العلمي. والذي أعادني إلى ذكريات الكتاب صفة التخلف التي لا تريد ان تغادرنا بعد ان طال بها المقام وأعجبها هذا الالحاح والتمسك الذي نعاملها به, والغريب ان صفة (متخلف) أصبحت من مفرداتنا اليومية التي قد لا يمر يوم دون ان نستمتع بتمريرها على ألسنتنا وكأننا نتأكد بأننا لم نضيعها مثلما ضيعنا كل شيء تقريبا. في هذا الكتاب هناك فصل بعنوان: لماذا نحن متخلفون؟ يطرحه الكاتب على شكل حوار بينه وبين آخر. هذا الآخر يقول الأسباب المبتذلة والمتداولة لنظرية التخلف العربي, بينما كاتبنا يقدم الأدلة على تهافت هذه الأسباب, حيث يريد ان يصل في النهاية إلى السبب الحقيقي. من جملة ما ذكره ذلك الآخر في تفسيره لمعضلة التخلف اللصيقة: ان سبب تخلفنا هو الاستعمار والامبريالية والصهيونية. فهل هذا السبب حقيقي؟ يقول د. المرزوقي: القانون الذي يسير التاريخ يقول: لا يستعمر إلا من كان قابلاً للاستعمار, ولا تسلب إلا أرض الضعفاء. الاستعمار ليس سببا للتخلف, بل هو تتويجه وخاتمته الحتمية وحاول ان تستعمر اليابان أو تبني لك وطنا قوميا في كندا أو فرنسا. يحكي د. المرزوقي عن تجربته الشخصية يوم كان طالبا في فرنسا ليدلل من خلالها على ما يريد. يقول: هذا أول يوم لي في فرع أشعة أمراض الأعصاب, وصلت كالعادة إلى المستشفى حوالي الثامنة وكنت وجلاً شيئا ما, استاذنا كان معروفا بعصبيته, وجدته ينتظر في مدخل قاعة الفحوصات, قال ببرود: كم الساعة الآن يا أستاذ؟ الثامنة ودقيقتان.. ثم كانت الطامة. لقد انفجر الاستاذ العجوز في وجه طالب الطب العربي واعتبره سارقا! نعم سارق دقائق من حياة المريض ومن خزينة فرنسا, هكذا رأى الأستاذ فعل الطالب, أما الطالب: فقد حدث نفسه: لابد أنه مجنون أو أن زوجته هربت مع مهاجر عربي, أيعقل ان يفجر هذه الفضيحة في المستشفى بسبب دقيقتين!! في الغد وصل الطالب في الثامنة إلا ربعا ليتحاشى شر الأستاذ, فوجده يعمل, حّياه بلطف ومر اليوم بسلام, عرف استاذه بالممارسة ثم احبه بعد ان تعلم منه كل شيء عن المخ وأمراضه, كان يصل في السابعة صباحا وينصرف في العاشرة مساءً, وكان يتفقد الأضواء قبل مبارحة المكان مطفئا ما نسي منها مرددا: ادخار الطاقة واجب على كل فرنسي. كم موظفا لدينا يكلف نفسه (عناء) اطفاء أضواء مكتبه قبل ان يغادره؟ نادرا ما نفعل, لأنها من المهام (الشاقة) التي أوكلناها للفراشين و(الرفيق) الهندي! قال ذلك الآخر ضاحكا: الحل لمعالجة الوضع العربي المتدهور ان (نؤجر) هذا الوطن إلى من هم بحق أجدر به منا, نتقاسم ثمنه ونهاجر ويطفئ آخر من يخرج منا أضواء المطار!! أقول: هذا ليس حلاً, فيكفي ان نحبه بشكل صحيح وسيتقدم بالتأكيد.