مثلت زيارة وزير النفط العراقي عامر رشيد إلى دمشق ومحادثاته مع المسؤولين السوريين , ومما تمخض عنها من نتائج خطوة جديدة في علاقات دمشق ـ بغداد, ونقلة باتجاه تحقيق تحسن ملموس في العلاقات بين البلدين, وهي علاقات طالما اتصفت بالتوتر والصراع لاسباب بعضها ظاهر معروف, وبعضها الاخر كامن, لم يستطع كثير من متابعي العلاقات السورية ـ العراقية الكشف عنه واشهاره. والنقلة الجديدة لعلاقات دمشق ــ بغداد ظهرت في نقطة معلنة بالاتفاق السوري ــ العراقي بصدد انبوب النفط المار عبر سوريا, كذلك ظهرت النقلة في خطوة جرى الحديث حولها, وهي البحث, بل القيام بخطوات عملية لاستئناف العلاقات الدبلوماسية بين سوريا والعراق, والتي يبدو في سياقها الاعلان عن اعادة فتح المركز التجاري العراقي في دمشق, وفتح مثيله السوري في بغداد. وتتمثل اهمية ما جرى في دمشق مؤخرا, انه يعكس خطوات اولى في نهج سياسي سوري ــ عراقي للعلاقة بين البلدين خارج النتائج الكارثية المباشرة لحرب الخليج الثانية على العراق, والتي فرضت مستوى معين من العلاقات بين دمشق وبغداد اساسها تطويق بعض نتائج تلك الحرب وتخفيف المعاناة عن الشعب العراقي في مواجهة العقوبات الدولية المفروضة منذ ثمان سنوات. ومن ناحية اولى, فان تدفق النفط العراقي عبر الخط المار بسوريا إلى شاطىء المتوسط متوقف منذ ابريل عام 1982 بسبب التصاعد في الخلافات السورية ــ العراقية, ويمثل الاتفاق الاخير بين البلدين عودة إلى تجاوز الظروف التي اقتضت اغلاق الخط, كما ان الاتفاق شمل ايضا, اقامة مصفاة لتكرير النفط العراقي في بانياس بطاقة قدرها 140 الف برميل, وهو ما يمثل تحولا نوعيا, اذ ان الاتفاق لا يعيد الامر إلى ما كان عليه قبل عام ,1982 بل يتجاوزه إلى فتح افق جديد في هذا الجانب من العلاقات السورية ــ العراقية. ومن ناحية ثانية, فان العلاقات الدبلوماسية انقطعت بين البلدين في العام 1980 في اعقاب اتهام عراقي لسوريا بدعم حركة انقلابية لاطاحة النظام ببغداد, وهو امر نفته دمشق, لكن النفي السوري لم يمنع قطع العلاقات وتدهورها المتزايد لاحقا, وبعد حرب الخليج الثانية, اخذت تتصاعد الدعوات لعودة العلاقات بين البلدين, وتكرر الطلب مرات من جانب بغداد, لكن دمشق ارتأت ان بالامكان تطبيع العلاقات السورية ــ العراقية قبل استعادة العلاقات الدبلوماسية, بمعنى اخراج موضوع اعادة العلاقات بين دمشق وبغداد من طابعها الظرفي الذي يمر به العراق, ويحتاج خلاله إلى مؤازرة عربية لمواجهة ما يعانيه من العقوبات والحصار الدولي. ويبدو في الرؤية السورية ـ العراقية ان ذلك قد تحقق, ولهذا فان الشروع في ترتيبات واجراءات تؤدي إلى عودة العلاقات الدبلوماسية امور اخذ يباشر القيام بها فنيون من الجانبين. وبالتأكيد فان لهذه الخطوة أهمية كبرى في مجرى العلاقات السورية ـ العراقية, التي يحتاج البلدان إلى تجاوز سلبياتها التي توالدت في المراحل السابقة, وإلى تعزيز العلاقات حاضرا أو مستقبلا بسبب ما يواجهه البلدان من ظروف داخلية واقليمية. فحاجة العراق إلى دعم ومساندة سورية وعربية امر لا شك فيه, ليس من اجل تجاوز نتائج سنوات الحصار بما تركته من اثار مدمرة على بنية العراق التحتية وعلى سكانه فحسب, بل ايضا من اجل المحافظة على وحدة الكيان العراقي التي جعلتها التدخلات الاجنبية في مهب الريح, عندما دعمت الاتجاهات القائلة باقامة كيان كردي في شمال العراق, الامر الذي يمهد لتقسيم العراق إلى كيانات قومية وربما في وقت لاحق إلى كيانات (طائفية) وهو امر تعارضه سوريا بقوة, وقد كان احد اسباب تصاعد خلافها مع تركيا التي جعلت من تدخلاتها العسكرية جزءا من سياستها الثابتة في شمال العراق. وثمة مصلحة سورية ـ عراقية مشتركة في موضوع مياه الفرات ودجلة اللذين يغذيان العراق وسوريا باهم مصادر المياه الجارية, والتي تحاول تركيا ادخالها في اطار سياسة الضغط والابتزاز في علاقاتها مع سوريا والعراق, وهي تسعى ايضا إلى تسليع المياه, وتقاوم اية مساع سورية ـ عراقية لاقرار اتفاقات تستند إلى الشرعية الدولية لاقتسام مياه دجلة والفرات, الامر الذي يعطي التعاون السوري ـ العراقي في هذه القضية اهمية قصوى, وضرورة لا غنى عنها للبلدين. وعلى نحو ما هو عليه موضوع المياه باعتباره مصلحة سورية ــ عراقية مشتركة, يبدو موضوع التعاون النفطي مجسدا بالتعاون في ميدان نقل النفط وتكريره عبر سوريا وفيها, إذ هو يوفر في تكاليف نقل النفط العراقي مقارنة بواقع نقل النفط عبر تركيا من جهة وعبر موانىء التصدير في الخليج, وهو يعطي فرصة لسوريا للحصول على عائدات مهمة. واضافة إلى مصلحة العراق والمصلحة السورية ــ العراقية المشتركة في استعادة وتطوير العلاقات بين البلدين, فان لسوريا مصالح استثنائية يحققها تطوير العلاقات, والاهم في ذلك مصلحة استراتيجية, ذلك ان سوريا التي اخذت على عاتقها مهام اقليمية في مواجهة التمدد والهيمنة الاسرائيلية على الشرق الاوسط, احتاجت, وهي تحتاج إلى عمق استراتيجي يحمي ظهرها, وفي ظل تأزم العلاقة بين سوريا وتركيا من جهة, وتردي العلاقات السورية ــ الاردنية ومحدودية المجال الجيو ـ سياسي للبنان, فان السند الوحيد لسوريا يبدو العراق, ولان وضع الاخير على ما هو عليه, فإنه يكفي العراق ان يكون في الوقت الراهن ممرا إلى ايران التي تشكل حاليا سندا استراتيجيا لسوريا وبخاصة في تصديها لمشروع التمدد والهيمنة الاسرائيلية في المنطقة. وبطبيعة الحال, فان هناك مصالح سورية اخرى, ولاسيما في الجانب الاقتصادي تقضي بتطوير العلاقات السورية ــ العراقية وفتح ابوابها إلى اقصى الحدود, خاصة وان سوريا تعاني من محدودية توفر اسواق لبضائعها عن الصناعات الزراعية والتحويلية, وقد تكون اسواق العراق الاكثر استيعابا, والوصول اليها اكثر سهولة ويسرا في وقت يحتاج العراق البضائع والسلع السورية. والخلاصة, ان ضرورات العلاقات السورية ــ العراقية الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية كثيرة ومتعددة, وهي تفيد العراق كما تفيد سوريا في آن معا, الامر الذي يتطلب عملا متصاعدا لتطويرها, لكن الامر في هذا محكوم بعاملين اثنين, لا يمكن تجاوزهما ببساطة, اول العاملين: الموروث من تاريخ العلاقات السورية ــ العراقية بما فيه من سلبيات ومعوقات ينبغي التركيز على تجاوزها, وثاني العاملين واقع العقوبات الدولية المفروضة على العراق, والتي ينبغي السعي الحثيث من اجل اخراج العراق من اتونها, والعمل لاعادة تأهيل العراق, وحتى يتم تجاوز هذين العاملين, ينبغي ان نتابع في تطور علاقات دمشق ــ بغداد التقدم الممكن, والذي يمكن وصف محصلة سنواته الثلاث الماضية بالقول انه (مقبول) وقد يقودنا قريبا إلى وصفه بـ (الجيد) .