في مسيرة منظمة التحرير الفلسطينية عدد من المحطات المفصلية التي استشعرت فيها خطورة اتخاذ الموقف ومهابة استصدار القرار. ولعل الدورة التاسعة عشرة للمجلس الوطني الفلسطيني, والتي انعقدت في العاصمة الجزائرية بتاريخ اواسط نوفمبر سنة ,1988 وتم فيها اتخاذ القرار التاريخي باصدار مرسوم بـ (اعلان الاستقلال) , كانت بالنسبة لي, من اهم هذه المحطات واكثرها قسوة على ما كان يدور في نفوس المؤتمرين من صراع بين العقل والوجدان. لقد . ففي هذا الاعلان, رغم براعة صياغته ودقة لغته, وحرصه على التوفيق ما استطاع بين العقل والوجدان, ثم التنازل التاريخي والمفصلي عن الحق المطلق لشعب فلسطين بكامل ترابه الوطني الامر الذي لم تتجرأ أية قيادة عربية او فلسطينية على الاقدام عليه او حتى على جزء منه. ولقد تمت الموافقة على هذا القرار بأغلبية ساحقة, ولكن من تحفظوا عليه, لم يحاولوا عرقلته او التهديد بالانسحاب او بالانقسام بسببه. ولابد ان البعض لا يزال يذكر وقفة المناضل التاريخي جورج حبش الذي رغم تحفظه على القرار او بعضه, ارتأى ان يمسك بيد (ابوعمار) ليعلن بصوته المتهدج والعالي ان شركة النضال مستمرة حتى تحقيق شعب فلسطين لأهدافه الوطنية. لحظتئذ, وقبيل التصويت على القرار خرجت من القاعة فالتقيت بزميل آخر كان قد سبقني, هو الدكتور يوسف صايغ الذي سألني اذا كنت ضد القرار! وقلت له: لا فأنا حائر, ولكن اذا احتاج الوضع الى صوتي فسأصوت معه. وحاول احد الصحفيين الاجانب ان يستدرجني الى تعليق حول القرار, وكانت القاعة تشهد عاصفة من التصفيق, رافقتها ـ كما علمت ــ عاصفة مماثلة في جميع مراكز التجمع الفلسطيني داخل وخارج فلسطين المحتلة, فقلت للصحفي وانا اشير للدموع المنهمرة من عيون المئات من المتواجدين اترى هذا الدموع كلها, انها خليط من دمع مر وآخر حلو. اما المر فمرجعه ما اقدمنا عيه من تنازل فادح اما الدمع الحلو فمرجعه رجاء بطي صفحة طويلة من العذاب الفلسطيني على امل ان تقوم له هذه الدولة التي تم الاعلان عنها ولو فوق جزء من التراب, وليس كله. ولما حشرني لقول ما اشعر به انا في تلك الحظة قلت له أشعر بالراحة لأن ابي قد رحل عن هذه الدنيا, لأنه من المحتمل ان يبصق في وجهي لقبولي بهذا التنازل! سقت هذه التفاصيل بهدف الوصول الى تفسير السبب الذي حفز كل هذا الحشد من ابناء فلسطين المفترض بهم انهم من الطليعيين واصحاب التراث النضالي, للقبول والرضا بهذا القرار. صحيح انه كان هناك الكثير مما يمكن تعداده كأسباب للقناعة باتخاذ هذه الخطوة ولو عن غير اقتناع, ولكن لا اظن انها على اهميتها هي الاساس في ما حصل. السبب الاهم والاخطر والاساسي انه حتى تلك اللحظة كانت قيادة المنظمة وشخص (ابوعمار) بالذات موضع ثقة ومصداقية. حتى الرافضين لذلك القرار كانوا في قرارة نفوسهم يعتقدون ان ما تم اتخاذه من قرار لا يعدو ان يكون خطوة على الطريق نحو الهدف الاستراتيجي الكامل, وانه على اي حال لا يسد الافاق امام الاجيال المقبلة. ولذلك لم يتعثر العمل الجبهوي في اطار منظمة التحرير الفلسطينية لمدة اربع سنوات تلت اتخاذ هذا القرار وان كان لابد من الاشارة انها شهدت بداية العد العكسي لرصيد الثقة والمصداقية التي كانت للقيادة ولأبي عمار, الى ان كانت اوسلو واتفاقيتها, فطارت الثقة والمصداقية وانفرط العقد التحالفي وانشرخ الشعب وفصائله ومعظم قواه وفعالياته. قلت ما قلت تمهيدا لشرح الضجة الراهنة في الوسط الفلسطيني حول جدوى اقدام ياسر عرفات على اعلان قيام الدولة في مايو المقبل كما ردد اكثر من مرة, فهناك رأيان متناقضان الآن حول هذه المسألة بين مؤيد لها, يرى فيها تحديا مفصليا لاسرائيل وحكومتها, وربما مخرجا لقيادة السلطة من حفرة اتفاقية اوسلو, وآخر معارض لها ويرى فيها فخا قد يؤدي بالبقية الباقية من حقوق الشعب الفلسطيني! لقد سبق لي ان دعوت عرفات لاتخاذ مثل هذه الخطوة, اي الاعلان عن قيام دولة فلسطين في الذكرى الخمسين للنكبة, اي في مايو الماضي. وقلت في مقالة لي بتاريخ السادس من مارس ,1998 انه على ياسر عرفات ان يغتنم هذه المناسبة بصفته رئيسا للجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية لتكريس القرار الذي اتخذه المجلس الوطني والمعروف بـ (اعلان الاستقلال) واعتبار الخامس عشر من مايو سنة 1998 يوم تطبيق هذا الاعلان وولادة دولة فلسطين المستقلة فوق جميع الاراضي الفلسطينية التي تم احتلالها في يونيو 1967 وليحدث بعد ذلك ما يحدث. ولقد تابعت ردود الفعل على هذا الاقتراح خصوصا وانه كان متداولا في الاوساط الفلسطينية لدى القيادة الرسمية, واذكر من ضمنها اني شاهدت على الشاشة الصغيرة احد الصحفيين يسأل (ابوعمار) عن رأيه, ولما ابدى موافقته همس بأذنه مستشاره الاعلامي مروان كنفاني, وجعله يضيف: (ولكن في الوقت المناسب) مما ترك المسألة معلقة مائعة ومفتقرة الى المصداقية. وتوالت ردود الفعل العربية والدولية, وكلها تحذر من مغبة الاقدام على مثل هذه الخطوة. واذا كانت ردود الفعل العربية والدولية وبخاصة منها الامريكية مفهومة لأنها تستهدف تحاشي عراك جديد مع نتانياهو الذي ارعد وازبد وهدد بعودة قواته الى داخل الـ 3% من الارض التي خرجت منها حتى الآن, فإن بعض ردود الفعل الفلسطيني بمن فيها حماس بحاجة الى حوار. ان محصلة ما خرجت به المواقف الفلسطينية الرافضة للأعلان عن قيام الدولة هو انها تخشى ان تتسبب هذه الخطوة في تكريس ما هو قائم حتى الآن, على انه نهائي وان هذه الدولة ارتضت بقبول المستوطنات (المستعمرات) القائمة فيها وسلمت بالاراضي التي تم الاستيلاء عليها بشتى الذرائع والوسائل بعد احتلال سنة 1967. وبالطبع هناك من يرفض هذه الخطوة من حيث المبدأ ويعتبر اصلا ان قرار التقسيم لاغ وغير شرعي, هؤلاء لا اناقشهم في هذا الاطار هنا, لأن بحث العلاقة بين الاستراتيجية والتكتيك وبين الثابت والمتحرك يستحق جلسة الى جلسات (لحكماء العرب وفلسطين) لكي يحسموا في هذه المسألة المعلقة منذ دهور. وذلك انطلاقا من الاقرار بأن قضية فلسطين بخصوصيتها وواقعها, والاثر الدولي عليها, تحتاج في حلها الى معادلات مركبة ومعقدة, بعد سحب الاحتمال العسكري وضربة الصاروخ الواحد والمعركة الحاسمة الواحدة. انها مسألة تستحق البحث والروية بمعزل عن مزايدات العاطفة ودون اغفال للوجدان في آن معا. لمن يرى هذا المنطق وهذا المنطق, نعود للحوار حول جدوى هذه الخطوة سياسيا وفي ما يمكن ان يترتب عليها من نتائج وكيفية استثمار هذه النتائج, فانا من المؤمنين بأن مسيرة التسوية وفق اتفاقية اوسلو لن تعطي الجانب الفلسطيني اي جديد, هذا اذا كانت قد اعطت شيئا في الاصل, بل ولم تأخذ الكثير مما كان لدينا من مواقع واوراق ضاغطة. وستبقى اسرائيل نتانياهو ممعنة في سياستها الراهنة ومحاولة خداعنا لتصور اي شيء (تتنازل) عنه وكأنه عطاء منها, كما هو الحال بالنسبة لمفاوضات اعادة الانتشار ما بين 13,1% او 9% من اراضي الضفة الغربية. ان استراتيجية اسرائيل الثانية هي احتلال كل فلسطين, والهيمنة على دول الطوق واستغلال دول النفط والثروات المعدنية. ولا اعتقد ان الرد على هذه الاستراتيجية بالمطالبة اللفظية بتحرير كل فلسطين يفيدنا في هذه المرحلة بقدر ما يؤذي. ومنطق العمل السياسي يطالبنا بتكريس ما لايزال الرأي العام الدولي والامم المتحدة تقره لنا وتعترف به كحقوق شرعية لا مجال للتنكر لها. وفي هذا الاطار, فان الاعلان عن دولة فلسطين فوق كامل اراضي غزة والضفة بما فيها القدس مسألة يصعب ــ على غير اسرائىل ــ رفضها او اعتبارها خروجا على الشرعية الدولية, من المؤكد انها تشكل خروجا على اتفاقية اوسلو.. ولكن اسرائيل ذاتها خرجت عن هذه الاتفاقية ولم تعد معنية ببقائها. من هذه الزاوية ارى جدوى الاعلان عن قيام هذه الدولة, والآن ومن دون انتظار للعام المقبل. ولكن لا استطيع ان انكر ان مخاوف بعض الرافضين في محلها, بالنسبة الى ازمة الثقة بمصداقية رئيس السلطة ومدى صلابته في الصمود عند الخطوط الحمراء. واعتقد ان (ابوعمار) قادر على فعل شيء في هذا الصدد اذا كان حديثه عن عزمه على الاعلان عن الدولة موقفا ثابتا وليس مجرد مناورة لتحريك ما هو دون ذلك وتمرير ما هو دون اقامة الدولة ذات السيادة الحقيقية.