لوَّح مسؤولون في الحكم الاداري الذاتي المحدود, مؤخرا, بالعودة الى الكفاح المسلح, في مواجهة تعنت اسرائيل, ورفضها حتى تنفيذ بنود (اتفاق أوسلو) وسعيها الحثيث لانتهاكه, بشتى السبل, لتضع الشعب الفلسطيني امام الأمر المقضي . في الحال, وجدت الامة نفسها امام جملة من الاسئلة, في مقدمتها: ــ هل أوضاعنا ــ العربية عموما والفلسطينية منها على وجه الخصوص ــ تسمح بالعودة ثانية نحو الكفاح المسلح؟ ــ أية صيغة من صيغ الكفاح المسلح ينبغي علينا اختيارها؟ ــ هل ثمة ضمانات لاستمرار الكفاح المسلح, والانتصار فيه؟ ــ هل تصلح القيادة التي وقعت (اتفاق أوسلو) لتولي قيادة الكفاح المسلح, ايضا؟ الأوضاع بداية, الكفاح المسلح ليس دمية, يمكنني العودة اليها, اذا ما ضجرت من الالعاب الاخرى, خاصة اذا كنت قد دمرت تلك الدمية. وهنا لن يصلح البكاء ما أفسدته أفعالنا. في الحرب نحن نتعامل مع الانسان, وهو ــ قبل السلاح ــ العامل الحاسم في اية حرب, لذا يمكن القول بأن الشعب الفلسطيني في مناطق الحكم الذاتي غير مهيأ لخوض الكفاح المسلح, قبل تصحيح الاوضاع العصية على التفسير, التي ادخلته فيها سلطة الحكم الذاتي, على مدى السنوات الاربع الماضية. مما جعل من الشعب هناك ضحية لأشكال الفساد, والقمع. فيما انفرط عقد الوحدة الوطنية, التي سبق ان تجلت في أرقى صورها, ابان سني الانتفاضة الشعبية المجيدة (1987 ــ 1993). الأمر الذي افضى الى احباطات شعبية متتالية, تم اجمالها في المردود المر للتضحيات الجسام التي قدمها الشعب الفلسطيني في الضفة الغربية وقطاع غزة, على مدى سبعة وعشرين عاما من الاحتلال الاسرائيلي, وبشكل اخص خلال سنوات الانتفاضة الست الاخيرة من ذاك الاحتلال المديد. حيث تم التنكر لغالبية الذين ضحوا, مقابل مكافأة من عداهم. الأمر الذي يقتضي التصدي للفساد المستشري, وكف ايدي اجهزة الامن, مع بذل قصارى الجهود لإشاعة الديمقراطية في شتى جنبات مناطق الحكم الذاتي, وإقامة جبهة وطنية حقيقية هناك. والا لن تلقى الدعوة الى الكفاح المسلح آذانا صاغية من الشعب, الذي احبطه حصاد مقاومته البطولية للاحتلال الاسرائيلي. وتدهورت الاوضاع بما فاق سنوات الاحتلال الصريح المباشر. وأخيرا فإن الانتقال من شكل كفاحي الى آخر, لا يتم بالضغط على احد الازرار, ذلك ان تكتيكاتنا تحدد اشكال الكفاح الاكثر جدوى. والتكتيك ــ كما هو معروف ــ جزء من الاستراتيجية, يخضع لها, ويخدمها, في آن معا. ولعل من فضول القول بأن تكتيكاتنا لا تصدر عن تقدير ذاتي, بل عن دراسة وقراءة علمية متأنية لشتى جوانب الصراع, وأطرافه. متجنبين التحليل المبتسر لحقائق الموقف, حذرين من الاستنتاجات الخاطئة, والحلول المعلبة, حتى نحافظ على دقة اتجاهنا. الى ذلك لا مفر من اجادتنا لممارسة كل اشكال الكفاح, ومهارتنا في التنسيق والربط بينها, مع تكيف هذه الاشكال, وفقا للظروف المتغيرة, مما يسهل احلال شكل كفاحي محل آخر, أو تقديم شكل على آخر, على غرار الجيش, الذي يستوعب مختلف انواع الاسلحة, وطرق القتال, لكنه لا يستخدمها دفعة واحدة. في هذا الصدد, نذكر بأن (فتح) رفعت, عند قيامها (خريف 1963), شعار (الكفاح المسلح الطريق الوحيد لتحرير فلسطين) , منحية بذلك بقية اشكال الكفاح. وبعد ربع قرن, أعلن المسؤول الاول في (فتح) نبذة الكفاح المسلح, بعد ان وصم ذلك المسؤول هذا الشكل الكفاحي بالارهاب. والموقفان مستهجنان في مجال اختيار اشكال الكفاح. حيث لا يجب تنحية اي شكل كفاحي, أو الاكتفاء بشكل كفاحي واحد, دونا عن بقية اشكال الكفاح. وان كان الامر يتطلب التنسيق بين شتى اشكال الكفاح, فيتقدم احدهما في لحظة, ليتراجع في لحظة اخرى, دون اسقاطه أو استبعاده, تماما. اذا ما انتقلنا الى المجال العربي, فثمة اوضاع مشابهة, الى هذا الحد أو ذاك, مما يتطلب التغييرات الجذرية نفسها, بادئين بتطبيع العلاقات العربية ــ العربية, للوصول الى علاقات عربية حميمة, تفضي الى موقف عربي موحد. بما يحد من الصلف الاسرائيلي. أي كفاح مسلح؟ مع هذا كله, فإن ميل ميزان القوى العسكرية لصالح الاعداء, في مجالات التسليح, والتدريب, وحجم القوات, لابد وأن يوضع في الاعتبار. في هذا المجال, لطالما اكدت الخبرة التاريخية بأن (حزب الشعب) الصيغة الاجدى والافعل, في مواجهة ميزان قوى عسكري يميل, تماما, لصالح الاعداء. على ان ثمة شروطا ذاتية لخوض الكفاح المسلح, في مقدمتها توفر الاسلحة, والمتدربين عليها, فضلا عن استعداد الشعب للأخذ بهذا الشكل الكفاحي, والاستعداد لدفع استحقاقاته, وإقامة الجبهة الوطنية, وإشاعة الديمقراطية, وتعميم اقتصاد الحرب, وثقافة التحرير, واعتماد برنامج الاستقلال. فما من احد على استعداد للتضحية بحياته من اجل تحسين شروط الاستسلام. فضلا عن ان النصر انما يتم احرازه في الجبهة الداخلية, قبل جبهة القتال نفسها. في هذا الصدد, يهمنا بأن ننوه ان شعار (حرب الشعب) قد تم رفعه, فلسطينيا, منذ أواسط الستينات, لكنه اقصي عن ميدان القتال, لحساب قتال الكوماندوز, الذين يفدون من خارج الوطن المحتل, يقطعون العوائق, من انهار, واسلاك الكترونية, وحقول ألغام, ونادرا ما يصلون الى الهدف, فإذا لم يستشهدوا قبل الوصول, ضمنوا الاستشهاد في طريق عودتهم الى قاعدة انطلاقتهم, ناهيك عن ضآلة حجم تأثيرهم في العدو. لقد دفعت صيغة الكوماندوز هذه قائدا فتحويا مرموقا الى الترحيب, سنة 1968, بموجات النازحين من الضفة والقطاع, لأنهم ــ برأيه ــ يمدون العمل الفدائي بدماء جديدة! بينما (حرب الشعب) تعني, باختصار, ان يتصدى للقتال الشعب الواقع تحت الاحتلال, ويغدو لكل فرد, في هذا الشعب دوره في القتال, بعد اشاعة الديمقراطية, وتحقيق الجبهة الوطنية, مع التغييرات الجذرية الموصى اليها عاليه, في مجالات الاقتصاد, والثقافة, والبرنامج السياحي. اغلب الظن ان ما جعل القيادة الفلسطينية تخرج على ابسط متطلبات (حرب الشعب) , خوف تلك القيادة من احتمال انتقال زمام القيادة الى الداخل, مع انتقال القتال الى شعب الداخل. هنا تتحول قيادة الخارج الى مجرد زعانف للجسد والرأس في الداخل. الامر الذي اقضّ مضاجع قيادة الخارج, فحالت دون حدوثه. ضمانات النصر لا يكفي اعلان الكفاح المسلح, أو (حرب الشعب) , ثم الخلود للنوم. اذ ان هذا الاعلان يترتب عليه نضال تحضيري شاق, لمراكمة شروط استمرار هذا الكفاح وانتصاره. لعل في مقدمة هذه الشروط العمق الاستراتيجي العربي لهذا الكفاح, فبدون ذلك العمق, يتحول كفاحنا الفلسطيني الى مجرد زوبعة في فنجان, يسهل على العدو قمعه, وقبره في المهد. في المجال الدولي, لا مفر من دعم الدول الصديقة, فضلا عن اقتناع قطاعات واسعة من الرأي العام العالمي بمسوغات الكفاح المسلح, بعد كل مظاهر الصلف الاسرائيلي, التي عززت اقفال طريق المفاوضات, المغلقة, اصلا. يبقى المجال الفلسطيني, الذي لا يمتلك من اسباب النصر سوى القضية العادلة, فيما تبقى الأسباب الاخرى في امس الحاجة للتحقيق, وهي: الحزب السياسي الفاعل, والقيادة الواعية الجسورة, والبرنامج السياسي السليم, والتحالفات المحلية والاقليمية والعالمية الصحيحة. الى ذلك ثمة ضرورة للوعي بأن الطريق صعبة وطويلة, ومحفوفة بالعرق والدم والدموع.