الفاتحة على روح البطل الخالد جمال عبدالناصر الذي قام على رأس فريق من قواتنا المسلحة في مثل هذا اليوم منذ 46 عاما, ليخلع ملكا فاسدا حتى النخاع وليزيح طبقة من الاقطاعيين يملكون نصف مساحة مصر , يملكون الارض ومن عليها من مخلوقات وما عليها من مواش ومزروعات, والفاتحة على روح زملائه من ابطال الجيش الذين خرجوا معه في تلك الليلة الخالدة ورؤوسهم على اكفهم لتحرير مصر وشعبها من غطرسة الاستعمار وظلم الاقطاع, ودعاء من القلب ان يمد الله في عمر من بقي منهم على قيد الحياة وان يجزيهم خيرا بقدر ما قدموه لمصر من خدمات جليلة بثورتهم التي انتزعت مصر من القرون الوسطى ودفعت بها الى منتصف القرن العشرين. وقبل ثورة 23 يوليو كان يحتل منطقة القناة 80 الف جندي بريطاني هم السادة وهم اصحاب القرار, وكان اتخن شنب في مصر عرضة للاهانة والهوان من اي عسكري بريطاني, كان يحصل على طعامه من صناديق الزبالة في وطنه قبل ان يلتحق بالجيش ويقذف به قادته الى صحراء مصر. وكان طعام الفلاحين في ريف مصر من زلعة المش, اما اصحاب المزاج من الفلاحين فكانوا يضيفون الى المش قشر البرتقال واحيانا قشر البطيخ. وكان الفلاح يزرع القمح ولا يتذوقه, كان خبزه من الذرة, اما اللحوم فكانت نوعا من الصيد الحرام, اما الدجاج فكان الفلاح يتولى تربيته ليبيعه للافندية من اهل البندر, وكان الفلاحون اشبه بالعراة وحفاة على الدوام. وكان الفلاح الذكي اذا انعم عليه اهل الخير بحذاء حمله بحرص شديد تحت ابطه وسار حافيا حتى يصل الى المكان الذي يقصده, فيضع اقدامه في الحذاء حتى ينتهي من مقابلة الموظف او العمدة او شيخ الخفر. وكان مضحك قريتنا اسمه عم شندي وكان رجلا ظريفا بحق, فكان يتردد على القاهرة لزيارة بعض اهالي قريته, وكان طبقه المفضل الذي يطلبه هو سلطانية طرشي بلدي بمية الدقة والخل. وكان يلتهم السلطانية بدون غموس ويغبط اهل البندر على النعمة التي تغمرهم بدون حساب! اما العمال قبل الثورة فحدث عن احوالهم ولا حرج. كان يعمل قبل الثورة عدة عمال في مصنع صغير للمعادن, وكان مهمة العمال هي جمع بقايا الرصاص المتخلف تحت الماكينات, وكان صاحب المصنع يستبدل طاقم العمال الذين يقومون بهذه المهمة, ليس لأنه ظالم او يعادي طبقة العمال, ولكن العمال كانوا يموتون الواحد تلو الآخر على مدار العام. فلم تكن هناك رعاية صحية من اي نوع, والعامل المريض كان يعالج على حسابه والاجر المدفوع كان لا يكفي العامل للحصول على مسكن صحي او غذاء مفيد. ومع ذلك كان هؤلاء العمال موضع حسد من آخرين. يذكر العبد لله انه كان يوجد في ميدان الجيزة منذ 60 عاما عشرات من الرجال الصياع يقيمون بصفة مستمرة في ميدان الجيزة. كانوا يعملون شيالين في ميدان الجيزة, ويفترشون الرصيف في انتظار اتوبيس او لوري الذي يبدأ رحلته من بني سويف الى ميدان الجيزة. وكلما وصل اتوبيس دخل الجميع في معركة لكي يتمكن من الحصول على قفة او سبت فلم يكن هناك حقائب مع الفلاحين. وكان الشيال منهم يحمل على ظهره وعلى رأسه ما تعجز عن حمله سيارة, وكان الاجر يتراوح بين قرشين او خمسة تعريفة, فإذا كان الفلاح صاحب الشيلة من الكرام نفحه ثلاثة قروش. فإذا حصل احدهم على الاجر, ذهب الى دكان عم جعلص بتاع لحمة الراس, فاشتهى لنفسه طبق فتة ولحمة راس وطرشي بثلاثة تعريفة, ثم يشتري سجاير وشاي بالباقي, ثم يفترش الأرض وينام على الرصيف حتى الصباح. وكان يمر من حارتنا كل صباح عشرة رجال بعربة يد واحدة, والكل يردد في صوت واحد كالرعد يا عم يابو العيال هات لك شيال.. عشرين كحكة بقرش ابيض!! وكانت كمية الكحك التي معهم لا يمكن ان تدر عليهم ربحا في احسن الاحوال اكثر من ثلاثة قروش أو اربعة قروش لكل منهم, وكان بعضهم متزوج وله اطفال! وكانت شركة ماتوسيان في الجيرة (الشرقية للدخان الآن) يتجمع امامها كل صباح اكثر من مائة مصري شيوخ على رجال على شبان على اطفال في انتظار خروج (الخواجا الكومندا) الذي ينتظر الى القطيع المنتظر من المصريين نظرة فاحصة لكي يختار الاقوياء منهم ويطرد الضعفاء والمرضى والعجائز. وكان سعداء الحظ الذين يرضى الخواجا عنهم ويقبل بتوظيفهم لا يزيد اجرهم على ثلاثة قروش, وكان البعض منهم يصيح متوسلا.. انا وابني بأربعة صاغ!! وعاصرت في صباي المبكر عم كامل الجرابوعلي, كان يعمل احيانا (فاعلا) في اعمال البناء, واحيانا يعمل صبي حانوتي يحمل النعوش على كتفه, واحيانا يعمل مسحراتي في شهر رمضان, واحيانا يقوم بتحكيم المباريات بين فرق الغلابة مقابل قرش صاغ وسيجارتين. ونهار ابوه ازرق عم كامل اذا غضب عليه احد الفريقين كان يأكل ضربا ما ياكلوش حرامي في مولد, وكان يرتمي على الرصيف عدة ايام امام قهوة المعلم زيادة وكان يبدي تضرره من نوم عم كامل الجرابوعلي في مواجهة القهوة. وعندما تدخل بعض الناس الطيبين بين المعلم زيادة وعم الجرابوعلي قال الجرابوعلي ساخرا: انا بنام قدام القهوة علشان بتسهر للصبح, واضاف انام في حتة ثانية يقوم الحرامية يقتلوني ويسرقوا فلوسي! هكذا كانت احوال الناس في قاع المدينة في مصر قبل ثورة يوليو, ولو كانت الاحوال بخير والناس على ما يرام كما يدعي البعض, لما نجح جمال عبدالناصر او الف عبد الناصر في ازاحة الملكية او القضاء على الاقطاع. والفاتحة يا سادة يا كرام على روح البطل جمال عبدالناصر, الذي استطاع من خلال ثورة 23 يوليو الخالدة تغيير وجه الحياة في مصر وفي المنطقة وفي اجزاء اخرى من العالم فمصر قبل الثورة لم تكن اكثر من مزرعة للملك فاروق والشلة من الاقطاعيين وحفنة من الباشوات والبكوات, اما اغلبية الناس فهم كحيان على شيال.. عشرين كحكة بقرش ابيض.