كل الأمهات والمعلمات والزوجات يشتكين من فوضى الابناء والطلاب والازواج, وكذلك تفعل الحكومات وأجهزة الامن والرؤساء في العمل, فهؤلاء يضعون دائما خطا احمر تحت اسم الشخص المثير للشغب او (الفوضوي) كما نسميه في لغتنا الدارجة . كل أم تريد ان يسكن ابناؤها بوداعة في قلب النظام, لكن الابناء يصرون دائما على طلب اجازة من القوانين وأعين الحراسة. وان يتركوا أسرتهم وملابسهم وكتبهم مبعثرة في أرجاء المكان, حتى يقرروا هم ــ وليس الأم ــ ان يعيدوها الى مواطنها الاصلية. فهل صحيح ان الفوضى طبيعة متأصلة في الانسان أيا كان عمره ومركزه الاجتماعي؟ وأنت أيها القارىء هل تحب الفوضى, أم تسكنك وداعة ذلك العالم البارد المصفوف والموضوع بعناية في واجهات المحلات والبيوت والخزانات الزجاجية للفرجة لا أكثر؟ وهل الفوضى شكل آخر للحرية المشتهاة؟ ام الفوضى شيء اخر لايمت بصلة نسب او قرابة للحرية الجميلة؟ فإذا كان كذلك فلماذا تبدأ كل حركات التحرر والثورات ضد الطغاة والظلم بشيوع حالة مماثلة من الفوضى في كل بقاع الدنيا؟ لم يختلف الثائر الفرنسي الذي حطم اسطورة الباستيل عام 1789 عن الثائر الامريكي الذي سبقه في الثورة, ولم يختلف عنهما ثائر جنوب افريقيا وكذلك لم يحد عن الخط اولئك الذين اسقطوا سوهارتو في مايو الماضي, فكلهم فعلوا الشيء ذاته, ولو ذهبنا قليلا الى باريس اليوم لتذكرنا شغب الملاعب (وانتفاضة) الهوليجانز الانجليز وفوضى الالمان... الخ. يبدو ان الفوضى هي القاسم المشترك الذي ستبني عليه العولمة ركائز توحيدها لبني الجنس البشري, فالفوضى دم آخر او فصيلة الدم المتشابهة المستقرة في مكان ما من عروق كل البشر القاطنين في كل جهات الدنيا الاربع وما بينها. هل نستطيع القول ان الفوضى هي الحالة السابقة للنظام والحرية المقيدة بضوابط القانون والدين والموروث الحضاري للانسانية؟ لكن الم نلاحظ دائما ان الفوضى واعمال الشغب اذا ما اتيحت لها البيئة والمناخ المناسبين فإنها غالبا ما تنشط في مجتمعات تتنفس القانون والنظام كالهواء تماما؟ ألم تنشط أعمال الفوضى في نيويورك وبعض ولايات امريكا, وحدث الشيء نفسه في بريطانيا وايرلندا مؤخرا, وفي باريس ايام المونديال, وفي المانيا وايطاليا, وفي كل مكان, وكأن الانسان لا يستطيع ان يحصل على آخر طلباته الا بالذهاب الى آخر الشوط حيث الكي اخر العلاج وحيث الفوضى أول أساليب الاحتجاج. قد يستغرب ــ بعضنا على الاقل ــ حين يعلم ان الفوضى مذهب له افكاره ومدارسه ورواده عرف ذات يوم بالفوضوية التي ظهرت كمذهب له خطوطه الرئيسية في النصف الاول من القرن التاسع عشر كردة فعل على التناقض الذي ساد الدولة بعد الثورة الفرنسية حيث ظهر ذلك التناقض بين الدولة المنادية بمبادىء الحرية والاخاء والمساواة وبين المجتمع المدني الذي ظل يعاني من العبودية الاقتصادية واللامساواة الاجتماعية والصراع الطبقي. ولن نذهب بعيدا مع الفوضوية فيكفي ان نعرف سبب ظهورها لنؤكد بأن الفوضى ستبقى شكلا من أشكال المقاومة لدى الانسان طالما بقي التناقض الدافع لهذه الفوضى. والتناقض ــ كما لا يخفى على احد ــ يتحرك في عالمنا بأرجل من فولاذ وعلى أرضية من اسمنت مسلح.