تدين التطورات الحالية في العلاقات بين العراق وسوريا الى حد كبير لتعثر عملية السلام اكثر منها الى اي شيء آخر ويصدق هذا القول ايضا على العلاقات بين سوريا وفرنسا . وهذا يعني ان الموقف من الصراع العربي الاسرائيلي يشكل حجر زاوية في السياستين الخارجية والداخلية لسوريا. ومن دون اخذ هذا العامل بعين الاعتبار سيستحيل فهم السياسة السورية فضلا عن اقامة اوثق العلاقات معها. تزامنت زيارة الرئيس حافظ الاسد الى فرنسا بأنباء عن اعادة تشغيل انبوب النفط العراقي السوري ومعه اعادة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين والمقطوعة منذ عام 1980. وعلى الرغم من ان الحدثين يبدوان منفصلين الا انهما يعبران عن توجه سوري لاعادة ترتيب الاوليات وتنظيم سياستها الخارجية في ظل التطورات الجديدة في المنطقة على صعيد العملية السلمية. زيارة فرنسا اعتبرها المحللون من النوع النادر فهي الاولى التي يقوم بها الرئيس الاسد لدولة غربية منذ 20 عاما. وبرغم انها تعكس عمق العلاقات المتميزة بين البلدين منذ سنين الا انها تكتسب اهميتها من الوضع المتأزم حاليا في الشرق الاوسط وعلى جميع الاصعدة. ولم تخف دمشق رغبتها في نوع من الشراكة الاستراتيجية مع باريس تشمل طائفة واسعة من مجالات التعاون والتنسيق الاقتصادي والسياسي والثقافي والعلمي. وربما شملت ايضا تحفيز الدور الفرنسي في عملية السلام واعطائه قوة دفع جديدة بعد ان اختبرت المواقف الفرنسية من عملية السلام واثبتت ايجابيتها وموضوعيتها. ولن يبخل الفرنسيون في هذا الجانب فهم يعتبرون التحالف الوطيد مع سوريا هو تكريس للوجود الفرنسي في المنطقة ثم في وقت لاحق للوجود الاوروبي نفسه. ويسود الان انطباع قوي بان سوريا هي المعبر الحقيقي لفرنسا كي تمارس دورا اكثر فاعلية في السياسات الاقليمية للشرق الاوسط. ومن اجل هذا الغرض قام الرئيس الفرنسي جاك شيراك بزيارة تاريخية الى لبنان في وقت سابق من العام قال فيها كل ما استطاع من مواقف ايجابية وجريئة حول العملية السلمية. سواء الموقف من الاحتلال الاسرائيلي لجنوب لبنان وضرورة تطبيق القرار 425 والقاضي بانسحاب اسرائيل من الاراضي اللبنانية دون قيد او شرط او الموقف من الجولان السوري المحتل ومطالبته اسرائيل للانسحاب منه. من هنا فان الحضور الفرنسي ينظر اليه على انه عامل ايجابي في موازاة الانحياز الامريكي لاسرائيل وربما استغل الرئيس الاسد هذه الزيارة كي يطرح مع مضيفه افكارا جديدة حول استئناف عملية السلام على المسار السوري الاسرائيلي. مثل اعطاء ضمانات وتأكيدات اضافية حول فحوى العلاقة مع اسرائيل ونوعية السلام بين البلدين في حال وافقت هذه الاخيرة على الانسحاب من الجولان. وفي العموم فان زيارة الاسد لباريس ستطبع في جانب منها السياسة السورية المقبلة تجاه اكثر من ملف وقضية (لبنان, عملية السلام وربما العراق ايضا) . بيد ان التوجه السوري نحو تعميق العلاقات مع فرنسا يحتاج بدوره الى مقاربة مماثلة للوضع في المنطقة. وحتى الآن اعتبرت دمشق ان التحالف الوثيق مع طهران يشكل رافعة مهمة في المواجهة مع اسرائيل وعامل توازن بالنسبة لمختلف المحاور في المنطقة. وسيستمر هذا التحالف دون شك الى فترة غير قصيرة من الزمن غير ان الازمة السياسية داخل ايران والصراع بين اجنحة الحكم المختلفة من شأنه ان يقلص الاهتمامات الايرانية الخارجية ويستنزف جهودها واهتماماتها الاقليمية. وذلك في وقت عصيب بالنسبة لعملية السلام ولسوريا على السواء. وتواجه هذه الاخيرة فضلا عن ذلك تحالفا عسكريا متناميا ومزعجا في آن واحد بين تركيا واسرائيل ففي الجنوب اسرائيل بآلتها العسكرية الضخمة وتعنتها ورفضها الانسحاب من الجولان وفي الشمال تركيا بآلتها العسكرية الضخمة واتهاماتها لدمشق بمساعدة حزب العمال الكردي وفي الغرب البحر وقبرص وهما امتداد لهيمنة تركية. لم يتبق اذن سوى الشرق والشرق هنا جغرافيا وسياسيا ليس شيئا آخر سوى العراق. من هنا اتجهت السياسة السورية ومنذ مجيء رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتانياهو حثيثا نحو تحسين العلاقات مع بغداد. وشهدت هذه العلاقات تطورا ملحوظا في الآونة الاخيرة, على وقع الانتكاسات المتوالية للعملية السلمية والانحياز الامريكي الصارخ لاسرائيل. فقد تم فتح الحدود المغلقة بين البلدين منذ 18 عاما, وهناك زيارات متبادلة بين عدد من المسؤولين الى كل من بغداد ودمشق. وللمنتجبات السورية (الطبية والغذائية والخفيفة عموما) نصيب لا بأس به من حصة واردات العراق في اطار مذكرة التفاهم حول النفط مقابل الغذاء. كما ستستقبل الموانىء السورية بضائعا عراقية بموافقة لجنة العقوبات في الامم المتحدة. غير ان الاهم من كل ذلك هو الانفتاح السياسي بين البلدين, واستعدادهما لبدء صفحة جديدة من العلاقات. وقد استقبلت دمشق قبل اشهر نائب رئيس الوزراء العراقي طارق عزيز وكذلك وزير الخارجية محمد سعيد الصحاف. كما تم الاتفاق مؤخرا بين وزيري النفط العراقي محمد عامر رشيد والسوري محمد ماهر جمال على اعادة تشغيل انبوب النفط العراقي السوري الذي يمتد من كركوك في شمال العراق الى بانياس على الساحل السوري. ومن شأن ذلك ان يجعل من اعادة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين مسألة وقت ليس الا. وبالفعل أوفدت الحكومتان خبراء الى العاصمتين بغداد ودمشق لتفقد مقرات سفارتي البلدين. ولن يطول الوقت كثيرا قبل ان نسمع الاعلان المشترك عن اعادة العلاقات الدبلوماسية.