يبدو ان ارتفاع درجة حرارة الجو يزيد من سخونة النظام العراقي, وهي سخونة تزداد مع اقتراب شهر اغسطس حتى تتحول الى حمى حقيقية , وقد اصابتنا في الكويت - وما زالت تصيبنا - عدوى من هذه الحمى العراقية أكثر من مرة, بدءا من الغزو ثم الحشد ثم التصريحات العدائية, التي ارتفعت في الآونة الأخيرة كأن العراق لايريدنا أن ننسى أبدا أنه جار شرس لايقيم وزنا للقوانين ولا المعاهدات ولا حتى لأبسط قواعد حسن الجوار. ومهما قيل فإن أغسطس أصبح يمثل عبئا ثقيلا على كاهل النظام العراقي يحاول كل عام ان يحشد له الكثير من أدواته الدعائية حتى يلفت أنظار مواطنيه عن الكارثة التي انزلق إليها والتي كانت بدايتها في شهر اغسطس من عام 90 وليس أدل على ذلك من الخطاب الأخير الذي ألقاه الرئيس صدام حسين عبر القناة الفضائية العراقية الجديدة! ووعد فيها شعبه بتفتت وانتهاء العقوبات الدولية في نهاية هذا العام عن غير طريق بعض أعضاء مجلس الأمن, وهو وعد آخر من الوعود التسكيتية الغامضة التي تعودت القيادة العراقية ان تلقي بها كلما تزايدت النقمة الداخلية والعزلة الخارجية, ولان اغسطس هو شهر العزائم بالنسبة للنظام فقد أعلن الرئيس عن انتصارات سياسية مهمة للعراق على الساحة (الفلسطينية) ! وعن انتقاده لكل الزعماء العرب الذين يطلبون إذن الولايات المتحدة لعقد القمة العربية ثم يعلن مباركته لهذه القمة حتى لو لم تحضر بغداد, وهي مزايدة تسير ضمن نهر المزايدات المعروف, وفي وسط هذه التناقضات تبرز إحدى خصائص الرئيس القائد (الضرورة) صدام حسين الذي لم يعد يملك من الأسلحة غير سلاح النسيان ولم يعد يملك من الذخيرة غير ذخيرة التهديد اللفظي, أن ينسى الناس كل ما فعله قديما ويصدقوا أقواله, وأن ينسوا أيضا كل ما يعد به مستقبلا وهو يواصل من خلال ذلك مسح ذاكرة الشعب العراقي أولاً فأول عن طريق الصدمات والأخبار الكاذبة والانتصارات الوهمية حتى يختلط الزيف بالحقيقة ولا تجد الذاكرة ملجأ لها غير النسيان. ولا يتوقف الأمر مع الأسف على خطاب الرئيس القائد, فكل الأخبار التي تحملها لنا وكالات الأنباء من داخل العراق مبكية ومضحكة في آنٍ واحد وكلها تصب في اتجاه واحد هو محاولة لفت الأنظار من النظام العراقي للعالم, في محاولة للتدليل على انه قد أصبح فجأة نظاما سويا, لذا فهو يستحق أن ترفع عنه العقوبات الدولية, وكلما بالغ النظام العراقي في إظهار هذه السوية, ظهر انه اكثر تفردا في الاعوجاج, وها هي اخبار خمسة قادمة من بغداد اخترتها بشكل عشوائي, أسردها قبل التعليق عليها. الخبر الأول هو ما نقلته الوكالات من بغداد ان المجلس الوطني العراقي (المنتخب) شرع في اجراءات لتقديم استجواب برلماني لوزير الصناعة العراقي وذلك بسبب استمرار انقطاع التيار الكهربائي, وعجز الوزارة عن معالجة هذه الحالة, لم ينته الخبر هنا وإنما اضافت الوكالات نقلا عن مجلة (الاتحاد) الاسبوعية الصادرة عن اتحاد الصناعات العراقية ان ذلك الاستجواب قد يؤدي الى ان يعزل الوزير من منصبه, من يقرأ هذا الخبر يعتقد لأول وهلة ان الامور السياسية في بغداد تسير سيرا طبيعيا الى درجة اعمال الأدوات الدستورية للمساءلة السياسية, ولكن الأخبار الأخرى تتنافى مع ذلك الحراك الذي يبدو ديمقراطيا. والخبر الثاني يقول ان نوري فيصل شاهر قد طرد من منصبه أخيرا كأمين للعاصمة العراقية بغداد - بعد ان طرد أكثر من مرة من مناصب عالية أخرى - لان الرئيس قد (زعل) وعادة ما يظهر زعل الرئيس في حملة تشنها صحيفة بابل المملوكة للابن عدي نجل الرئيس الأكبر على الشخص المغضوب عليه متهمة اياه بكل النعوت والتهم التي يعاقب عليها القانون, ويذهب الخبر ليقول ان نوري هذا كان قد سبقه في الطرد من المنصب (أمين) آخر هو طاهر الحبالي الذي قاسى من (زعل) رئاسي بلغ قمته عندما جاءت سيارة بها خمسة رجال أشداء من الحماية الشخصية للرئيس دخلوا عليه في مكتبه ليقذفوا به الى خارج مبنى الأمانة الكائن في شارع الجمهورية وسط بغداد) , وذلك شكل جديد من تفعيل (الادوات) الدستورية. اما الخبر الثالث الدال على ان الامور السياسية في بغداد هي على خير ما يرام فقد اصدرت الحكومة العراقية قانوناً بمعاقبة من يضبط وهو يستخدم الصحن اللاقط للبث التلفزيوني الفضائي بإيداعه ستة اشهر ليس في السجن ولكن في مستشفى المجانين في بغداد, وبتغريم الفاعل ضعف ثمن الصحن اللاقط, وقد زاد على ذلك وزير الخارجية العراقي محمد سعيد الصحاف وفي مقابلة تلفزيونية لمحطة الـ CNN الدولية عندما أجاب عن سؤال لماذا تمنع حكومته استقبال البث التلفزيوني الدولي عن المواطنين قال: ان الشعب العراقي لا يحتاج الى الستلايت وان الاخبار الصادقة ليست موجودة هناك ولكنها موجودة هنا عندنا, والمواطن مكتف بما يسمعه ويراه, وحكومته تقول له الحقائق ولا تخفي عنه شيئاً, فلماذا اذن المحطات التلفزيونية الدولية؟ أما الخبر الرابع فإنه تابع للسابق حول تقديم كل الحقائق للشعب, فقد اذاعت بعض محطات التلفزيون الامريكية ومنها الـ CNN أخبارا عن استخدام الجيش الامريكي لغازات سامة محظورة في حرب فيتنام, سرعان ما أذيع الخبر على نطاق واسع في العراق, وتناولته الاقلام الصحفية بالتعليق على اساس انه لا يوجد احد احسن من احد, فالاتهام الذي توجهه الولايات المتحدة لبغداد في استخدامها للمواد المحظورة دولياً للابادة الشاملة, قد سقطت هي فيه ايضاً باستخدامها تلك المواد وعندما تبين ان الاخبار تلك ليست صحيحة, وقامت الـ CNN بالاعتذار عنها علناً بل وبمعاقبة من جاء بالخبر الملفق, لم يحصل الجمهور العادي في العراق على ذلك التصحيح, وما زال معظمه يعتقد ان ما قيل حقيقة مطلقة لا تقبل الشك وقد توالت المقالات الصحفية العراقية دون انقطاع, ولذلك فان ما قامت به الحكومة العراقية من استخدام اسلحة الدمار الشامل ضد مواطنيها يعتبر مبرراً بدليل ان آخرين قد استخدموه, اتباعاً ما قاله السيد الصحاف اننا نقول كل الحقائق ولا نخفي شيئاً. أما الخبر الخامس والأخير فهو ما قامت به الحكومة العراقية من مطالبتها للبوليس الدولي (الانتربول) بأن يسلمها مجموعة من المعارضين العراقيين في الخارج بعد ان قامت بتلفيق مجموعة من التهم المدنية لهم حتى يصبحوا مطلوبين من العدالة المدنية, وهي محاولة ايضاً لاستخدام ادوات الضبط الدولية السوية لأغراض سياسية. هذه الاخبار قليل من كثير يأتي من بغداد مع ارتفاع موجة الحر وهي محاولة من النظام العراقي لان يفك عزلته الاقليمية والدولية, وربما وجد في بعض الاشارات الاقليمية ما يشجعه على ذلك النوع من التفكير, مثل بعض الزيارات لوزراء من دول عربية وقعوا بروتوكولات اقتصادية في اطار خطة الامم المتحدة للنفط مقابل التنمية الانسانية الموقعة بين بغداد ومجلس الامن, هذه الاتفاقات الاقتصادية التي سمحت بها الأمم المتحدة تحاول بغداد توظيفها عن طريق توقيع عقود مجزية أو التلويح بها للاغراء طمعا في ان يقف البعض مع مطالب بغداد برفع العقوبات الدولية دون ان تقوم الحكومة العراقية بتطبيق كل قرارات مجلس الأمن. لقد حاول النظام الحاكم في بغداد ان يستنزف مشاعر المجتمع الدولي من قبل باظهار العوز والمعاناة للشعب العراقي وقام في سبيل ذلك بالعديد من التظاهرات العدائية وابرزها على سبيل المثال رفض المساعدات التي حاولت بعض الدول والمنظمات الانسانية ارسالها من الخارج للشعب العراقي, والعالمون ببواطن الأمور يعرفون عن حق ان تلك التظاهرات هي باطل اريد به حق, فالأموال المتوفرة للنظام العراقي منذ توقيع الاتفاق النفطي التنموي قادرة على اطعام الشعب العراقي لو وزعت بعدالة ولم تسخر لبناء القصور وشراء السيارات الفارهة. الا ان بيت القصيد في الامر, هو ما يتبين من الاخبار الخمسة المنتقاة في العرض السابق, والتي ترسل رسالة واضحة مؤداها ان النظام العراقي لا يريد ان يغير جلده, لا باتجاه شعبه واعطائه من الحريات ما يستحقه, وما يستوجبه العصر, ولا يريد ان يغير جلده باتجاه سياساته الاقليمية, او الداخلية, ولا باتجاه جيرانه الكبير منهم والصغير, ولا شعبه المنهك بالحروب والتسلط, هو يود فقط ان يتخلص من الضغط الدولي ليعيد سيرته الاولى بالعبث في المنطقة واستباحة الشعب العراقي الذي أصبح اكثر من ثلاثة ملايين نسمة منه في الخارج, واكثر من خمسة ملايين خارج السلطة المركزية في بغداد نتيجة سياسات مغامرة. اذن الحديث عن تأهيل النظام العراقي دوليا واقليميا هو حديث غير منسجم ومطالب العصر, العصر الذي يسعى جاهدا في اركان الدنيا الاربعة الى الانفتاح والتعددية والحوار بين فئات الشعب الواحد, والى التعايش بين الجيران. ويكفي ان نعرف ان منظمات حقوق الانسان تعتبر العراق واحدا من اسوأ عشر دول ترتكب فيها الجرائم ضد حقوق الانسان, ففي آخر تقرير لاحدى هذه المنظمات عن الشهور الثلاثة الاخيرة يوضح انه مات في العراق 26 فراد ضحية للتعذيب و24 فردا من دون محاكمة واختفى 24 وتم القاء القبض على العشرات لمجرد الحديث في السياسة وبلغ عدد الافراد الذين راحوا ضحايا للشبهات السياسية حوالي 155 فردا. بعد ذلك كيف يمكن الحديث عن تأهيل النظام العراقي وادخاله في سلك المجتمع الدولي؟ لم يعد العصر يأبه بالجيرة الجغرافية خاصة ان كانت هذه الجيرة مخالفة كليا للعصر, وخصوصا ان كان النظام ذا مصداقية هشة جربت في اكثر من مرة وفشلت التجربة بامتياز. لذا فان الحديث عن تنشيط صحي وصحيح للمعارضة العراقية في الداخل والخارج هو البديل المنطقي لنظام يدخل مواطنيه الذين يشاهدون متلبسين بمشاهدة بث تلفزيوني دولي الى مستشفى المجانين, يستحق ان يطلق على مسؤوليه الوصف ذاته, بعد ان اصبحت كل عشة في العالم تقريبا ومهما كان مستوى دخلها الوطني او ايديولوجيتها السياسية لا تأبه بمثل هذا التصرف, لأنه ببساطة حق انساني. لم اكن اتصور ان العته السياسي يمكن ان يصل الى هذا الحد الا عندما راقبت ما يقوم به النظام السياسي العراقي تجاه مواطنيه وتجاه العالم, - فهو يشكل كما جاء في التقرير الاخير لانتشار الالغام الارضية - ان ارض العراق هي اكثر مناطق العالم الغاما وكردستان العراق خصوصا نموذج غير سار لمناطق تغطيها الالغام.