كرست زيارة الرئيس الصيني للولايات المتحدة في اكتوبر من سنة 1997, هذا التحول واعتبرها كثير من الملاحظين نوعا من الانفراج كذلك الذي عرفته العلاقات الامريكية السوفييتية إبان الحرب الباردة , وعقد الملاحظون مقارنات بين زيارة الرئيس الصيني وزيارة خروتشوف للولايات المتحدة سنة 1959 (وهو الانفراج الذي اوأده المؤتمر العشرون للحزب الشيوعي) لكن الذي تحكم في زيارة الرئيس الامريكي التي كانت مبرمجة لهذا الخريف التفجيرات النووية لكل من الهند وباكستان الاخيرة, ثم الازمة المالية والاقتصادية لدول جنوب شرق اسيا, والتي تبدو الولايات حيالها عاجزة حتى من خلال صندوق النقد الدولي, ولذلك تنظر الولايات المتحدة الى الصين كعامل مهدىء واستقرار في المنطقة وتعول على التزامها للاضطلاع بما تقتضيه مكانتها الدولية من مسؤولية في الحد من انتشار الاسلحة النووية, ومساعدة اقتصاديات دول جنوب شرق اسيا اما الحدث الثاني المرشح لان يكون له مضاعفات في القرن المقبل, والذي هو مرتبط بالحدث الاول فهو اقدام الهند على تجاربها النووية تعبيرا عن التمرد للشراكة الامريكية الصينية, لم تكن التجارب النووية موجهة ضد الباكستان كما قد يتبادر لاول وهلة وقد اقدم الوزير الاول الهندي فور التجربة النووية الى بعث رسالة الى الرئيس الامريكي نشرتها النيورك تايمز يبرر فيها التجربة النووية الهندية باعتبار الصين تشكل تهديدا على الهند, ولانها كانت المعتدية في حرب للحدود بين البلدين نشبت سنة 1962, ومن جهة اخرى ترى الهند بحكم ثقلها الديمجرافي ان لها دورا في رسم خريطة اسيا وتعتبر نفسها كذلك محرومة من مقعد دائم في مجلس الامن رغم انها حاربت الى جانب الحلفاء في الحرب العالمية الثانية وان وضعها كمستعمرة بريطانية فوت عليها فرصة نادي الكبار ولم يكن غريبا ان تنعت نيودلهي الزيارة التي قام بها كلينتون الى الصين بأنها نفاق كبير, لانها تعتبرها موجهة ضدها, ولا تعير اهتماما لمطالبها. هذه الاحداث الدولية تسترعي تساؤلات فيما يخص مسار العلاقات الدولية في القرن المقبل لان ابعاد الحدثين تتجاوز المنطقة. لقد دخل العالم مسلسلا جديدا من توازن الرعب يقدم عليه الفقراء فالتفجير النووي الهندي الباكستاني عبارة عن تمرد دول الجنوب ضد نظام عالمي يتم بدونهم ولا يأخذ بعين الاعتبار مصالحهم فامتلاك الاسلحة ذات الدمار الشامل هي وسيلة التعبير لدى دول ذات كثافة سكانية مرتفعة عن وجودها واثارة الرأي العام لمشاكلها وضمان أمنها بأقل تكلفة, عملا بالمقولة الرومانية من يرد السلم يهيء للحرب. لكن هل هي احسن وسيلة لضمان الأمن؟ ان الاغراء يظل كبيرا للارتماء في مسلسل سباق التسلح وامتلاك السلاح النووي لولوج نادي الكبار, لكن هذا الاغراء وان يكن مفهوما هل هو مشروع؟ هل كبرياء الدولة يوازي مصالح الشعوب فبرامج التسليح النووي مكلفة, وتتم على حساب المتطلبات الاجتماعية للشعوب,؟ ثم هل يمكن حصر تهديدات الامن في البعد العسكري فقط؟ فهناك اخطار داخلية تتهدد الدول؟ كالاختلافات العرقية او الطبقية في حالة استفحالها, او الضغط الديمجرافي وفضلا عن ذلك هناك اخطار ذات طبيعة متشعبة تتجاوز الحدود مثل الجريمة المنظمة والارهاب والمخدرات لايمكن ردعها بالسلاح النووي. ان هناك خللا بينا بين عالم تتبدد فيه الحدود في الاموال وفي المعلومات والى حد ما في التجارة وعلاقات دولية لاتزال منحصرة في منطق الدولة الذي ظهر مع ريشليوه في القرن الثامن عشر, وتوازن القوى الذي طبقه ميترنك في القرن التاسع عشر, ان الدول العظمى تتحمل مسؤولية عن هذا الخلل بنهجها معايير مزدوجة فيما يخص السلاح النووي, هو الذي نعتته نيودلهي بالنفاق, مما يدفع الدول الفقيرة الى التمرد بالسعي الى امتلاك السلاح النووي على حساب مصالحها وشعوبها. لكن هناك الذين يرون ان منطق العلاقات الاقتصادية الدولية والتكنولوجيا سيردمان الفجوة بين التطورات التكنولوجية وضرورات العولمة ومنطق العلاقات الدولية السائدة, وان مايجري حاليا هو عبارة عن هدم بناء ( creative destruction ) يطهر المجتمعات والدول من العنتريات والمحسوبية والفساد , عن طريق دور فعال للمجتمعات المدنية, التي تصبح اداة فاعلة في العلاقات الدولية, والى هذا ارى ان ينصرف الجهد في العالم العربي, عوض خردة من الاسلحة قد ترضي كبرياءنا كدول, ولكن على مصالح شعوبنا, ثم ان هذا هو السبيل لكي نعيش عصرا يلوح في الافق. بقلم: حسن اوريد، باحث مغربي