المتابع لتيارات الفكر العربي المعاصر, ولكثير من الحوارات والسجالات التي تنشرها صحفنا ومجلاتنا العربية لابد أن يستنتج أن هناك حالة من (الصدود) أو (الاعراض) عن التفكير في المستقبل فالقضايا التي تتعلق بالماضي أو الحاضر هي الغالبة الى الحد الذي يبدو معه ان المستقبل لا يحتل من عقلنا وتفكيرنا الحيز الضروري واللازم, وهذه حقيقة مؤلمة خاصة واننا نعيش في عالم يتغير بسرعة من كل نواحيه المادية والفكرية . ولايعني ما تقدم ان العقل العربي عاجز عن التفكير المستقبلي, أو انه كما يزعم المستشرقون (ماضوى بطبعه) وانه يشعر بالألفة والحنين الى ماضيه أكثر من اهتمامه بمستقبله وفي واقع الأمر فإن الفكر العربي الحديث يذخر بنماذج وأطروحات فكرية تطلعت الى المستقبل ويكفي أن أشير إلى عبد الرحمن الكواكبي, وطرحه لمشروع تجمع للشعوب العربية والاسلامية أو إلى أفكار الشيخ رفاعه رافع الطهطاوي, أو أحمد لطفي السيد عن المستقبل أو أفكار المثقفين العرب في الاربعينات عن الوحدة العربية المنشودة. ولكن للحقيقة فإن أغلب هؤلاء اقتصروا على طرح (أحلام) و(رؤى) فكرية دون التطرق الى كيفية تحقيقها أو الى آليات تنفيذها. ولايعني ذلك ايضا ان الباحثين العرب المعاصرين لم يقوموا ببحوث بشأن المستقبل فالحقيقة انه تم في العقدين الأخيرين, القيام بعدد من المشروعات البحثية العملاقة مثل مشروع (مستقبل الوطن العربي) الذي أشرف على تنفيذه مركز دراسات الوحدة العربية ببيروت, وأسفر عن نشر عدد كبير من المطبوعات في المجالات السياسية, والاقتصادية, والاجتماعية ومثل مشروع: (مسارات المستقبل العربي) الذي أشرف على تنفيذه منتدى العالم الثالث بالقاهرة, وايضا مشروع (تعليم الأمة العربية) الذي قام به منتدى الفكر العربي بالأردن, كما قامت المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم بعمل ضخم, لوضع استراتيجية مستقبلية للثقافة العربية. ليس هناك اذن من حيث المبدأ (نقص) أو (قصور) أو (عجز) في الكتابات العربية عن الموضوع, ولكن المشكلة تكمن في عدم وجود (طلب اجتماعي) على الدراسات المستقبلية, بحيث يبدو هذا النوع من الدراسات أشبه ما يكون (بحمل خارج الرحم) وفي الغالب لايحدث التفاعل المطلوب بين ناتج العمل الفكري, وبين الأجهزة والأشخاص المسؤولين عن صنع السياسات واتخاذ القرارات, فهؤلاء يبدون في الأغلب الأعم منهمكين في مشاكل العمل اليومي, ومنشغلين بايجاد حلول سريعة للقضايا والأزمات العاجلة دونما نظر الى تداعيات السياسات والقرارات, التي يتم اتخاذها اليوم وفي المستقبل ودون التساؤل عما اذا كانت الحلول, التي يتم تطبيقها الآن سوف تكون صالحة بعد سنوات قلائل, وترتب على ذلك أن المفكرين المهمومين بقضايا المستقبل تملكهم الاحساس بأن بضاعتهم مرغوب عنها أو غير مطلوبة. وهناك عدد من القواعد الاساسية في التفكير بشأن المستقبل والتي يجب ان نأخذها بعين الاعتبار. أولى تلك القواعد أن المستقبل ليس تطورا خطيا لما هو موجود في الحاضر, فكما فوجئت أجيال سابقة بأحداث, ووقائع, واكتشافات, لم يكن يتصورها أحد, وغيرت من وجه الحياة في مجتمعاتهم وقتذاك, فإن المستقبل يمكن أن يفاجئنا بأحداث ووقائع, واكتشافات, لم تدر بذهن أي من المعاصرين. وثانية تلك القواعد وهي مرتبطة منطقيا بالأولى أنه من الممكن أن تحدث (انقطاعات) و(اختراقات) و(نقلات) في الحياة الاجتماعية والتكنولوجية وعلى سبيل المثال, من كان يتصور عند نهاية الحرب العالمية الأولى أن يظهر في ايطاليا, الدولة التي شهدت عصر الاحياء الفكري الأوروبي, ذلك النظام الفاشي الذي تزعمه موسوليني, ومن كان يتنبأ بظهور النازية, بما حملته من أفكار بغيضة, تمثل ارتدادا عن كل ما أحرزه الفكر الانساني من تقدم خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر, كذلك من كان يتنبأ في مطلع حقبة الثمانينات مثلا وحتى في منتصفها بحدوث مثل هذا التدهور السريع للاتحاد السوفييتي, الامر الذي أصاب بالدهشة حتى أولئك الذين اعتقدوا دوما في فساد المذهب الشيوعي, حين فوجئوا بسرعة معدل التفكك الذي أصاب الدولة السوفييتية في عدد محدود من السنوات وبنفس المنطق لا أحد يستطيع أن يحكم على وجه اليقين, بما تحمله ثورة المعلومات والاتصالات, أو بحوث الفضاء أو بحوث الكيمياء الحيوية من مفاجآت يصعب على العقل البشري التنبؤ بها. وثالثة تلك القواعد أنه لاتوجد صورة واحدة للمستقبل وإنما توجد: صور متعددة, ومسارات محتملة, وسيناريوهات متصورة, لكل منها حظه من الحدوث, ولكل منها شروطه ومتطلباته, وهذه الصور, أو السيناريوهات, أو المسارات يرتبط تحقيقها, في جزء منه, بالأهداف التي تتبناها المجتمعات والدول, وبالسياسات والآليات التي تتبعها من أجل الوصول الى هذه الأهداف, ومثال ذلك أن تحدد دولة ما هدف إطلاق قمر صناعي, أو هدف مضاعفة متوسط نصيب الفرد من الدخل القومي في فترة محددة ولكن تبني هذه الأهداف والسياسات ليس ضمانا, في حد ذاته لتحققها فهناك مساحة من (المجهول) وقدر من (اللايقين) الذي يجب أن ندخله في حسباننا عند النظر للمستقبل. ورابعة تلك القواعد هي القدرة على التكيف مع التغير السريع والتعامل مع الجديد فهذه المرحلة من التطور البشري تتسم بتسارع الأحداث ويبدو فيها التاريخ وقد تسارعت خطاه, وازدادت حركته سواء في المجال السياسي, أو في النواحي التكنولوجية والعلمية, ويعني ذلك أننا لسنا بصدد الحديث عن إعادة ترتيب لتوزيع القوة السياسية في العالم وحسب وانما نحن على مشارف عالم جديد, عالم سوف تكون له مواصفاته التي يمكن أن نتلمسها هنا أو هناك, عندما نرى التقدم في مجالات الالكترونيات الدقيقة, والاتصال عن بعد, والمواد الجديدة, وسوف يترتب على ذلك إعادة تعريف لمفهوم القوة ومصادرها. ومؤدى ما تقدم انه عند بحث أي موضوع اجتماعي أو اقتصادي ينبغي ألا يكون الحل المقترح مستجيبا للوضع الراهن للمشكلة فقط, وإنما عليه مراعاة أبعادها المستقبلية ايضا, وعلينا أن نطور من أفكارنا, وأساليب تحليلنا, بما يجعلنا أكثر قدرة, ليس فقط على عرض مشاكل الحاضر في إطارها المستقبلي, بل والتنبؤ بالمشاكل التي قد تظهر في المستقبل. وفي هذا العالم, الذي نعيش فيه لايمكن لأمة أن توارى بصرها عن استشراف المستقبل, ولايمكن لمجتمع حريص على توفير أمنه الوطني وأمانه الاجتماعي, أن يهمل دراسة قضايا المستقبل وهذه الدراسة تتطلب توفير ثلاثة أنواع من الخرائط: الخريطة الأولى: هي خريطة الواقع بكل عناصره وفي جميع مجالاته وجوانبه وذلك من خلال دراسة علمية وموضوعية تتم بشكل لا يسعى إلى اعطاء الانطباع بأن (كل شيء على ما يرام) أو أنه (ليس في الامكان أحسن مما كان) وإنما المفروض ان تكون هذه الخريطة بمثابة (صورة صادقة) عن الواقع, يتم فيها تحديد كل العناصر, وتسليط الأضواء على علاقات التفاعل فيما بينها ورصد حركتها, وسرعة هذه الحركة, واتجاهها, والشكل أو الأشكال التي يمكن أن تتخذها هذه العناصر, من تشابكات في المستقبل, عبر فترات زمنية مختلفة. والخريطة الثانية: هي خريطة المستقبل المستهدف والمرغوب فيه, وذلك من واقع الدراسة الموضوعية لمعطيات المجتمع, وللتحولات القائمة في النظام العالمي, وما يطرحه من آثار وتداعيات, وكذا للتغيرات المتوقعة في الدول والمجتمعات المجاورة والتي تؤثر عليه. أما الخريطة الثالثة: فإنه يتم الوصول اليها من خلال التكامل بين الخريطتين السابقتين وهي التي من خلالها يمكن تحديد السياسات الضرورية للانتقال من إحداها الى الأخرى, فإذا كانت الخريطة الأولى ترسم صورة حركة العناصر والقوى الاجتماعية في تدفقها الذاتي, وكانت الخريطة الثانية ترسم الصورة المستهدفة لهذه العناصر والقوى, فإن الخريطة الثالثة تحدد أنواع (التدخلات) المطلوبة والقرارات التي ينبغي اتخاذها للتأثير في حركة واتجاه تلك العناصر والقوى الاجتماعية وصولاً إلى شكل المجتمع المطلوب. وتحقيق ذلك يتطلب تضافر اعداد كبيرة من الباحثين في اطار (فرق عمل) تشمل المتخصصين في العلوم المختلفة, يتم التفاعل بينهم, بهدف الاثراء المتبادل بين فروع العلم المتعددة, حتى يمكن الوصول الى فهم أفضل لحركة المجتمع والدولة بكل ما فيها من :تفاعلات, وترابطات, وتشابكات.