في العودة للوقائع التاريخية الحديثة والمعاصرة, نجد فعليا ان المشروع الصهيوني قد حقق انجازات استراتيجية عام 1948, وانجازات ملموسة بعد عدوان يوليو 67 بحدود نسبية, وانحسر مؤخرا ضمن حدود معينة . وباختصار شديد, ان المشروع الصهيوني محمول على قوى أوروبية حديثة المنهج والبرامج والمعونة والطاقات, تنتمي الى انجازات عصر الثورة البرجوازية الصناعية في أوروبا وأمريكا وروسيا والبلدان السلافية, وجاء في اللحظة المناسبة من جهة امكانية نجاحه حيث توفر الظرف الموضوعي الدولي والاقليمي وتوفر العامل الذاتي على صعيد درجة التنظيم والتنسيق العالية داخل اطر الحركة الصهيونية وصياغة التحالفات مع بلدان المركز الرأسمالي المتطور التي مكنت الحركة الصهيونية من كسب القوى الدولية المؤثرة آنذاك. نجاح المشروع الصهيوني ليس وليد لحظته, بل بفعل مجموعة العوامل المذكورة وعلى الجانب الآخر من مسار الصراع المشروع الوطني (القومي الفلسطيني) العربي المحكوم بالتخلف العام في بلدنا والمشرق العربي نتاج اكثر من (1000) عام من التدهور والانحطاط وآخرها اربعة قرون من التدهور والتأكل تحت مظلة الامبراطورية الاقطاعية العثمانية, مما جعل بلادنا فريسة سهلة للاستعمار والمشروع الصهيوني, وجعل رواد النهضة الاوائل يحصدون الفشل نتيجة الواقع المسيطر آنذاك وإحكام الواقع وعجز شبكة الانظمة والقيادات الاقطاعية الفلسطينية والعربية. ان كل العوامل الذاتية لشعوبنا بعد خروج العثمانيين انتجت اوضاع هشة منقسمة مفككة على ذاتها فضلا عن فقدان الرؤية في متابعة العمل الوطني التحرري لشعوبنا, فبدلا من الاستقلال الناجز لأقطارنا, دخلنا من جديد تحت الوصايات الاستعمارية وأشكال الانتداب فضلا عن تقسيم المشرق العربي وفق خريطة سايكس ــ بيكو. في ظل الاجواء والمناخات هذه لم تستطع الحركة الوطنية التحررية لشعوب المشرق العربي ان تعي الوضع جيدا, فرهنت نفسها تحت عباءة الاستعمار الجديد القادم وهمشت دور الحركة الشعبية ولم تستطع ان تصيغ معادلات وتحالفات صحيحة تخدم المشروع النهضوي الذي بشر به رواد النهضة. بفعل كل التداعيات والعوامل المذكورة نجح المشروع الصهيوني بالحدود الراهنة. اما المشروع الوطني الفلسطيني / العربي القومي, فحصد مرارة النكبة الكبرى عام 48 وواصلت جبهة الاعداء حروب ضرب النهوض العربي والفلسطيني بعد النكبة رغم انه لم يتحرش (باسرائيل) فالهدف منع المشروع النهضوي العربي الحديث من التقدم والتطور إلى امام (العدوان الثلاثي على مصر ,1956 العدوان الشامل 1967) ومع ذلك كان الصمود في مصر وسوريا ونهوض المقاومة الفلسطينية العاصف ردا على هزيمة يونيو 1967 وبالمقابل لم تتوقف حروب المشروع الاستعماري ــ الصهيوني وتدبير الانقلابات السياسية والطبقية اليمينية على مساحة منظمة التحرير الفلسطينية (سبتمبر الاسود ,1970 حرب المخيمات في لبنان 75 ـ ,1976 غزو ,1978 الغزو الشامل 1982) وعلى مساحة مصر وبلدان الشرق العربي لفرض الحلول الثنائية وحربي الخليج الاولى والثانية, ومع كل هذا يبقى ملف الصراع بين المشروعين مفتوحا. المشروع الوطني الفلسطيني, مشروع نبيل وعادل اعطى ثماره بجوانب معينة, اولها اعادة بناء الهوية الوطنية للشعب الفلسطيني, وصانها من الاندثار كما اريد لها من قبل قادة المشروع الصهيوني والمستعمرين والانظمة الاقطاعية العربية, ان نهوض المشروع الوطني الفلسطيني على يد الشعب وقواه الحية وخاصة بعد انهيار وحدة مصر وسوريا وهزيمة يونيو ,1967 مكن منظمة التحرير من اعادة بناء وحدة شعب فلسطين وبلورة حقه بتقرير المصير والدولة وعودة اللاجئين, وفرض القضية الفلسطينية من جديد على خارطة فلسطين والمجتمع الاسرائيلي, وانتزاع منظمة التحرير الفلسطينية, المكان الدولي والعربي المرموق كممثل شرعي ووحيد للشعب الفلسطيني, وحول هذا المشروع القضية الفلسطينية إلى القضية الاولى بامتياز على الصعيد الدولي, وكل ذلك يؤشر بان الاخفاق ليس كما اعتقد البعض فالقضية الفلسطينية مازالت حية والشعب الفلسطيني مازال موجودا حيث اكثر من اربعة ملايين على ارض فلسطين التاريخية مقابل 4.7 مليون يهودي في الدولة العبرية ومستوطنات القدس والضفة وقطاع غزة, واربعة ملايين في الشتات المحيط بفلسطين. ان تداعيات الاوضاع العربية والدولية عكست نفسها على الوضع الفلسطيني بعد انهيار الاتحاد السوفييتي وحرب الخليج الثانية, وهذه التداعيات دفعت اصحاب السياسيات العجولة من اليمين ويمين الوسط في منظمة التحرير الفلسطينية ومن وراء ظهر شعبنا وائتلاف مؤسسات المنظمة وبرنامجها المشترك للتعاطي مع المبادرات والجهود الامريكية (لعملية السلام) على المقياس الامريكي والاسرائيلي وكتاب (حواتمة يتحدث... ) الصادر عام 1998 يكشف وقائع واسرار هذا التراجع الى الخلف وبالوثائق والاسماء والعواصم الاقليمية والدولية وبالرغم من كل ذلك فان هذا لن يكون ختم المطاف ونهاية ابدية لمشروع وطني تحرري يحظى بالاحترام والتقدير والاسناد من كل العالم مازال هذا المشروع يحمل الجراح الاليمة حيث نصف الشعب بالشتات والنصف الاخر تحت الاحتلال وخمسون عاما من الويلات وعذابات النكبة وفقدان الهوية الوطنية. ملف الصراع مفتوح, غير متكافىء في درجة التطور والبرامج والتحالفات الاقليمية والدولية, وبعد ثلاثين عاما من المقاومة والانتفاضة وزلزال النكبة في صف شعبنا والاقطار العربية شعوبا واحزابا وثقافة لن يعيد التاريخ الى ماقبل 1967 ولا الى مشهد الانهيار الشامل الذي تجاوزناه منذ النكبة الكبرى 1948 الملف مفتوح ويعيش, وبدونه سيبقى مشهد الشرق الاوسط مسرح اضطراب وصراعا وانفجارات. والان في ظل الاوضاع الحالية نتلمس الطريق نحو اعادة الحياة للمشروع الوطني الفلسطيني مجددا وندعو لوقف كل العمليات التفاوضية الجارية وربط العودة للمفاوضات بالوقف الكامل لكل عمليات التهويد والاستيطان. والمأزق الراهن في اوضاع المفاوضات على المسار الفلسطيني ــ الاسرائيلي يكاد يكون خانقا جدا وقد يؤدي إما إلى انفجارات واسعة يتخللها المراجعة النقدية, من قبل السلطة لذاتها وسياساتها او ان يؤدي الى انفجار مزدوج ضد الاحتلال وضد السلطة في آن واحد, ان السلطة في مأزقها الكبير مازالت تراهن على دور امريكي ضاغط على الدولة العبرية بالرغم من ان كل الوقائع بما في معلوماتنا الاكيدة عن اجتماعات لندن الاخيرة تشير الى ان الضغوط الامريكية تنصب على الطرف الفلسطيني والطرف الاسرائيلي معا, رغم انه ينعم بالمزيد من الراحة والبحبوحة على يد الادارة الامريكية, ونورد هنا المبادرة الامريكية الاخيرة لتنفيذ النبضة الاولى والثانية من اعادة الانتشار من مناطق الريف الفلسطيني فالموقف الامريكي انزاح بشكل واضح مع الحل الوسط الذي يحقق كل ما يطالب به نتانياهو حيث مساحة الاعادة بين 11 الى 13 % فقط بينما اساسا المطلوب كان يفوق 40% وفق اتفاقيات اوسلو التي يعتبرها اصحابها بأنها اتفاقات مجحفة اساسا. ان المخرج الوحيد أمام السلطة, يكون بالعودة الى سلاح الوحدة الوطنية, وحدة الشعب ووحدة كل قواه المنظمة ووحدة مناضليه وطبقاته الوطنية وكل تياراته السياسية داخل وخارج فلسطين, تحت راية ائتلاف منظمة التحرير الفلسطينية وبرنامجها الوطني المشترك. وبالوقف الفوري لكل اشكال وعمليات التفاوض مادام الاستيطان يزحف فوق الارض الفلسطينية المحتلة. وفي ذلك يقف كل العالم بما في ذلك اوروبا واليابان والصين وروسيا الى جانب المطالب الفلسطينية, وحتى واشنطن تجد نفسها في ورطة الكيل بمكيالين امام الرأي العام الامريكي والعالم والعرب. ونستطيع عندئذ فعليا ان نتحمل الضغوط وان نولد اوضاعا اقليمية ودولية ضاغطة على الاحتلال, ونعيد من جديد المساهمة في صوغ المعادلة الجديدة للسلام الشامل المتوازن القائم على المرجعية الدولية وقرارات الامم المتحدة.