في غضون اسابيع معدودة تواترت احداث ذات ابعاد كونية تقطع الصلة مع تلك النظرة البسيطة والمبسطة التي سادت العلاقات الدولية اثر سقوط حائط برلين, من نهاية التاريخ وشيوع الديمقراطية ونظام السوق , والتبشير بنظام عالمي جديد, والحدثان هما التفجيرات النووية للهند وباكستان, ثم زيارة الرئيس الامريكي للصين, وتوثيق عرى الشراكة الاستراتيجية بين الولايات المتحدة والصين التي وضع هندستها انطوني ليك قبل ان يغادر لانجلي (مقر الوكالة الامريكية للمخابرات) بعد التصعيد الذي عرفه البلدان في ربيع 1996, من جراء الازمة التايوانية وتقوم الشراكة الاستراتيجية على خط وسط بين المتشائمين في الادارة الامريكية والكونجرس الذي ينظرون الى الصين باعتبارها عدوا وبين المتفائلين الذي يرون امكانية اجراء علاقات اقتصادية مع الصين بغض النظر عن الاعتبارات الايديولوجية بالنظر الى الحزب الشيوعي الحاكم, او دواعي حقوق الانسان. والحدثان يوضحان بجلاء ان بؤرة العلاقات الدولية في نهاية هذا القرن وبداية القرن المقبل, انتقلت من اوروبا التي كانت مسرحا لحربين عالميتين واكبر مجسم للحرب الباردة الذي جسدته المانيا المقسمة الى قسمين الى شرق اسيا مع التفاعلات المحتملة لهذا التحول على دول الجوار, والحدثان على ذلك مترابطان. فالشراكة الامريكية الصينية نتيجة لتفاعلات العلاقات الدولية. لقد ظلت الصين الضلع الثالث في مثلث العلاقات الامريكية, السوفييتية, الصينية, وبقدر ما يحدث التباعد بين امريكا والاتحاد السوفييتي بقدر ما يحدث التقارب مع الصين, وبقدر ما يحدث التقارب بين الولايات المتحدة وروسيا بقدر ما يحدث التنائي مع الصين فلقد كانت الصين دوما طرفا حاضرا في معادلة الحرب الباردة, وهو الامر الذي حدا بنيكسون الى فك الارتباط الايديولوجي بين الصين والاتحاد السوفييتي في الزيارة التي قام بها لبكين سنة 1970 لكن بوادر الانفراج بين واشنطن وموسكو في سياق سياسة اعادة البناء التي استنها جورباتشوف دفعت واشنطن الى النأي عن بكين والتقرب الى موسكو وهو التحول الذي ازداد رسوخا مع احداث تيانامين. ومنذ 1989 راهنت الولايات المتحدة على الاتحاد السوفييتي بقيادة جورباتشوف, ثم على روسيا بقيادة يلتسين رغم الهزات السياسية والاقتصادية التي عرفها خصم الامس, من الانقلاب العسكري الفاشل لاغسطس 1991 او تمرد رئيس البرلمان في سنة 1994 او الازمة الاقتصادية وبروز مافيا مالية واقتصادية او صعود الحزب الشيوعي وازدياد نفوذه وتأثيره في الانتخابات الرئاسية الاخيرة وقد رمز وزير الخارجية الروسي السابق كوزريف الى هذه الشراكة الدبلوماسية بين البلدين لكن الولاية الثانية ليلتسين شهدت صعود رموز العهد القديم الذين يمثلهم في الدبلوماسية بريماكوف, وظهور ملفات اختلاف في كل من يوغسلافيا, وبخاصة توسيع حلف الاطلسي الذي تنظر اليه موسكو بعين التوجس, وتعتبره موجها ضدها بدون مسوغ, باعتبارها من مخلفات الحرب الباردة, وقد سعت روسيا الى مغازلة الصين خلال زيارة قام بها يلتسين للصين في فبراير 1996 وتم خلالها التوقيع على اتفاقات للتبادل التجاري بين البلدين, مما يمكن اعتباره سباقا بين روسيا والولايات المتحدة على من يكون الاول في خطب ود الصين. اما العلاقات الامريكية الصينية فقد ظلت يطبعها الفتور خلال الفترة الممتدة من 1989 الى 1997, بل ان المرشح كلينتون عاب في خضم الحملة الانتخابية على منافسه بوش ما اعتبره مغازلة لحكام بكين لكن حجم الصين الديموجرافي واهمية سوقها, وآفاق التبادل التجاري معها فضلا عن ترسانتها النووية وخطر بيع التكنولوجيا النووية اضطر الولايات المتحدة الى نوع من التعامل وخاصة بمنحها وضع الدولة الاكثر رعاية رغم ان الصين ليست عضوا في منظمة التجارة الدولية (لان الولايات المتحدة تمانع في عضويتها) وحتى اللهجة فيما يخص حقوق الانسان, بأروقة الامم المتحدة بجنيف خفتت كثيرا. لكن المنعرج كان ذلك الذي عرفه صيف 1994 بمناسبة ازمة كوريا الشمالية وتعاون الصين مع صانعي القرار الامريكي لايقاف البرنامج النووي الكوري الشمالي, اما التحول فهو الذي ابتدأ مع ازمة تايوان من خلال تهديدات حكام بكين العسكرية لحكام تايبيه, وتحريك الولايات المتحدة اسطولها البحري (وهي الازمة التي شبهت بأزمة خليج الخنازير بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي) وقد اشرت هذه الازمة على تحول لدى امريكا من منطق المواجهة او الاحتواء الى خيار الالتزام مع المسؤولية, او بما عبر عنه انطوني ليك بالشراكة الاستراتيجية التي تقوم على شقين: اولا: اهمية الصين البشرية والعسكرية والاقتصادية والتجارية. ثانيا: مسؤولياتها الدولية, سواء فيما يخص خطر انتشار الاسلحة النووية او التأثيرات على البيئة او الامراض او الاخطار الكونية. وبعبارة مقتضبة فإن دورا فعالا لا يتم بدون مسؤولية.