ما تم كشفه من تباين هائل بين ما سبق واعلنه كل من حكومة الاردن والبنك الدولي عن معدلات جيدة للنمو الاقتصادي في الاردن بعد تطبيقه لسياسات البنك وصندوق النقد الدولي المسماة (اصلاحية) وبين ما اكتشف الان بعد صدور الارقام الحقيقية لذلك النمو, وبعد طول تأخيرها في دائرة الاحصاءات العامة لما يقارب العامين , هذا التباين يجب ان يكون بمثابة ناقوس الخطر لكافة دول, أو بالاحرى (شعوب) العالم الثالث, والعالم العربي بالذات, والتي مازال البنك الدولي ومعه صندوق النقد الدولي يتسللان إلى اخص دقائق القرار الاقتصادي, وبالتالي السياسي, في غالبية دوله, والنتيجة ماذا؟ فشل ذريع وكذب على الشعوب لا مجال لمداراته وتسويقه لدى رجل الشارع البسيط, ولو كرست له كافة التعبيرات الاقتصادية المعقدة, التي استعملت حتى الان للضحك على هذا العالم الثالث (الجاهل) مسؤولين وسياسيين واقتصاديين وشعوب على السواء, للايحاء بان (الخواجات) في البنك يتكلمون لغة اقتصادية لا نفهمها لانهم يعرفون ما لا نعرف, وبالتالي علينا القبول بوصفاتهم والاستمرار في بلعها كما نبلع الدواء المر الموصوف بخط يد طبيب غير قابل للقراءة وبتعبيرات طبية غير قابلة للفهم لدى المريض أو اهله, وهي ذات التعابير التي بدأ اعضاء (الفرق) الاقتصادية السياسية المنفذة لبرامج الصندوق وما يتبعها أو يسبقها ويحمد لها من برامج سياسية محضة, كمسيرة واتفاقية السلام في الاردن, استعمالها, وأورد عينة من الاردن, مثالنا اليوم في هذا المثال, وبالتحديد اذكر بخطاب نائب رئيس الوزراء لشؤون التنمية (عضو اكثر من فريق وزاري سابق شارك في تنفيذ برامج التصحيح, ورئيس الفريق الاقتصادي لمباحثات واتفاقية السلام) , امام مجلس النواب قبل شهور عن حال الاقتصاد الاردني, والذي اشاد فيه بسلامة الاقتصاد وخط سيره وكذلك بنسب النمو التي لم تكن قد تكشفت بعد, فذلك الخطاب, حتى باغفال كذبه بالارقام والنسب والحقائق التي تكشفت الان, حري بالادانة لاستهتاره بعقول النواب وتعاليه عليهم بأسلوبه الشرحي المدرسي الذي لا يتجاوز البديهيات في علوم الاقتصاد, والادانة لا علاقة لها بعلم النواب أو افتقارهم للعلم, فهو خطاب للشعب الاردني وللصحافة ورجال الاقتصاد والسياسة. وهذا التشابه في الخطاب والموقف وطرق التمويه وطرق الفرض التعسفي تحت التهديد والابتزاز لسياسات (الاصلاح) من قبل البنك والصندوق وحكومات العالم الثالث على شعوب تلك الحكومات, هو بالذات مقدمة ودليل تواطؤ قائم بين البنك وهذه الحكومات, وتوزيع للادوار من خلف ظهور الشعب, ثم يدفع الشعب كلفة مسرحية فاشلة لا ريع لها. وليس صدفة أو جزافا ان وصفات البنك الدولي وصندوق النقد الدولي, توضح للعالم الثالث بالذات وتفرض على العالم الثالث فقط, ذلك ان ايا من الحكومات الديمقراطية في العالم الثالث لن تجرؤ أبدا على السير خطوة واحدة في طريق هذه الوصفات دون اكتشاف حقيقة هذه الطريق وما تؤدي اليه ومحاسبة الحكومة والبنك والصندوق من ورائها على ما اقترفته. ومن الميزات الخاصة للعالم الثالث, غير الديمقراطي, في نظر البنك الدولي, هو انه باستطاعة البنك ان يدعي المتناقضات دون ان يوقفه احد من المعنيين بدفع فواتير برامجه, فالبنك الدولي يعلن في حالة الاردن ان مصدر معلوماته عن النمو الاقتصادي في الاردن هو الحكومة الاردنية وحدها, وانه لذلك اشاد بأدائها عام ,96 واعطاها وثيقة حسن سلوك لانها حققت نموا اقتصاديا يتراوح ما بين 5 ـ 6%, وانه الان فقط يعرف من ذات الحكومة ان نسبة النمو عام 96 هي اقل من 1%, أي بنسبة خطأ تصل نحو 500%!! وان البنك بناء على النسب السابقة واصل وصفاته لما بعدها, وانه بناء على النسب الحالية يستمر في التفاوض واصدار الوصفات لذات الفريق الاقتصادي (بشخوصه) وليس بمواقعه ومراكزه الحكومية فقط. فكيف يكون البنك خبيرا في وضع البرامج وتقييمها, وما لنا لتلك القدرة العلوية على رؤية حقائق الاقتصاد, مما لا يراه هؤلاء المخططون والساسة الصغار المحليون في العالم الثالث, ثم يقع فريسة سهلة لهؤلاء؟ وكيف بعد هذا يقبل بمصداقية هؤلاء (بشخوصهم) كما سبق وقلنا, وهو الذي كان يرفض مصداقية وطن بأسره باقتصاده وسياساته, ما لم تقبل فيه وصفاته بالذات؟ وكيف يقبل حتى بالنتائج الاقتصادية الحقيقية كما تكشفت, ودون اعتبار للشخوص, ويبني عليها ويستمر في دعمها وفيها خطأ يصل إلى 500%, هو خطأ ليس في مجال هامشي, بل في اهم معيار للاصلاح الاقتصادي وهو (النمو الاقتصادي) ؟ وحتى الغضب لا يبديه مسؤولو الصندوق, رغم وجوههم وافعالهم ومواقفهم الشديدة التجهم والتي ترعب وتخضع العالم الثالث لمجرد ان هذا العالم (جاهل بمصالحه) كالطفل, بينما هذه الحكومات التي كذبت وزورت وادعت غير ما فعلت واحرجت البنك بجره معها إلى مسؤولية كذبها هي الأولى بالغضب والحزم!! هذه البنية الخاصة بالعالم الثالث, حيث لا يحاسب الافرنجي على ما يفعله بأناس ومصالح ذاك العالم, بل يبقى مهما فعل (برنجيا) حسب المثل الشائع هي البنية الداخلية لثنائي اتخاذ القرار والمحاسبية في العالم الثالث. ففي حين تتولى المعارضة في مجالس النواب محاسبة الحكومة في العالم المتقدم ويتولى الشارع اساس افراز الحكومة بناء على برامجها السياسية والاقتصادية, ثم يحاسبها عليها بإسقاطها ان لزم, فإن العالم الثالث هو وحده الذي تقع بركاناته في يد الحكومة, يفصلها كما يشاء. وهو وحده الذي لا يفرز الشعب وحكوماته ولا يحاسبها. وهو وحده الذي ان جمع منه النائب المفترض انه منتخب بين النيابة والوزارة, فإن ذلك لا يكون سوى امتداد طبيعي لسيطرة الحكومات على مجالس النواب وتفعيلها اساسا. وهل يعقل ان يقال في اي بلد ديمقراطي ان لا داعي لتحديد مسؤولية الخطا, بل ولا داعي للدعوة لاستقالة الحكومة, أو على الاقل استقالة الفرق الاقتصادية التي ورطت الحكومة بهذا السياسات, بل وان يصل الامر الى تخوين من يقول بهذه الاستقالة أو المحاسبية باعتباره يضر بمصالح الوطن ويشكك بالاقتصاد الوطني, وان يطلب من الناس الذين عانوا ودفعوا ثمن هذه السياسات من قوتهم وأدق مصالحهم الحيوية المعيشية وحتى المصيرية السياسية, يطلب اليهم ان يجدوا لذات الفرق الاقتصادية مخرجا وحلا... هذا مع العلم المسبق ان هذا المخرج لن يكون ملزما لتلك الفرق بأية طريقة!! هل يمكن ان يتم الفصل التعسفي بين القرار ومسؤوليته وبين القرار السياسي والاقتصادي مع بقاء القرارين في يد واحدة وبقاء المحاسبة في يد متخذ القرار... الا في العالم الثالث؟؟ فالحكومة الاردنية تعلن الآن بأن السبب في هذا الكذب أو الخطأ في تقييم نتائج عملها والذي يصل الى 500% ويعكس كافة النتائج والاهداف الى نقيضها, هو سبب سياسي يعود الى فقدان العلاقات الاقتصادية الاردنية العربية, وبالذات مع الشريك الاقتصادي الأول, العراق, ثم الثاني, السعودية, ثم الثالث, سوريا... وكل هذه سياسات اتخذها صانع القرار دون رضا الشعب, ثم ان توتر وضعف العلاقات الاقتصادية مع السعودية وسوريا, ومع الخليج العربي الى حد كبير, يعود الى موقف الاردن (المهرول) الى التطبيع مع اسرائيل. وهنا يأتي اعراف الحكومة الثاني العجيب, وهو ان سبب تراجع اقتصادنا الثاني هو ان اتفاقية السلام لم تؤت اي مردود اقتصادي, بل وان اسرائيل تحاصرنا غربا وتمنع صادراتنا, وما لا تقوله الحكومة هو ان اسرائيل تمنع اشياء اخرى كثيرة حيوية لاقتصادنا, منها مشاريع المياه والسياسات الاقتصادية التفصيلية, وتربطنا بمشاريعها هي ومصالحها هي, وبعد اعتراف الحكومة هذا, ما الذي يبرر استمرار الهرولة الى اسرائيل؟ كيف نفهم ان يعزى سبب تفاقم الازمة الاقتصادية, حتى حكوميا, الى سوء توزيع المناسب الاقتصادية ومردود التنمية الضئيل البالغ اقل من 1% ولا يساءل الفريق الاقتصادي ورجال الدولة الذين اغتنوا بما لا يبرره اي عذر جراء برامج الصندوق, وفي مقدمتها بيع موارد الدولة لهم أو لشركات اجنبية وبأسعار زهيدة؟؟ وكيف نبرر ظهور طبقة اغنياء (الحصار) كطبقة (اغنياء الحرب) في كل بلاء. هل يمكن تقسيم الاصلاح بين اصلاح للاقتصاد دون اصلاح للقائمين عليه, الا في العالم الثالث: هل يمكن تقسيم الحكم والمسؤولية بحيث يبقى الحكم لفئة وتتحمل الشعوب وحدها مسؤولية كل ما يفعله الحكام ولا تحتج, الا في العالم الثالث؟؟ هل يمكن حجب العقل وتعطيله وعقاب تفعيله, لدرجة ان يطلب من المواطن ان يصدق ان البنك الدولي يعلم ولا يعلم في آن واحد, وانه قادر على الشيء وغير قادر عليه في آن واحد, وانه على خلاف وليس على خلاف مع حكومات العالم الثالث التي يعمل معها في التفاصيل في آن واحد؟؟ وان يسير تقشف الشعب كله الى حد الموت جوعا وثراء الحكام الى حد السكر تخمة في آن واحد؟؟ وفوق هذا كله, كيف يطلب من المواطنين ان يفكروا بطريقة للخروج من المآزق التي تضعهم فيها ذات الفرق السياسية والاقتصادية, في حين ان هذه الفرق هي التي حولت التفكير الى جريمة يعاقب عليها المواطن, وسنت القوانين لتحقيق ذلك؟؟!! هذه النقطة بالذات هي ما سنعرض له في مقالات قادمة وبالتفصيل الكافي لبيان انها حقيقة جارحة رغم ما يبدو في ظاهرها من مبالغة لغرابتها.