يبدو أن السيمفونية الجميلة التي عزفتها فرنسا لأكثر من شهر ثم اسدلت عليها الستار بعد ان قطفت احلى ثمارها, يبدو أنها قد تركت في النفوس فراغا, وفي الذاكرة اثارا لا تمحى على امتداد الجغرافيا المسكونة بكل الوان وانواع البشر . سيمفونية مونديال فرنسا اطربت كل الاحياء المبعثرة على الكرة الارضية, وملأت فراغا كبيرا سببه الصيف بكل طقوسه ومزاجاته غير الرائقة ابدا والذي فشلت كل الفضائيات في تخفيف وطأته حتى جاء المونديال, فلما انتهى شعر الكثيرون بالفراغ والاحباط, ناهيك عن شعور الخيبة والصدمة التي خيمت على الجماهير العاشقة للكرة البرازيلية,و لكتيبة رونالدو, التي اكتسحها الفرنسيون في ليلة لم يغب قمرها عن باريس, وتساقطت كل اقمارها في البرازيل! وحسب تعبير أحد القراء في رسالة طويلة جدا,وحميمة للغاية بعث بها يقول فيها: (لقد افتقدنا المونديال, فطيلة شهر كامل لم يتح لي الوقت حتى لقراءة الصحيفة, لأن المونديال كان استراحتي الحقيقية). ولو دققت وتمعنت في نفسك, وفيمن حولك من الذين استهواهم عرس الكرة في فرنسا فستجد صدىً قوياً لكلمات هذا القارىء الفاضل. وبالتأكيد فأنا لست مع الذين يدعون الى مسح الذاكرة من كل اهتماماتها الجادة والنافعة, وتمجيد الكرة باعتبارها لغة جديدة تجتاح الدنيا,وديانة اخرى تحتل القلوب, لكنني أرى ان شغف الناس بالمونديال, وبهذا الشكل وجد مناخا نفسيا مهيأ, ونفوسا تحتاج الى ما يروح عنها ولم يكن أكثر رونقا وحيوية من المونديال, فشربت كأسه حتى الثمالة, ولهذا فالأمر يحتاج الى مراجعة لا الى محاكمة. ومن منظور ـ ربما يكون ذاتيا بعض الشيء ـ يؤكد هذا القارىء الكريم على ان الصحف ما عادت تعني للقراء شيئا وخاصة في شكلها ومحتواها الحاليين (وله حق في هذا) فكل اخبارها السياسية (بايتة) حسب تعبيره,وكل وجوه أهل السياسة وصناع القرار لا مصداقية لاكثرهم, وأخبار الفن اصبحت مكررة وتافهة, والفضائيات تغني عن كل الزخم الذي تمتلىء به الصحف من أخبار وخاصة المحبطة منها ونحن معك ايها القارىء الكريم في ان ليس كل ما يلمع ذهبا, ولا كل ما تمتلىء به الصحف يثير الشهية ويلهب الخيال, ولكن التبرؤ من الواقع او تجاهله ونسيانه ليس هو الطريقة المثلى لمحاربته, ووضع حد لنهاية سلبياته, فإن لم نستطع تغيير واقعنا فلابد من الاطلاع على تفاصيله, ومتابعته ومراقبته ونقده, فان لزم الامر فلنرجمه بالحجارة. اعادة هندسة الصحف العربية لا تعني ـ كما طالب القارىء ـ بأن تخلو من اخبار السياسة (المحبطة), واخبار الكوارث والمجاعات والفيضانات, ووجه نتانياهو, والتحليلات السياسية, بحجة انها معادة وان تكرارها اصبح (محبطا). ليسمح لنا القارىء الكريم بأن نذكره وهو الطبيب العارف, بأن المريض لا يقذف به خارج اسوار الحياة والمدينة لمجرد اليأس من حالته, ولكي يريح ويستريح, فلابد من وصف الادوية وتعاطيها وتكرار استخدامها, وتغييرها ان لزم الامر, مع ان المريض نفسه والمرض لم يتغير, فاذا لم يكن من الامر بد, فمبضع الجراح يقوم بدوره. ان تجاهل المرض الخطير والمرض المزمن, والتعامل مع مرضى الزكام والصداع والامراض الخفيفة ليس من الحكمة او الانسانية ابدا, والصبر صفة الطب والاطباء الاولى. مجتمعنا مصاب بأدواء كثيرة, والفرجة عليه خطيئة, وتجاهل امراضه معصية, والبحث في التراب والنفخ في الرماد ليس عبثا في كل الاوقات. اما المونديال فسيعود ثانية, لكن السؤال كيف سيمر علينا؟ وكيف سنكون بعد أربع سنوات من الان؟؟!