ظل نجيب محفوظ يسدل ستارا من الكتمان على حياته الخاصة, ويتحفظ في الحديث عنها, حتى ان خبر زواجه عام ,1954 لم يعرف الا بعد ذلك بسنوات, ولم تنشر الصحف صور زوجته وابنتيه, الا بعد حصوله على جائزة نوبل , وقد رفض ــ على الرغم من إلحاح كثيرين ــ ان يكتب سيرته الذاتية, متعللا بأن معظم تجاربه الخاصة, قد تسللته بصورة أو باخرى الى اعماله الروائية, بل إنه عندما حاول ان يكتب عن بعض الشخصيات التي عرفها, وتأثر بها, واستلهم جوانب من حياتها في رواياته, اختار لذلك شكلا روائيا, فكتب واحدة من أهم أعماله, هي رواية (المرايا) . وربما لهذا السبب, أثار كتاب (رجاء النقاش) الأخير (نجيب محفوظ: صفحات من مذكراته وأضواء جديدة على حياته وأدبه) , ذلك الاهتمام الواسع كما ينبغي لكتاب متفرد لا يتضمن فحسب أو في معلومات نشرت حتى الآن عن سيرة نجيب محفوظ, ولكنه يقدم ــ ايضا ــ اول سيرة ذاتية, يكتبها غير صاحبها, بطريقة قد تكون افضل مما كان يمكن ان يكتبها بها هو نفسه, اذ هي لا تحتوي فقط, ما كان يمكن ان يكتبه بل يحتوي ــ كذلك ــ على كل ما يريد الآخرين معرفته عنه.. فهي ليست حديثا صحفيا عابرا, ولكنها حوار على مستوى رفيع وعميق, يستند الى معرفة (رجاء) الطويلة والواسعة, بشخص (نجيب محفوظ) وبأدبه, وبالعصر الذي تكون وأثر فيه, وبآراء النقاد والدارسين فيه, والى قدرة نادرة, على استثارة حماسه للبوح, وللتأمل في داخله, وفيما حوله. وربما لهذا السبب ــ كذلك ــ آثار الكتاب تلك الضجة الواسعة, التي لم تقتصر على الانزعاج من الآراء السياسية التي أبداها (نجيب محفوظ) , في بعض ما عاصره من الوقائع السياسية, وبالذات ما يتعلق منها, بثورة 23 يوليو ,1952 وجمال عبد الناصر والسد العالي وتأميم القناة وهزيمة يونيو ,1967 وحرب الاستنزاف, بل شملت ــ كذلك؛ ــ انزعاج الحريصين عليه من تأثير نشر بعض الاسرار الخاصة, التي رواها عن نفسه, على مكانته, ولم تسفر فقط عن الهجوم عليه, والسخرية من آرائه, بل وصلت الى حد التشكيك في دقة ما نقل عنه, وتحريضه على تكذيبه أو على الاقل تأويله, وهو ما رفض نجيب محفوظ ان يفعله, مؤكدا ان ما ورد في الكتاب, هو نص ما قاله.. لا مفر إذن من التعامل مع الكتاب ــ كما هو في الواقع ــ أي باعتباره وثيقة تاريخية, تكمن أهميتها في أنها تتيح لنا مزيدا من الفهم, لواحد من أهم اعلام هذا القرن على صعيد الأدب والفن, وتضىء أمامنا السبيل لتذوق أعماله, ولفهمه في إطار عصره, وليس المهم هنا ان نتفق ــ او نختلف ــ مع آرائه السياسية, فنؤيدها, او نعارضها, ولكن المهم ــ والمفيد ــ ان نحاول استكشاف دلالة هذه الآراء على العلاقة المعقدة بين ثورة يوليو والمثقفين, ودلالتها على التطور في نظرة نجيب محفوظ نفسه, الى العصر الذي نشأ وتأثر, وأثر فيه.. والحقيقة أنني لم أجد مبررا لذلك الاحساس المبالغ فيه بالصدمة, الذي شعر به كثيرون, ممن ازعجتهم آراء نجيب محفوظ في ثورة يوليو, فما قاله سبق لآخرين ان قالوه, وسبق لنجيب محفوظ نفسه ان قاله في رواياته, التي يكشف ما كتبه فيها بعد الثلاثية ــ ومنها (اللص والكلاب) و(الطريق) و(الشحاذ) و(ميرامار) و(ثرثرة فوق النيل) ــ عن موقف نقدي واضح من ثورة يوليو... بل ان الرواية الأخيرة, التي نشرت قبل حرب يونيو 1967 بشهور قليلة, تنتهي بما يشبه النبوءة, وتشير الى ان هناك كارثة في الطريق.. ولم يكن هذا الموقف النقدي من الثورة, يقتصر على (نجيب محفوظ) اذ شمل كذلك, الجيل الذي عاصر الثورة من الادباء والفنانين, ففي المسرح كانت هناك أعمال (توفيق الحكيم) و(رشاد رشدي) و(ميخائيل روفان) و(سعد الدين وهبه) و(محمود دياب) و(عبد الرحمن الشرقاوي) و(الفريد فرج) , وفي الشعر كانت هناك قصائد (صلاح عبد الصبور) و(أحمد عبد المعطي حجازي) و(أمل دنقل) و(الابنودي) و(سيد حجاب) و(أحمد فؤاد نجم) , وفي القصة والرواية كانت هناك ــ فضلا عن أعمال نجيب محفوظ ــ أعمال اخرى ليوسف ادريس وفتحي غانم وثروت أباظة ويوسف الشاروني وادوار الخياط.. وهي أعمال كانت تعكس ــ بدرجة او باخرى ــ ادراك الأدباء والفنانين بأن النخبة العسكرية التي قامت بالثورة, تبدو مكتفية بذاتها, ومستغنية بنفسها عن أية مشاركة من المثقفين, بل وحتى من الشعب الذي ثارت ــ وحكمت ــ بأسمه, والذي لا شك في أنه كان يؤيدها وأنها تندفع الى الامام بجموح من دون مبرر, او على الاقل من دون تفسير, يبدو لهم معقولا.. ومن دون ان تعنى بدعم خطوطها الخلفية, وخاصة ما يتعلق منها بالمشاركة الديمقراطية في الشؤون العامة, وان التخوم الفاصلة بين (تأمين الثورة) و(العدوان على حقوق الانسان) قد تبددت وان الامور تسير على نحو لا يدعو للاطمئنان على خواتيمها. في كل هذه الأعمال, لم تكن الثورة نفسها هي موضوع الاعتراض, بل كانت سلطة الحكم وأدواته وسياساته, فالانتهازيون والفاسدون والمرتشون وتجار الشعارات, هم الذين يتصدرون السلطة والمجتمع, واصحاب الآراء المخالفة ــ حتى لو لم تكن معادية ــ والمعتدون بذواتهم ممن يحملون رؤوسا يستتر فيها ضمير أنا, منفيون او معتقلون او مفصولون من العمل, والجميع مهمشون, ولا أحد يعرف الى أين تتوجه الثورة, ولا متى تستقر الأمور. ولم يكن شيء من ذلك كله جديدا كل الجدة, فتلك هي القاعدة العامة في العلاقة بين كل ثورة, وبين المثقفين الذين يدعون اليها ويبشرون بها ويمهدون لها عادة, ثم ما يلبث حماسهم لها أن يفتر بعد أن تتحول من (حلم) الى (واقع) لا يتطابق عادة مع هذا الحلم, حتى في الثورات التي لم تواجه ما واجهته ثورة يوليو من ظروف معقدة, فالثوار الذين غامروا بحياتهم من أجل انقاذ الوطن من الطغيان والفساد والتبعية, سرعان ما يضطرون للتعامل مع هذا الواقع بقوانينه, فيتنازلون عن أحلامهم, أو عن بعضها, وقد يتحولون الى طغاة فاسدين او تابعين, بينما يظل المثقفون في مكانهم على شاطىء الحلم, يعارضون ما يجري, او يقاومونه, او يستأنفون الحلم بثورة جديدة على الثورة (لذلك لم يكن غريبا ان يختلف مكسيم جوكي مع لينين وان تعتقل ثورة يوليو (احسان عبد القدوس) و(يوسف ادريس) وان تنفي (أحمد أبو الفتح) . وما فات على الذين صدمتهم آراء (نجيب محفوظ) في بعض اجراءات ثورة يوليو, ان هذه الآراء السلبية لا تعكس موقفه من تلك الاجراءات حين وقعت بالفعل, فمع أنه ظل طوال الوقت يأخذ على الثورة موقفها من الديمقراطية, الا انه يقول بوضوح ان تأميم قناة السويس قد هز وجدانه, وانفعل به انفعالا شديدا, واشعل في نفسه مشاعر وطنية متدفقة, وان موقف (عبد الناصر) الرافض للاستسلام أثناء العدوان الثلاثي عام ,1956 قد زاد من حبه وتقديره له, حتى أنه نسي أيامها كل تحفظاته على غياب الديمقراطية, وكما ان فرحته بقيام الوحدة المصرية ــ السورية, كانت لا توصف, فقد كان من أشد المتحمسين للقرارات الاشتراكية, وللتدخل العسكري المصري بدعم الثورة اليمنية عام 1962.. وكان يعتقد ان زرع اسرائيل في قلب الأمة العربية, ظلم فادح, وينظر اليها باعتبارها شوكة في ظهورهم, اذا لم ينزعوها فسوف تظل المنطقة في قلق واضطراب, وكان واثقا, من أن الجيش المصري سوف يهزم اسرائيل, في تلك الأيام من يونيو 1967. ومع أن هذا الحماس اللاهب, كان ينتهي في كل مرة, الى خيبة أمل جديدة, فقد كان (نجيب محفوظ) يسترد تفاؤله بعد قليل, وتنتعش آماله مع كل خطوة ثورية جديدة, بأن خطوات الثورة سوف تستقيم, لتمضي في طريقها لكي تحقق له ولجيله أحلامهم.. ومع أنه كان يدرك ان الفساد قد يتسلل الى كثير من المؤسسات, فقد كان لديه اعتقاد اكيد, وثقة بالغة, بأن الجيش هو المؤسسة الوحيدة, التي لم ــ ولن ــ يتسلل اليها الفساد.. وبقدر هذه الثقة, وبحجم هذا اليقين, كانت صدمته المروعة, حين سمع (عبد الناصر) يعلن في بيان التنحي الشهير, الذي القاه مساء يوم 9 يونيو 1967 نبأ الهزيمة. يقول نجيب محفوظ لرجاء النقاش: لم يحدث في حياتي كلها, قبل ذلك أو بعده, ان شعرت بانسكار في الروح, مثلما شعرت به في تلك اللحظة. كانت هزيمة يونيو ,1967 هي خيبة الأمل الأخيرة, التي قطعت كل ما بين نجيب محفوظ وبين ثورة يوليو من وشائج عاطفية, وسياسية, فقد أدرك ــ كما قال ــ أنه كان يعيش في وهم كبير, وان احلام الثورة, التي عاش في ظلالها الوردية, قد تكشفت عن وهم كبير, وعن واقع مؤلم, لأن الثوار لم يكونوا على مستوى الثورة ومبادئها, وكان أكثر ما ألمه, ان الشعب تحمل الحكم العسكري وعانى من سيئاته, وتحمل كل المصاعب في سبيل تكوين جيش قوي, يحفظ هيبة مصر في المنطقة, ورضي ان يسيء النظام الحاكم اليه في كل شيء, الا الجيش, ثم فوجىء بتلك الهزيمة العسكرية الساحقة, وبتلك الخيبة القوية.. منذ تلك اللحظة, ومن خلال منظار ــ 5 يونيو 1967 ــ بدأ نجيب محفوظ يعيد تقييم كل ما تحمس له وأيده, ودافع عنه من قبل.. فكانت حصيلة ذلك مجموعة من الآراء, صدمت كثيرين, فتأميم القناة كان خسارة فادحة لمصر, لأنه ادخلها في صدام مباشر مع القوى الكبرى وصفقة الاسلحة التشيكية, التي يقول نجيب محفوظ انه أيدها عن جهل, قد أضرت بمصر لأنها أحدثت استقطابا دوليا عقد الصراع العربي الاسرائيلي, ومساندة حركات التحرر في افريقيا, كانت تجاوزا لقانون (على قد لحافك مد رجليك...) , الثورة نفسها ــ وأي ثورة ــ لم تكن ضرورة, ولو أن حكومة الوفد الاخيرة, التي اقيلت في اعقاب حريق القاهرة في يناير ,1952 استمرت في الحكم لمدة خمس سنوات فقط, لحققت كل ما حققت الثورة, ولتجنبت كل سلبياتها.. وقبل نهاية عام ,1967 وفي اجتماع عقده وزير الثقافة آنذاك, ثروت عكاشة, لقيادات الوزارة للمناقشة في كيفية التغلب على النكسة, أعلن نجيب محفوظ اولى نتائج تحليله للتاريخ بمنهج 5 يونيو, فقال ان الطريق الوحيد, للخروج من الازمة هو العودة للديمقراطية والحوار واطلاق حرية تعدد الاحزاب والآراء وتداول السلطة و(التفاوض مع اسرائيل) .. واذا كان من حق كثيرين, ان يشعروا بخيبة أمل, لما تصول اليه (نجيب محفوظ) من آراء, فمن الانصاف له, ان نقول انه ليس الوحيد الذي اعاد تفسير تاريخ ثورة يوليو ,1952 بمنهج 5 يونيو, ومن الشجاعة في الحق ان نلوم الذين خيبوا أمله, وأحبطوا آماله, وكسروا روحه, قبل ان نلومه, أو نلوم غيره!