اعتبر الكثير من العرب في مرحلة المد العربي ان السودان يصلح ليكون واحة تنمية وارتقاء وواحة زراعة قادرة على اطعام ملايين العرب, ولكن وقائع اليوم تشير الى تراجع وتردي ذلك الحلم اسوة بتردي الكثير من الاحلام العربية, فالسودان اليوم وهو بلد عربي واكبر بلد افريقي, وتعداد سكانه 30 مليون نسمة , 70% منهم من المسلمين, و 25% من المسيحيين والديانات المحلية, من اكثر البلدان العربية تأزما. ان الامية في السودان 73% وهذا يعكس فشل برامج التنمية السابقة, اما عن دخل الفرد في السودان فهو محدد ولا يتجاوز 200 دولار في العام, ونجد ان التلفزة متوفرة لفرد واحد من كل 120 فردا, اما الهاتف فمتوفر لفرد من كل 334 وفي السودان يوجد سرير واحد في المستشفى لكل 1200 مريض, وهذا يعني ان الحرب في السودان والتي قتلت منذ عام 1983 حتى الان 1.5 مليون سوداني (وهذا رقم كبير لكنه حقيقي) هي الاخرى حرب فقراء وحرب يائسة في ظل ظروف بائسة لقد تراجع السودان الواعد الى سودان يأكل ذاته ويدمر نفسه. ان كل هذا يؤكد بأن سنوات البناء وسنوات التنمية والزراعة والتعليم قد تراجعت امام سنوات الهدم والصراع على السلطة والحرب الاهلية. في هذا كله نجد في السودان ما يرمز للحالة العربية في اكثر من بلد عربي يمر بصراعات مريرة وحروب اهلية قاسية.. ان اسوأ تجارب السودان هو تفجر الحرب الاهلية في السودان عام 1983 كاحتجاج جنوبي على سياسات الحكومة المركزية في الخرطوم وقد استمرت الحرب منذ ذلك الوقت دون النجاح من قبل الحكومة في اخماد الثورة او نجاح من قبل الثوار في تحرير الجنوب. فالحكومة السودانية اضعف من ان تسيطر على الجنوب المتمرد, والجنوب المتمرد اضعف من ان يحقق استقلاله وشروطه, النتيجة النهائية استمرار الحرب التي تحولت الى خليط من الحرب ومن المجاعة التي سببتها الحرب. وتعود الان قضية السودان الى الواجهة عبر النداء الذي وجهته احدى اهم المنظمات العالمية والعاملة في مجال المساعدات الغذائية للسودان فالحرب الاهلية تساهم في منع وصول الاغاثة والاغذية الى السكان وهذا يزيد من حالة الجوع التي تحولت الان الى مجاعة واسعة, تهدد اكثر من مليوني مواطن سوداني في الجنوب وهناك في صفوف منظمات الاغاثة من يتهم الحكومة السودانية بانها تمارس التجويع كوسيلة لتجويع الثوار وهناك من يتهم الثوار ايضا بانهم من خلال حالة المجاعة التي تجتاح الجنوب يساهمون في عزل النظام الذي يقاتلهم على الصعيد الدولي. ويزيد من مشكلات السودان وازمته في الجنوب انه يواجه واقعا سياسيا منقسما في الشمال بين معارض وحكومي خاصة بعد انقلاب عام 1989 الذي ازاح الصادق المهدي المنتخب ديمقراطيا واتى بحكومة عسكرية بقيادة عمر البشير رئيسا وسيطرة شبه مطلقة للتيار الاسلامي المرتبط بحسن الترابي, كما ان السودان يواجه ضغوطا دولية كبرى منها امريكية فالسودان على قائمة الارهاب الامريكية كما ان عقوبات عدة قد فرضت على السودان وهناك ضغوط من الامم المتحدة حول منع الاغاثة للمناطق المنكوبة في الجنوب كل هذا يضع السودان في ازمة سياسية لايوجد حل بسيط او سريع لها. ويحاول السودان الخروج من مأزقه, فقد سعت الحكومة للاتفاق مع بعض التنظيمات الجنوبية لايقاف الحرب الاهلية في العام الماضي ولكن الاتفاق لم يشمل الفصيل الرئيسي جيش التحرير الشعبي بقيادة قرنق, لهذا استمرت الحرب, لكن الاهم ان السودان على وشك اقرار دستور جديد يجيز للجنوب ممارسة حقه بالانفصال في ظل استفتاء شعبي بعد مرور اربع سنوات, ومن مواد الدستور الجديد انه يحق للتنظيمات والاحزاب ان تعمل في اطار علني, ولكن المعارضة تشكك في كل هذا وتؤكد بأن ممارسات الدولة مازالت مرتبطة بروح انقلاب عام 1989 وهذا يعني صعوبة الحل الوسط. ان الوضع في السودان يعكس حالة عربية عامة, فكل بلد عربي مهدد بالتحول الى سودان, وكل بلد عربي مهدد بالانتكاس الى حالة من الصراع بين كل فئة واخرى وبين كل جماعة واخرى, لهذا فأزمة السياسة في السودان هي ايضا ازمة السياسة في العالم العربي انها ازمة تنمية, وازمة حوار ومشاركة وادارة اختلاف وبناء ائتلاف واحترام حريات, ولكن الى متى يبقى هذا الوضع في السودان, خاصة وان عناصر العولمة والانفتاح العالمي تجعل سياسة الانعزال والصراع الاهلي في السودان ذات ثمن مضاعف فالوقت الذي ستستغرقه عملية اعادة التأهيل والبناء بعد الحرب الاهلية سيكون طويلا ومكلفا, بل مع كل يوم جديد تصبح امكانية انقاذ السودان اكثر صعوبة ولكن الاخطر في كل هذا حالة الغياب العربي عن الازمة في السودان بالرغم من ان الازمة تمس كل بلد عربي وتنعكس عليه لقد آن الاوان لتدخل عربي ايجابي وان كان متأخرا يضاف الى الجهود الدولية لعلاج الازمة.