اعلنت السلطات الامنية اللبنانية مؤخرا عن اكتشاف شبكة تخريبية في البلاد, ينتمي عناصرها الى القوات اللبنانية, لا نريد في هذا المجال الخوض في الابعاد الامنية للامر, غير ان بضعة جوانب سياسية رئيسية تستحق ان يتم تناولها . القوات ليست قائمة الان بصفتها اطارا منظما له هيكلية مركزية, ويصعب تاليا تصور ان تكون العمليات الامنية التي تورطت فيها عناصر قواتية, ناتجة عن قرار قواتي مركزي رسمي فالقوات ليست في وضع يتيح لها ذلك. والى هذا نضيف انه بالمنطق لا مصلحة سياسية للقوات في اللجوء الى عمليات امنية تخريبية لا تخدمها سياسيا في وقت يبدو ان الاولوية لدى القوات هي للعودة السياسية الى لعب دور ما في تمثيل المسيحيين وهذا ما اكده سلوكها قبل وخلال الانتخابات البلدية الاخيرة حيث حققت القوات نتائج مهمة لها. لا بل نقول ان تورط عناصر قواتية في عمليات امنية تخريبية انما يشكل مشاغبة على الاولوية السياسية التي حددتها القوات لنفسها. ولكن السؤال المطروح بعد هذه المقدمة هو لماذا تتورط عناصر قواتية في شبكة تخريبية مركزها في اسرائيل؟ ولما تشكل القوات ارضا خصبة للاختراقات الامنية؟ والجواب عن ذلك هو ان القوات تشكل بيئة مناسبة لانها في الاصل بيئة حرب اهلية وبيئة استخباراتية تاليا والناحية الاستخباراتية في جزء منها ناجمة عن كون الحرب الاهلية ذات ابعاد خارجية. لا نريد ان نظلم القوات ولسنا في صدد مهمة من هذا القبيل لكننا نؤشر الى معطى موضوعي قبل ان يكون ارادة ذاتية. لذلك نقول صحيح ان القوات لم تأخذ فرصة مناسبة للانتقال من ميليشيا الى حزب سياسي, من الاداة الامنية ــ العسكرية الى المشروع السياسي, لكن ذلك لا يعفي من السؤال هل في وسع القوات تحقيق هذا الانتقال؟ الجواب في اعتقادنا هو ان تنظيما ميليشياويا مثقلا بإرث الحرب الاهلية وممارساتها لا يستطيع هكذا ببساطة ان يتحول الى حزب سياسي في مرحلة السلم الاهلي. ليس امرا بسيطا او عاديا او سهلا, ان ميليشيا نشأت ونمت وتضخمت في خضم الحرب الاهلية, تستطيع ان تنجح في التحول الى حزب سياسي ذات ممارسة سياسية.. وديمقراطية على الاقل لا يقول لنا احد ان تأسيس حزب سياسي جديد ممكن على موروث امني من مرحلة الحرب اي بأداة الحرب نفسها! وهل ما نقوله في مجال الحديث عن القوات لا يتعلق بحالات اخرى؟ الميليشيات الاخرى التي قامت في الحرب كانت بشكل عام امتدادات عسكرية لاحزاب سياسية قسم منها عقائدي اي انها تشكلت في ظروف انتقال هذه الاحزاب للانخراط في الحرب (السياق التاريخ) لنشأة الميليشيات الاخرى هو انها قامت واستمرت تابعة لاحزاب سياسية وحلت بعد ذلك بقرارات من احزابها فيما نشأة القوات كانت في الحرب بينما الاحزاب السياسية لم تنشأ في الحرب. والاهم هو ان القوات استمرت فوق الاحزاب التي رعت تأسيسها في الاصل وخلقت لنفسها تيارا فوق هذه الاحزاب واستمرت جيشا في منطقة معينة. اشكالية القوات اشكالية ميليشيا تريد ان تتحول حزبا سياسيا بينما اشكالية الاحزاب السياسية انها احزاب تمليشت هذا اذا اردنا التكثيف في الاستنتاج. جوابا عن السؤال المطروح اذا نقول ان للقوات اشكالية خاصة ونحن لا نعفي الاحزاب الاخرى من المليشة بعد مرحلة من الثنائية حزب ــ ميليشيا خلال الحرب الاهلية. وماذا يعني ان اشكالية الاحزاب الاخرى انها تمليشت؟ المتاريس السياسية مليشة والبقاء في اسر الماضي ايضا, وعدم الخروج من التقوقع الطائفي ــ المذهبي, كذلك وعدم مراجعة فكر الحرب الاهلية ايضا وايضا.. وبقاء الاحزاب بهذا المعنى بيئات حرب اهلية هو مليشة في المطاف الاخير. ان الانتقال من حالة القوات الخاصة الى الحالة السياسية الحزبية العامة في البلد يسمح من هذه الزاوية باكتشاف احد الجوانب الرئيسية لازمة الحياة السياسية ــ الحزبية ازمة مليشة هذه الحياة لا بل اكثر من ذلك شهدنا خلال الاعوام الماضية ظاهرة مليشة البلد والدولة فيه, وذلك في امتداد التأسس الطائفي ــ المذهبي العام, ولعلنا من هنا نضع اليد على احد اهم المداخل الى تجديد الواقع السياسي اللبناني وهذا موضوع متشعب على اية حال. وفي سياق تناول بعض الجوانب السياسية على هامش الاعلان عن شبكة تخريبية ينتمي عناصرها الى القوات نتوقف عند موضوع اخر نراه مهما. لقد بدت القوات اللبنانية اكثر التيارات المسيحية تمثيلا, على الاقل من خلال الانتخابات البلدية الاخيرة. والسؤال المطروح هو: هل هذا الوضع مناسب مسيحيا ولبنانيا وهل يجوز ان يستمر هذا الوضع؟ في التاريخ اللبناني المعاصر قبيل الاستقلال وبعده ظهرت عدة مدارس سياسية لبنانية لعبت دورا مميزا في حياة البلد, وتميزت بتمسكها بلبنان كيانا للعيش المشترك, (الكتلة الدستورية) و(الشهابية) من بعدها كوريث لها, كانتا مدرستين في الاستقلال والانفتاح على العروبة والتسوية الداخلية بدايتهما مسيحية ولكن استمراريتهما كانت لبنانية اي انهما شكلتا مدرستين مختلطتين بالفعل وفكرهما كان الفكر التسووي بمعناه الايجابي ورائده الاساسي في هذا المجال كان ميشال شيحا. و(الكتلوية) مدرسة لبنانية اخرى من منبت مسيحي صحيح ان (الكتلة الوطنية) لم تتميز بأنها مدرسة مختلطة ولم تتقدم بصفتها مشروعا لتسوية لبنانية تتطور باستمرار, لكن الكتلة وقفت على الدوام مع وحدة لبنان ورفضت مسايرة الاتجاهات المتطرفة ولم تنخرط في الحرب, وعميدها ريمون اده من المتميزين بالدعوة الى تغليب الصراع السياسي الديمقراطي في البلد. المقصود قوله مما تقدم ان المدارس السياسية التي تركت بصمات في تاريخ البلد, منشأها مسيحي ولكنها كانت لبنانية لأنها تحاكي الشريك الآخر في الوطن, اي بكلام آخر ان العقل السياسي المسيحي كان عقلا لبنانيا بشكل عام وان كنا لا نسقط التطرف الذي قادته احزاب سياسية معينة في مراحل مختلفة وشكلت خروجا على الفكر التسووي. منذ سنوات طويلة غابت هذه المدارس السياسية ولم ينبر احد لتجديدها. هنا المشكلة فعلا, ذلك انه بدا ان ثمة ارتباطا بين صعود هذه المدارس السياسية وغلبة الطابع الماروني على الكيان, وبين اختفاء هذه المدارس وتراجع غلبة الطابع الماروني, فيما المفترض ــ موضوعيا ــ ان تتجدد هذه المدارس لمواجهة كل الاصوليات المتطرفة من هنا وهناك. وفي العودة الى السؤال عن معنى كون (القوات) أكثر التيارات السياسية المسيحية تمثيلا, نقول ان ذلك يعود الى غياب هذه المدارس المتجددة. (القوات) بما في ذلك في طرحها الفدرالي اللبناني, و(التيار العوني) الذي تبنى قائده العماد عون قبل ايام (الحل الفدرالي) ــ على ذمة بعض الصحف ــ هما خروج على هذه المدارس وفكرها. نطالبهما بداهة بإعادة النظر هنا, لكن الاساسي الذي نشد عليه هو ان المرحلة تتطلب عملا سياسيا مسيحيا ــ لبنانيا متداخلا لتجديد المدرسة اللبنانية, مدرسة التسوية التاريخية. مهمة مسيحية, لكنها لبنانية بكل معنى الكلمة ايضا, فأنصار (الدستورية) السابقة بين اللبنانيين غير المسيحيين كانوا كثرا وكذلك انصار (الشهابية) . ونفتح القوسين قليلا هنا, للتنويه بالخلوة التي عقدتها قيادة حزب (الكتلة الوطنية) مع عميدها ريمون اده في باريس قبل ايام والتي ندرجها في سياق تفعيل العمل السياسي لحزب من احزاب الاعتدال اللبناني, وفي سياق تجديد دورها السياسي في البلد, وأهم قرار اتخذه الحزب وأعلن عنه, هو قرار انهاء مقاطعة الانتخابات النيابية والاستعداد لخوض انتخابات العام 2000, وفي هذه المناسبة, ان قانون الانتخابات النيابية الذي لابد ان تجري على اساسه انتخابات العام 2000, يجب ان يكون ديمقراطيا متساويا وعادلا بحيث يتيح لتيارات الاعتدال اللباني ان تحضر وتساهم في التمثيل. الوقت الآن اذا لتجديد التيارات السياسية, وللحوار فيما بينها على طريق عمل لبناني كبير, اما بخصوص (القوات) فنختم بالقول ان تيارها السياسي موجود وطالما يلتزم بالصراع السلمي الديمقراطي فهذا من حقه, لكننا حاولنا تسليط الضوء على الاشكالية البنيوية ــ السياسية التي نرى ان ينتبه لها هذا التيار اذا كان يريد العودة الى المدرسة اللبنانية, مدرسة الاعتدال!