اسوأ ما في التعديلات الاخيرة لقانون المحكمة الدستورية بمصر هو الطريقة التي صدر بها وما تكشفه من ابعاد سياسية مازالت تسيطر على افكار بعض صانعي القرار وتحدد اسلوبهم في التعامل مع قضايا الوطن. لقد تحدث الكثير من الفقهاء حول هذه التعديلات التي صدرت لتقطع الطريق على احكام منتظرة بعدم دستورية الضرائب التي سبق فرضها على العاملين بالخارج, ولتقرر عدم تطبيق هذه الاحكام بأثر رجعي, والعمل بقاعدة (اللي ؟ ورغم ان رئيس المحكمة الدستورية الذي احيل للمعاش اخيرا المستشار عوض المر قد صرح اخيرا بان (هذه التعديلات تمثل وجهة نظر مأخوذ بها في بعض الدول الاوروبية وانها لا تخلو من بعض الايجابيات اذ لا يعقل ان نطالب الدولة في كل الحالات ان تعيد حصيلة الضرائب بعد جمعها بفترة طويلة لان هذا سيكون على عاتق الشعب) . رغم هذا فان معظم فقهاء القانون عارضوا هذه التعديلات واعتبروها انتقاصا من سلطة المملكة الدستورية وإخلالا بالمساواة بين المواطنين ومصادرة غير دستورية للاموال. وكلها اسباب سوف تؤدي الى الحكم بعدم دستورية التعديلات الجديدة كما يؤكدون, ولكن بعد ان يلحق اضرارا عديدة باصحاب المصلحة وبالمحكمة الدستورية وبالنظام القانوني نفسه. ونترك الجانب القانوني لفقهاء القانون, ولدينا منهم الكثيرون الذين تعتز بهم مصر, ونقف امام الجوانب السياسية التي تكشف عنها التعديلات الاخيرة والطريقة التي تمت بها. لقد صدرت هذه التعديلات في غيبة مجلس الشعب. ولم يكن ذلك لأن الحكومة ... لا سمح الله ــ تخشى الا يمر القانون في المجلس, فهذا امر لم يخطر في بال الحكومة او المجلس الذي تعود على ان تكون طلبات الحكومة اوامر, وتدرب جيدا على تمرير القوانين بالسرعة المطلوبة, ولعنا لا ننسى كيف مر القانون 93 الشهير بقانون اغتيال الصحافة, وكيف تراجع المجلس عنه بعد شهور ــ وبنفس الحماس ــ عندما ارادت الحكومة ذلك. الاغلبية جاهزة, والموافقة مضمونة, ومع ذلك انتظرت الحكومة حتى انتهت الدورة البرلمانية وذهب الاعضاء لقضاء الصيف, لتستصدر قرارا جمهوريا بالتعديلات الجديدة. والسبب ان الحكومة لا تريد الحديث في الموضوع, وتتصور ان مفاجأة الناس بما تراه من حلول او سياسات او قوانين هي الافضل, وان الذين يضارون من هذه التعديلات ــ تفاجئهم الصدمة, وقد يتكلمون قليلا, ثم يسكت الجميع راضين بالقضاء والقدر. واستكمالا لهذه السياسة, تم التعتيم على التعديلات الجديدة في وسائل الاعلام الرسمية, وسكت المسؤولون فلم يحاولوا شرح قضيتهم للرأي العام. وقد كنت اتصور ان يعرض رئيس الحكومة قضيته قبل صدور القانون, وان يتحدث بصراحة, ويشرح الاسباب التي جعلت الحكومة تلجأ لهذه التعديلات, ثم يفتح باب المناقشة وصولا الى الحل الذي يرضي الجميع, ويحقق المصلحة العامة. كنت اتصور ان يقف رئيس الحكومة فيعلن ان حكومته غير مستعدة لاعادة الاموال التي سبق تحصيلها بموجب قوانين غير دستورية, وان الموقف المالي لا يحتمل ذلك. وكان في استطاعة رئيس الوزراء ان يقدم اسبابه ومبرراته لعجز الحكومة عن رد هذه الاموال المستحقة للمصريين العاملين بالخارج او لغيرهم من عموم المواطنين... ابتداء من ضرب السياحة بعد حادث الاقصر, الى انخفاض اسعار البترول, الى انخفاض ايرادات قناة السويس... الى اعباء المشروعات الجديدة عالية التكاليف. ربما لو فعل رئيس الوزراء ذلك, واقتنع الناس بالمبررات التي جاء بها, لامكن الوصول الى حلول وسط كتأجيل دفع هذه المستحقات او تقسيطها او حتى التنازل عن اجزاء منها او تحويلها لسندات لدى الحكومة, بدلا من هذه التعديلات التي سوف تشجع الحكومة بعد ذلك على استصدار قوانين غير دستورية تستفيد منها حتى يحكم بعدم دستوريتها فتطبق قاعدتها الذهبية (اللي فات مات) ! لكن رئيس الوزراء لم يفعل, والاسباب كثيرة... .. فهناك ــ اولا ــ اتجاه حكومي سائد لا يريد للناس ان يكونوا شركاء في صنع القوانين التي تحكمهم, لانهم لو تعودوا على ذلك فسيخلقون مشكلة, وسيطلبون اخذ رأيهم في كل امور الوطن... وهي ــ كما نعلم جميعا ــ عادة قبيحة لا يحسن الاخذ بها! .. وهناك ــ ثانيا ــ رغبة حكومية في الا ترى او تسمع او تقول شيئا يتناقض مع شهادات النجاح التي تنهال على رؤوسنا من البنك الدولي والتابعين له والسائرين على نهجه والتي تؤكد ان كل شيء جميل, وهي نفس الشهادات التي انهالوا بها قبل ذلك على دول جنوب شرق آسيا قبل ان تتحول من نمور اقتصادية الى قطط غلبانه! .. وهناك ــ ثالثا ــ ادراك حكومي بأن الناس ستسمع ما تقوله من مبررات لعدم رد الاموال التي اخذتها بقوانين دستورية, ولكنها لن تسكت بل سترد بأن على الحكومة ان توفق اوضاعها قبل كل شيء, وان مظاهر البذخ في الانفاق الحكومي يجب ان تتوقف, ومظاهر السلوك الاستفزازي الذي تمارسه بعض فئات المجتمع يجب ان تختفي, وان سيل الاعفاءات الضريبية التي تتمتع بها قلة من المستثمرين يجب ان تخضع للمراجعة بعد ان تحولت هذه القلة الى غيلان اقتصادية تريد ان تلتهم كل شيء وبدون ان تشارك في تنمية حقيقية وبدون ادراك لمعنى ان تحافظ على السلام الاجتماعي, وبدون ان تفهم مصلحتها الخاصة في منع الانفجار. ولان الحكومة لا تملك رداً على كل ذلك, فقد اختصرت الطريق ولجأت الى استصدار القانون في غيبة البرلمان, ثم اتبعت بعد ذلك سياسة (التطنيش) ... فلا هي شرحت للناس لماذا اصدرت هذا القانون, ولا هي ناقشت الاعتراضات القانونية التي انهالت في وجهها, ولا هي حاورت المتضررين, ولا هي طمأنت المتوجسين من ان الباب قد انفتح لكي تستصدر الحكومة ما تشاء من تشريعات تعلم ــ مقدماً ــ انها غير دستورية, مادامت ستؤدي الغرض وتحقق المهمة التي صدرت من اجلها, الى ان تصدر الاحكام بعدم دستوريتها, فتبتسم الحكومة وهي تقول بحكمة دستورية بالغة (اللي فات مات) , ولنبدأ من جديد. ويحدث ذلك, ونحن نعلم ما اصاب العملية التشريعية في السنوات الاخيرة من تردٍ, وترزية القانون جاهزون للتفصيل حسب الطلب, والذين وافقوا على قانون بيع البنوك العامة للاجانب في ساعتين... سيوافقون على اي قانون تريده الحكومة. ومع ذلك فالاضمن ان تصدر القوانين في العطلة الصيفية, بينما قيادات مجلس الشعب تستمتع بالصيف في الساحل الشمالي, وتحتفل هناك بمولد سيدي الدستوري...