أكثر من نصف المجتمع يطرق أبواب العيادات الخاصة طلبا للعلاج, فلماذا؟ واكثر من نصف المصطافين الذين سيغادرون الامارات او غادروها ــ البارحة واليوم وغدا ــ سيقومون بزيارات عديدة لكبرى العيادات والمستشفيات ذات الاسماء العالمية في الولايات المتحدة واوروبا, فما هو السبب ؟ وبعيدا عن تفسيرات معلبة وسيئة النوايا تراوح بين عقدة الاجنبي وحب المظاهر, لنحاول ان نفهم قضايانا ونعالجها بحب اكثر, وبهدوء مطلوب مبتعدين قدر الامكان عن متعة جلد الذات, التي سقطنا فيها وكأنها نهر من عسل! ولنتوقف قليلا امام قضية هذه الزيارات لنتساءل عن سرها, وفيما اذا كانت مدفوعة الأجر سلفا من جيب الدولة, ام ان المواطن يتكبدها من جيبه الخاص؟! وفي الحقيقة, فإن ذاكرتي لم تستطع ان تذيب ــ كعادتها ــ تصريح الدكتور (محمد جمعة بوهناد) لانه لم يكن سكرا سريع الذوبان على الاطلاق, لذلك ظل التصريح طافيا في ذاكرتي حتى الساعة. انه التصريح الذي ادلى به منذ مدة لصحيفة (البيان) حول الانفاق الذي قدمته دائرة الصحة بدبي لعلاج المرضى بالخارج والذي بلغ (510) ملايين درهم خلال الاعوام الستة الماضية (1993 ــ 1998)! ولفت نظري ان الدائرة ــ حسب تصريح مديرها بالانابة ــ تعاني من مشكلة تزايد ظاهرة العلاج بالخارج, ولا أفهم حقيقة سر المعاناة هنا, هل لان الظاهرة تشكل عبئا ماديا على الدائرة؟ ام لأن الظاهرة لها ابواب خلفية تتسلل منها بشكل منفلت ام ماذا بالضبط؟ الدكتور بوهناد وضع إصبعه في قاع الجرح حين قال: ان حالة من عدم الثقة بدأت تتكون بين المرضى والاطباء المحليين, وان المرضى لايطلعون اطباء الدائرة على تقارير مفصلة عن علاجهم في الخارج, ثم هم يطالبون بتكرار المراجعة في الاعوام التالية, ويطالبون بنفس الادوية التي صرفت لهم في الخارج, وان طاقات بعض الاطباء توقفت عند سنة التخرج, وبعضهم شاخوا تماما...!! وليعذرني الدكتور (بوهناد) اذا استوقفته قليلا ببعض الملاحظات التي بنيتها وفق تجربة خاصة عايشتها في الولايات المتحدة, ومنها ستأتي تساؤلاتي وتطلعاتي. أما كون العلاج في الخارج يشكل عبئا ماديا فذلك صحيح بنسبة 100% ولكن لنتوقف في الذي يزيد العبء ويقصم ظهر الميزانية الا وهو المبالغ التي تصرف للمريض ومرافقه وتدخل في بند المصروف اليومي. ان مبلغ 400 دولار يوميا للمريض ومرافقه (12 ألف دولار شهريا) مبلغ يحتاج الى اعادة نظر جذرية, لانه مبلغ خيالي جدا, ولا يشكل حاجة فعلية وحقيقية لهذا المريض ولذلك المرافق, خاصة اذا علمنا ان طالب الهندسة مثلا يصرف له 800 دولار شهريا, تكاليف السكن والمواصلات والطعام وشراء الكتب والأدوات وغيرها, وقد لا تكفيه فيستعين بأهله, ولكن تأملوا الفرق بين طالب هندسة او طالب وبين مرافق مريض غير مكلف بأي شيء. ما يتعلق بملفات أزمة الثقة الازلية او الازمة الصحية المزمنة في الدولة, فهذه تحتاج الى فريق عمل ماعليه سوى ان يفك اربطة الملفات ليخبرنا بمآسيها ومصائبها التي تجرعها مرضانا طويلا ولايزالون. الطبيب في العيادات الامريكية يخرج من عيادته ليناديك بنفسه, واحيانا يأتيك الى غرفة الانتظار, ويسير معك بهدوء ممسكا بيدك برفق انساني واضح, يعرفك على نفسه, ويتبادل معك بعض القفشات, ومنذ اللحظة الاولى يجعلك صديقا, وتحبه دون ان تشعر, بينما يقع كثير من اطبائنا في اختبار السلوك الانساني السليم للأسف. ينظر المستشفى او الطبيب الامريكي للمريض على انه زبون يتلقى خدمة لقاء اموال سيدفعها ومن الواجب تقديم الافضل له كي يعود مرة اخرى, ذلك صحيح, لكن هل تعمل المستشفيات والاطباء لدينا بشكل مجاني؟؟ والحديث يطول.