هناك حرب في الخفاء تدور بين الموظف ومديره في العمل, قد تكون ناتجة عن عدم ثقة بينهما, أو أن مرجعها لخلافات في اسلوب العمل أو لاسباب شخصية أو غيرها بصورة يصعب اغفالها والاعراض عنها فمن شأن هذه الحرب احداث فجوة تنعكس بالسلب على الانجاز وروح العمل وشاهدي على الحرب غير المعلنة بين اطراف المعادلة الادارية هي العبارات التي تتخذ صفة الشعارات والتي يرفعها كل واحد في وجه الآخر تعبيرا عن الاستياء والصراع الطارىء الذي يشكل نارا تحت الرماد قد تنكشف مع اول ريح مقبلة. الكثير من الموظفين يضعون قصاصات ورقية على مكاتبهم تقول: Rull one: the boss is always right Rull two: if the Boss is Wrong see Rull no. one واختصارا لذلك فان هذه النوعية من الموظفين تطعن بشكل غير مباشر في قاعدة يتحصن بها بعض المدراء وهي مبدأ (العصمة من الخطأ) أو التهرب من مسؤولية الفشل أما المدراء فهم ليسوا اقل دهاء وحكمة من موظفيهم ولذلك فهم يطرحون الشعار نفسه فقط باستبدال كلمة Boss وتعني هنا المدير بكلمة المراجع ليقولوا لموظفيهم صراحة بأن المراجع هو دائما على صواب ولو اخطأ هذا المراجع. هذه العبارات ليست لغوا أو ترفا لا طائل منه, إنها حالة نفسية بين الموظف ومدير العمل وهي مقدمة انتفاضة أو مؤشرات لطوفان قادم لا محالة ولن ينعكس بالسلب إلا على العمل والصالح العام ما لم يتم تشخيص الحالة المرضية وتداركها بأسلوب تحفيز مناسب للموظفين يزيل الفجوة النفسية وبنظام يدعو لخلق الدافعية للانتاج والمبادرة بالعمل المثمر. لكن السؤال المطروح دائما والذي يفشل الكثير من المديرين في حله, هو كيف احبب الموظف في العمل؟ ما هي نوعية المحفزات التي ينشدها الموظفون, من منهم يرغب في الماديات ومن منهم يتطلع للتشجيع الادبي والكلمة بالحسنى وبالابتسامة ليندفع نحو العمل بقوة, وباختصار كيف تدفع الموظف للانتاج والمبادرة الاولية دون الحاجة إلى رقابة أو توجيه يكلفان المؤسسة تكاليف اضافية في زيادة نطاق الاشراف وتوفير كاميرات المراقبة واجهزة التسجيل وغيرها. هذا السؤال يجب ان يتجاوز المعنى العرفي السائد بكون الموظف (يشتغل وايد زين وهب ريح وشاغول كما يرى الاستاذ علي السيد) وذلك عند حضوره فقط للعمل في الوقت المناسب صباحا وانصرافه في موعده وبلا غياب وبين هذين الموعدين يجلس على مكتبه ليؤدي مهامه الاعتيادية بغض النظر عن احساسه وكأن على رأسه الف عفريت وبغض النظر عن شعوره واحساسه الداخلي واذا كان وجهه امام المراجعين يتلون كما تتلون اشارات المرور في كل لحظة أم لا. المراد تجاوز تلك المرحلة الروتينية من العمل وصولا لمرحلة يعطي فيها الموظف كل ما عنده لنصل إلى مرحلة يأتي فيها الموظف إلى عمله ليجد فيه راحته النفسية التي لا يراها في أي مكان ولو كان هذا المكان هو المنزل, المطلوب هو تحقيق الزواج الأبدي خلال العمر الوظيفي بين الموظف والمؤسسة حتى يجد في الوظيفة الزوجة الأجمل والأحدث ليأتيها كل يوم بوجه مشرق ناسيا همومه في منزله الأول, حتى يأتي إلى المؤسسة بأخلاق تتجدد مع اشراقة كل شمس ويجد في المؤسسة المأوى والملاذ وهو المطلب والهدف الأول لمن ينشد دراسة نظاما للدافعية والتحفيز. عموما النظريات الغربية في بحثها عن المحفزات على العمل أنشأت قوالبا عامة والفكر الإداري الغربي وضع مبادئا قد يصعب تطبيقها في مؤسسات الشرق التي تعني بالجانب المعنوي والتقدير الأدبي بشكل كبير الا ان المطلوب في عالم اليوم هو اعداد الدراسات الإدارية لاستخلاص نظريات تحفيز جديدة تناسب الثوب الشرقي في ظل المتغيرات في أوضاع السوق الدولية ومشكلات العمالة والفقر والبطالة المقنعة وانخفاض أسعار العملة ونضوب الموارد والانكماش أو التضخم وغيرها من أسباب ينفرد بها العالم الثالث والتي تدعو للتفكير الجدي في انقاذ موظفي المؤسسات الشرقية (على الخصوص) حتى لا يتهم هذا الموظف أو ذاك بالتراخي وعدم الانتاج. المفكر (ابراهام ماسلو) صنع هرما للحاجات الانسانية وخاطب الاجتماعيين وأرباب المؤسسات الإدارية بوجوب التقيد بالتدرج الطبيعي لاشباع الحاجات الانسانية التي تبدأ بالحاجة إلى الماديات الأساسية من مأكل ومشرب ومسكن وملبس ثم يطور الحاجات الإنسانية للموظفين وغيرهم إلى أمنية وتعني الأمان الاجتماعي أو الوظيفي ثم الحاجة إلى الحب وإلى التقدير وصولا لمرحلة سمو الذات وعلى هذا التطور الطبيعي ووفق هذا الترتيب الأبجدي يمكن معاملة الموظفين في المؤسسة الاجتماعية ومعالجة قضايا التحفيز في المؤسسة الإدارية ولكن والرأي للكاتب يعاب على هذا المنهج عدم صلاحيته للتطبيق بشكل حرفي في بعض المجتمعات الايديولوجية وعلى بعض الموظفين الحساسين الذين ينشدون ابتسامة المدير في وجههم أكثر من حاجتهم للغذاء والماء وكما يقول أحدهم (يا سيدي اضحك في وجهي ولا تعطيني نقودا). المفكر الآخر (رنسيس ليكرت) ربط المحفزات بعلاقة الموظف بسلطة المدير وشخصيته وأسلوبه الإداري في العمل فالموظف قد يتفانى في خدمة المدير الاستشاري الذي يبني قراره بعد التشاور مع موظفيه ولو كان ذلك على حساب أي شيء لشعوره بأنه والمدير جزء من أسرة العمل الواحدة سواء بسواء ولكن الدافعية نحو العمل تقل عند توظيف ورئاسة المدير التسلطي ذو القرارات النازلة من فوق أو ذلك النفعي الذي يسمح بالحوار المحدود ويوزع الثواب كالدواء (بالقطرة) ولا يتردد في تطبيق الجزاءات. الا ان قمة الدافعية نحو الانجاز تتحقق حينما يحكم المؤسسة المدير الاجتماعي الذي يحولها إلى أسرة واحدة أو خلية من النحل تحكمها تفاعلات صاعدة ونازلة وجانبية, ويكون القرار الإداري وفق سياسة الباب المفتوح بين الموظفين ومنهم واليهم, وهذا الطابع الذي يكون فيه المدير أبا وموجها تربويا (وأمرهم شورى بينهم). أما (ماك جريجر) فقد نجح في تصنيف الدوافع والمحفزات وتوجيهها لمخاطبة فئتين من الموظفين احداهما الموظفين الكسالى بطبعهم وهم ممن يحتاجون للرقابة الدائمة فيتحركون بالريموت كنترول ويخشون المسؤولية وينشدون الأمان والروتينية ويختارون بأنفسهم ان يكونوا أدوات مهيأة للقيادة بحيث ينحنون ويركعون لأي مدير يحكم المؤسسة. هؤلاء العبيد يقرعون بالعصا فهي التي تجمعهم وهي التي تفرقهم ولذلك يخشون العقاب قبل أن يسألوا الثواب ويحبون الانقياد الى المدير صاحب شخصية (سي السيد). الفئة الاخرى هي الفئة المبدعة التي تحب العمل وتقبل عليه كما يقبل البعض بشراهة على الأكل والشرب, وهي لا تحتاج للمراقبة ولا للإكراه ولا معنى عندها للتشجيع ولا للتعليم على المبادرة للانتاجية فهؤلاء الموظفون مخلوقون للعمل والابداع والتفنن في تطوير أساليب العمل, يحبون حياة الاحرار وتكفيهم الاشارة والتلميح كما تكفيهم ابتسامة المدير وجلوسه معهم وهذا اكبر دافع لهم على العمل والانتاج (والحر تكفيه الاشارة). هيرزبيرج) الآخر: فرق بين المحفزات وأشباه المحفزات وهي تلك العناصر الصحية التي تمنع حالة التسرب من هذه المؤسسة الى اخرى او بعبارة اخرى تمنع الوصول لحالة التململ وعدم الرضا بين الموظفين واختصر هذه العوامل الصحية في سياسات وبيئة العمل الجيدة والاشراف والعلاقة بين الموظفين على اختلاف درجات الهرم الوظيفي العليا والدنيا ومخصصات الرواتب والأمان الوظيفي وهيكلية الدرجات الوظيفية وغيرها من عناصر وقائية. أماما يحرك السلوك لمزيد من الانتاج او حبوب الفياجرا المنشطة للإبداع فهي نوعية العمل بحد ذاته وفرص التطور والنمو وروح المسؤولية والتقدير من القيادة الى القابعين في (قاع) المؤسسة من البسطاء, والانجاز القابل للقياس والتقييم الايجابي والعادل وهذه كلها مثيرات تؤسس دافعية نفسية للموظفين للمزيد من العمل والانتاج. البروفسور (كريس أرجريس) له مذهب آخر في التحفيز اذ انه يرى ضرورة دراسة احتياجات البشر ومعالجتها في إطار المؤسسة وأهدافها واذا حدثت هذه المعادلة باجراء عملية جراحية دقيقة وناجحة فان السلوك الوظيفي سيكون في صالح المؤسسة, اما انتشار عدم المبالاة وروح التقاعس بين الموظفين فانه لا يرجع سببها للكسل الآدمي المطبوع وانما في نوعية معاملة الموظفين اذ لا يعقل ان ينتج الموظف الذي يعامل كأنه طفل غير ناضج ومسلوب الارادة والتفكير والصلاحية وعلى ذلك فشخصية الموظف تتطور من السلبية الى النشاط ومن قصر النظر الى طول النظر والى النضج والاهتمامات الواسعة اذ نجح المدير في دغدغة اللغة العاطفية الحساسة وزرع الثقة وأزال كل جسور القطيعة بينه وبين موظفيه. ان نجاح التجربة اليابانية وتطور الصناعات وروح الابتكار لدى هذا الشعب الشرقي ادى لتسليط الضوء على تلك الوجبات الروحية التي تحكم النفسية اليابانية وتدفع الموظف لكي يعمل ليلا ونهارا ويستحي حين يقدم اوراق اجازته المرضية اوالطارئة وينتحر اذا فشل في مهمة او ابتكار واذا وقف امام المدير فهو ينظر للاسفل وكأن على رأسه الطير, وما سر ذلك اللغز الذي يجعل الموظف يحوم حول المصنع والمؤسسة في الاجازة كالنحلة الفاقدة والطائر المفارق عشه. احدى الدراسات اشارت لبعض المقتطفات التي تميز الاسلوب الاداري الياباني الناجح في تحفيز السلوك الوظيفي للعاملين فكانت عقود العمل المؤيدة للموظفين واسلوب الترقيات, والانفتاح والثقة بين الادارة العليا والوسطى والدنيا والتدوير الوظيفي (رغم التخصص) الذي يمنع ملل الرقابة في العمل واسلوب تقييم الاداء ومشاركة الموظفين في صناعة القرار والاخلاق والاعراف الاجتماعية كل ذلك مهيجات كافية لاشعار الموظف بان المصنع والمؤسسة هي منزله واهله, حاضره ومستقبله هي سمعته الاجتماعية. لكن ومن المؤسف ان تبقى الدراسات العربية والاسلامية قصيرة الباع في المساهمة في هذا المجال رغم ركون الغرب مؤخرا لابتداع مدرسة الادارة الاخلاقية والتي تنادي بضرورة وجود المدير الاخلاقي الابوي الذي يمثل القدوة الحسنة لموظفيه بعد الفشل الغربي في رسم الابتسامة على وجه الموظف او اسعاده داخليا خلال فترة عمله بالمؤسسة رغم انها تصب عليه الاموال صبا وتغرقه في العلاوات التي تشكل غرفة انعاش مليئة بالاكسجين الا ان كل ذلك ليس كافيا لازالة الشحوب من على وجه الموظف (الغلبان) وبرأيي المتواضع فان المدير الناجح هو من يمتلك رصيدا ضخما من علم النفس الوظيفي بحيث يستطيع تشريح كل حالة وظيفية على حدة ودراستها منفردة واقتراح المحفزات المادية والمعنوية المناسبة ويصفها كما يصف الطبيب الدواء الناجح للمريض اذا يصعب الوصول الى وصفة صالحة للتعميم على جميع الموظفين هذا اولا. وثانيا ان يذلل المدير صاحب المؤشرات الناجحة صعوبات العمل ويوثق العلاقات بين جميع اطراف المعادلة الادارية ويترك الفرص للتعبير عن الرأي والمشاركة في القرار ويهتم بالتقييم الموضوعي والاثابة قبل الجزاء ويقبل على مشاركة الموظفين في افراحهم واتراحهم واختصر كل ذلك بأن المؤسسة الناجحة هي تلك التي تضع الرجل المناسب في مستوى القرار المناسب فبكارزميته وشخصية يستطيع ان يؤلف من حوله القلوب ويلين الصعوبات ويحقق اهداف العمل وخططه. كما ان ولادة قسم في كل مؤسسة مختص بالانتاجية والدوافع والتحفيز وتنمية الروح الانتاجية بكافة السبل بعيدا عن تخبط اجراءات شؤون الموظفين ولوائحها المعتقة كل ذلك امر لا مفر منه من اجل الوصول الى المؤسسة الفاضلة وهي تلك التي لاينظر فيها الموظف الى ساعة يده منتظرا موعد انتهاء اليوم الوظيفي.