اخيرا كشفت الولايات المتحدة اوراقها واعلنت , وان بشكل موارب عن امكانية التخلي عن مساعي (الوساطة) بشأن اعادة الانتشار في الضفة الفلسطينية المحتلة, وبحسب وزيرة الخارجية الامريكية مادلين اولبرايت فان المفاوضات وصلت الى نهايتها بالنسبة الى واشنطن, مع ذلك فان الادارة الامريكية اكدت انها لن تعلن فشل جهودها قبل نهاية شهر يوليو على امل ان توافق اسرائيل قبل هذا الموعد على الاقتراح الامريكي بالانسحاب من 13,1 بالمائة من الضفة الغربية. وقد عادت اولبرايت واكدت في تصريحاتها بأن: (هناك حدودا لما يمكن ان تفعله الولايات المتحدة او اي شخص اذا كان الطرفان لا يتحدث كل منهما الى الآخر لتسوية القضايا الصعبة المتبقية (وقالت)... اننا نقترب بوضوح من نهاية هذه المرحلة ولا يمكننا السماح باستمرارها الى اجل غير مسمى. كما اعلن المتحدث باسم البيت الابيض مايكل ماكوري: ان الوقت يقترب لقيام الولايات المتحدة بمراجعة مشاركتها في الجهود الرامية الى استئناف المفاوضات بين الاسرائيليين والفلسطينيين. وبدوره فان الناطق بلسان الخارجية الامريكية جيمس روبن اتهم بشكل غير مباشر اسرائيل معتبرا اياها المسؤول عن عرقلة المساعي الامريكية قائلا: الكرة ليست في الملعب الكرة في ملعب الاسرائيليين كي يحاولوا العمل مع الفلسطينيين والعمل معنا من اجل الوصول الى نعم ثانية. لدينا نعم من الفلسطينيين ونتطلع الى ان نصبح في وضع يستطيع فيه الاسرائيليون ان يقولوا نعم هم الآخرون. من هذه التصريحات يبدو ان الادارة الامريكية تتجه نحو نفض يديها من عملية التسوية كما يبدو ان هذه الادارة تتجه نحو تحميل الاطراف المعنيين مسؤولية التدهور الحاصل في عملية التسوية. ولكن المدقق في السلوك الامريكي سيكتشف عاجلا بأن هذين الاستنتاجين متسرعين وانهما لا يعبران عن التوجه الفعلي للسياسة الامريكية, فالحقيقة ان الادارة الامريكية لن تدير ظهرها لعملية التسوية لأنها تجد فيها مصلحة امريكية, من ناحية ولأنها تجد فيها تكريسا لدورها القيادي على الصعيد العالمي, وتفسير ذلك انه في حال خروج امريكا من الساحة فان المصالح الامريكية ستتأثر سلبا جراء مناخات عدم الاستقرار في المنطقة, كما ان الجهود الامريكية المبذولة منذ مطلع التسعينات للسيطرة على المنطقة ستصبح اقل رسوخا, هذا فضلا عن ان اسرائيل (وهي بحد ذاتها مصلحة امريكية في المنظور الاستراتيجي الامريكي) ستتأثر سلبا جراء هذه التطورات اما على صعيد الفراغ الحاصل فان هذا التوجه سيعزز من نفوذ اوروبا في المنطقة على حساب امريكا, خصوصا وان المجموعة الاوروبية لديها مبادرتها الخاصة لتحريك عجلة التسوية كما لديها مشروعها الاقليمي المتوسطي المنافس للمشروع الامريكي الشرق اوسطي. وعليه فان التحليل الواقعي لهذه الخطوة الامريكية تدفعنا الى الاستنتاج بأن ادارة البيت الابيض تسعى من وراء التلويح بهذه الخطوة الى الضغط مجددا على الفلسطينيين لحملهم على ابداء تنازلات معينة تسمح للحكومة الاسرائيلية بمراجعة موقفها بشأن اعادة الانتشار والقبول بالمقترحات الامريكية, في صيغتها المعدلة, والتي يمكن التوصل اليها بين الطرفين المعنيين مباشرة (الاسرائيليين والفلسطينيين) من الناحية النظرية تبدو الادارة الامريكية منصفة, وهي تجهد نفسها للظهور بمظهر الراعي النزيه لعملية التسوية ثم انها انحت باللائمة على الطرف الاسرائيلي, وعبرت عن رضاها على الطرف الفلسطيني ولكنها من الناحية الفعلية تعمل على التملص من مبادرتها وتبدي عدم الرغبة في الضغط من اي مستوى على اسرائيل وتضع الفلسطينيين مجددا تحت رحمة الاملاءات الاسرائيلية, وهذا التصرف يكشف عمق الترابط بين السياسة الامريكية والسياسة الاسرائيلية, وبذلك تبدو اسرائيل على حقيقتها بالنسبة للولايات المتحدة, فهي ليست مجرد دولة تتعامل معها وانما هي جزء من المعدلات السياسية الامريكية وهي جزء حيوي من المصالح الامريكية في المنطقة وعلى المستوى الدولي. مرة اخرى تثبت مجريات عملية التسوية بأنها ليست مجرد مفاوضات بين طرفين متصارعين وانما هي جزء من عملية دولية واقليمية لا يملك الطرفان المعنيان مباشرة (الاسرائيليون والفلسطينيون) حق التراجع عنها, كما لا يملكان القدرة على ذلك, ومن ناحية اخرى فإن هذا الوضع يؤكد ايضا بأن الطرفين المعنيين مباشرة لا يملكان بديلا اخر عن المفاوضات لحل القضايا الصراعية بينهما في اطار هذه المعطيات الدولية والاقليمية, وحتى في اطار الظروف والاوضاع الذاتية لهما, ايضا تثبت هذه التطورات مجددا الحقيقة المرة والقاسية وهي ان موازين القوى هي التي تصنع المعادلات على الارض وهي التي تحدد نتائج المفاوضات, وليست شطارة المفاوضين, وفي هذه الاوضاع والمعطيات يظهر الطرف الفلسطيني في غاية الضعف, مكشوفا تماما ازاء الطرف الاسرائيلي بجبروته وبتحكمه بمفاتيح الاوضاع وبعلاقته الاستراتيجية مع الولايات المتحدة الامريكية. وعليه فان الطرف الفلسطيني معني بالعمل لتعديل موازين القوى بينه وبين الاسرائيليين, ولعل ذلك يتطلب فيما يتطلب: 1ــ إعادة تقويم العملية التفاوضية والاداء التفاوضي الفلسطيني وصولا الى البحث الجدي عن خيارات فلسطينية اخرى, خصوصا على ضوء التجربة مع الاخذ بعين الاعتبار امكان انهيار عملية التسوية او وصولها الى افق مسدود. 2ــ اعادة الاعتبار لأولويات بناء البيت الفلسطيني خصوصا مع قرب موعد استحقاق انتهاء المرحلة الانتقالية بما تفرضه من تحديات الاعلان عن اقامة الدولة الفلسطينية كمبادرة سياسية وهذا يفترض تعزيز الوحدة الوطنية وتفعيل مؤسسات م.ت.ف وبناء مرتكزات الكيان الفلسطيني على اسس صحيحة وديمقراطية بعيدا عن مظاهر الفساد والفردية. 3ــ بذل الجهود من اجل استعادة البعد العربي للقضية الفلسطينية وتصحيح العلاقات الفلسطينية ــ العربية, وبدون هذا البعد تفقد القضية الفلسطينية احد اهم عوامل قوتها وأحد اهم عناصر تعديل موازين القوى مع الطرف الاسرائيلي, هذا فضلا عن ان جوهر القضية هو الصراع العربي ــ الاسرائيلي وان كان الفلسطينيون يتبوأون موقعا متميزا في اطار هذا الصراع, وعلى الصعيد التفاوضي فان عديدا من عناصر القضية الفلسطينية المتعلقة بالحدود والمياه والامن واللاجئين هي قضايا تتعلق بالمنطقة ومن الصعب على الفلسطينيين الخوض في هذه القضايا بمعزل عن الوضع العربي. لدى الفلسطينيين الكثير مما يجب عمله لتعديل الاوضاع لصالحهم, ولدى العرب الكثير مما يمكن ان يفعلوه لمواجهة التحدي الاسرائيلي, والمطلوب التحرك بهذا الاتجاه بدلا من مداعبة الاوهام حول السياسة الامريكية.