في مثل هذه الأيام .. منذ 200 سنة.. فهم نابليون اللعبة مبكراً .. لعبة الدين والسياسة.. فهم ان الطريق الى قلوب المصريين يبدأ بالمسجد وينتهي بالضريح.. فأعلن انه من أولياء الله .. وأصفياء الله... والناطق باسم الله . لكن .. بينه وبين نفسه كان يؤمن بانه (دجال) .. وفي منفاه في (سانت هيلانة) اعترف في مذكرات بان ما فعله في مصر هو (دجل من أعلى طراز) .. ثم استطرد (ان على الانسان ان يصطنع الدجل في هذه الدنيا لانه السبيل الوحيد للنجاح) !. كانت الاحلام تملأ رأسه.. أحلام الامبراطورية.. مثل الاسكندر الاكبر وقد نقل عن نابليون.. انه في مصر شعر بانه (يؤسس ديانة جديدة ويزحف على آسيا وهو يمتطي فيلاً وعلى رأسه عمامة وفي يده كتابه المقدس الجديدة) . هكذا تصور نفسه.. أو أقنع نفسه بذلك.. أو فهم ان لا سيطرة على مصر دون ان يرتدي عباءة الدين وهذا في رأيي أخطر ما في الحملة الاستعمارية الفرنسية على مصر.. انها لعبة استخدموا فيها الدين قبل الديناميت والموالد قبل البوارج. وقد ركزت اهتمامي على هذا الجزء الخفي من جبل الجليد قبل خمس سنوات ونشرت كثيراً من بواطن الأمور في كتاب (صلاة الجواسيس) عن استعمال النبؤات في تنفيذ مؤامرات اجهزة المخابرات. لقد انفق نابليون ــ خلال الرحلة الى مصر ــ معظم وقته في دراسة الكتب المقدسة التي كان يعتبرها كتباً سياسية.. وقد سجل في مذكراته فقرة تكشف طبيعة المؤامرة في رأسه هي:(ان الافكار الدينية كانت على الدوام مسيطرة على الشعب المصري في شتى العصور.. وقد اثار انتباهي انه عندما جاء الاسكندر الاكبر كان يفهم هذه العقلية فزحف عبر الصحراء من الاسكندرية الى معبد آمون في مدة لا تزيد عن اسبوعين دون مقاومة لانه اعلن ايمانه بالآلهة المصرية .. وقد حقق بهذا الادعاء اكثر مما كان يحققه لو بنى عشرين حصنا وعزز جيشه بمائة الف مقاتل مقدوني) . لكن نابليون رغم ذلك جاء الى مصر بحوالي 35 الف جندي وبحار وألف مدفع و567 عربة و700 حصان و100 ألف رصاصة و440 سفينة وفرقاطة, في اسطول كان يشغل مساحة في البحر تقترب من أربعة اميال مربعة. وفي 28 يوليو 1798 عندما بدت الاسكندرية على مرمى البصر فاجأ نابليون جنوده بالمنشور الشهير الذي صاغه بنفسه قبل ستة ايام واثبت فيه قدرته الفائقة على مزج الدين بالسياسة.. والايمان بالرصاص.. والفكرة بالقنبلة.. لقد طالب جنوده بتوقير المشايخ.. والتسامح نحو الشعائر والامتناع عن السلب والنهب.. وتجنب العار في هتك أعراض النساء. وبينما كانت سفنه الحربية ترسو بالقرب من شاطىء (العجمي) طبع نابليون أول منشور سياسي وديني للمصريين لم يتردد في ان يشهر اسلامه وأن يقرأ الشهادة ويسجل على نفسه عدم الشرك بالله.. لكن المنشور لم يخل من الاحتيال.. فهو يطالب المشايخ والأئمة والقضاة بأن يقولوا للناس (ان الفرنسيين هم ايضاً مسلمون مخلصون) .. وقد سخر علماء الحملة وقادتها من المنشور لكن نابليون لم يعبأ بسخريتهم.. وفيما بعد اعترف هؤلاء ان المنشور (احدث اثراً كبيراً) .. وكان (تأثيره في المصريين كالسحر) على حد قول كريستوفر هيرولد في كتابه المعروف الممتع (بونابرت في مصر) الذي ترجمه الى العربية برشاقة وبراعة فؤاد اندراوس ونشرته هيئة الكتاب. ومع ان نابليون اعلن على الملأ أنه مسلم فان المصريين ظلوا يعاملونه معاملة الكفار.. ونجح المشايخ في الايحاء بأن نابليون جاء ليقضي على الاسلام.. وهو ما جعله يحذر خليفته كليبر منهم وقال في احدى رسائله اليه (اننا اذا كسبنا تأييد كبار شيوخ القاهرة كسبنا الرأي العام في مصر كلها.. فليس بين زعماء الأمة من هو اخطر علينا منهم.. فهم يوحون ــ مثل جميع رجال الدين ــ بالتعصب دون ان يكونوا هم انفسهم متعصبين) . وحاول نابليون ان يكسب المشايخ في البداية.. فعين ديوانا من كبار المشايخ عند دخوله القاهرة .. وفي أول لقاء معهم حاول نابليون ان يضع وشاح فرنسا بألوانه الثلاثة.. الابيض والاحمر والكحلي على كتف رئيس الديوان الشيخ عبدالله الشرقاوي.. لكنه فوجىء بوجه الشيخ يحمر غيظاً ويرمي بالوشاح على الأرض.. وفي النهاية توصل المشايخ الى حل وسط هو ان يضعوا على صدورهم شارة (الجوكار) المثلثة الالوان... فتعودوا ان يشبكوا الشارة قبل ان يدخلوا حجرة نابليون ويخلعوها عند مغادرتها. على ان اشد الازمات بين نابليون والمشايخ كان سببها الشيخ محمد كريم الذي اختاره نابليون حاكماً للاسكندرية لكنه لم يتعاون معه فاستبدله بالشيخ المسيري وارسله مخفورا الى حامية نابليون الذي حكم باعدامه.. ثم خيره بافتداء نفسه بمبلغ 120 الف فرنك ذهبي.. لكن محمد كريم رفض.. فقتل رمياً بالرصاص في القلعة وحمل رأسه ليعرض على الملأ في الشوارع. وبينما دخل الشيخ كريم التاريخ من أجمل أبوابه فان الشيخ البكري دخله من أسوأ أبوابه.. لقد اخترق نابليون التقاليد المصرية الصارمة ونجح في استمالة (زينب) ابنته وكان عمرها 16 سنة.. وتوصف زينب البكري بانها النسخة المصرية من جوزفين.. عشيقة نابليون ثم زوجته.. ان احد رفاق نابليون يصف زينب بانها كانت (جسد مثل عود النعناع الاخضر.. وحياء في لون القمح يشتعل في الظلام من شدة الانوثة.. وهي تحمل ايماناً تاريخياً بان الرجل هو الفرعون المقدس الذي تمنحه المرأة الطاعة العمياء) .. وقد أغمض الشيخ البكري عينيه وسد اذنيه وراح وهو يحتسي البراندي الفرنسي كل ليلة يحلم بان يصبح (حمى) نابليون.. السلطان الأعظم.. كما انه كان مشغولاً بمعركة شرسة مع (آغا) على غلام جميل من المماليك اطلقوا عليه هيلانة) . وعندما اضطر الفرنسيون للجلاء عن مصر في سنة 1801 اراد غلاة المؤمنين معاقبة النساء اللاتي (عاشرن الكفار) وكانت زينب البكري احدى ضحاياهم وقد عرفت في أيام عزها بفتاة القائد المصرية.. ولا بد ان صلاتها بنابليون كانت قصيرة.. وكذلك حياتها. ويقول الجبرتي: وفي يوم الثلاثاء رابع عشرينه طلبت ابنة الشيخ البكري وكانت ممن تبرج مع الفرنسيين بمعينين من طرف الوزير.. فحضروا الى دار امها بالجوادرية بعد المغرب وأحضروا والدها فسألوها عما كانت تفعله.. فقالت: اني تبت عن ذلك.. فقالوا لوالدها ما تقول انت؟ فقال: أقول اني بريء منها.. فكسروا رقبتها ــ عبدالرحمن الجبرتي (عجائب الآثار في التراجم والأخبار) الجزء الثاني. ولم تكن هذه القصة الغرامية سوى دليل طفيف على لعب نابليون بالمشاعر الدينية.. أما الدليل الساطع الحارق كالشمس فهو دخوله الازهر هو وجنوده بالخيول التي ربطوها بقبلته.. وكسروا القناديل.. وهشموا خزائن الطلبة .. ونهبوا متاعهم.. ودشنوا الكتب والمصاحف.. ان نابليون المسلم الورع التقي حول الازهر الى اسطبل.. وكباريه.. وحمام شعبي لقضاء الحاجة. ونسي رسالته الحضارية التي جاء يبشر المصريين بها وتحول هو ورجاله من سادة مهذبين الى قطاع طرق لقد كان مثل الحرباء.. يقدر ان ينقلب من شيخ الى مقاتل.. ومن قائد الى سفاح.. في لحظة واحدة.. وقد كان في ليلة الاحتفال بالمولد النبوي يترنح كالدراويش على ايقاعات الدفوف في احدى حلقات الذكر.. وفي صباح اليوم التالي اصدر تعليماته في هدوء بتحويل مسجد الصالحية الى ثكنة عسكرية. ومع ان المشايخ هم الذين قاوموه وأعلنوا حربا دينية عليه فان بعضهم ايضاً هو الذي ساعده في تهدئة المصريين وتخفيف العداء للفرنسيين وقال في روايته لتاريخ حملته على مصر (انهم ادوا بذلك خدمات ايجابية للجيوش الغازية وكان المقابل بسيطاً.. بغال وعطايا ولقاء يومي يشربون فيه القهوة والشربات معي.. وقد كنت أناقشهم كثيراً في القرآن وأطلب منهم تفسيراً لبعض آياته .. وقد كنت أردد دائماً ان افعالي تنبأ بها القرآن.. ومن جانبهم اعربوا عن محبتهم.. فقد كانت في رأيهم (مقدرة من عند الله) لكن.. هذه المحبة لم تكن بالاجماع.. فكثير من الأئمة في المساجد كانوا يهاجمونني في خطبة الجمعة.. وأصدروا فتوى بمقاطعة الفرنسيين وقتالهم ولم ينج من هذا المصير الفرنسيون الذين أسلموا وتزوجوا من مصريات وطلبوا الاستقرار) . ولا جدال ان المواجهة التي جرت بين الشيخ الشرقاوي كبير علماء الأزهر ونابليون تستحق التسجيل.. لانها كشفت الغطاء عن لعبة استعمال الدين (البونابرتية) في السياسة الاستعمارية. قال الشيخ الشرقاوي:(انك تطلب رعاية الرسول الذي تقول انه يحبك وتريد من العرب والمسلمين ان ينضموا تحت رايتك وترغب في استرداد أمجاد العرب وانك لست مشركاً ولا وثنياً .. فاعتنق الاسلام اذن.. انك لو فعلت لبادر الى الانطواء تحت لوائك مائة الف عربي ولاستطعت وأنت قائدهم ومنظمهم ان تفتح بهم الشرق وتسترد وطن الرسول بكل أمجاده) . وبهت نابليون.. وأحس بأنه وقع في الحفرة التي حفرها لغيره.. انه يقول انه يحكم بأمر الله لا بأمر نفسه.. والمطلوب ان يوقع على أقواله. والحقيقة ان نابليون عمل حساب هذا المأزق من قبل.. فقد أشاع بعد شهر من غزوه مصر ان النبي (صلى الله عليه وسلم) ظهر له في المنام وقال له:.. اجهر بايمانك بأركان ديني لأنه دين الله .. ان العرب في انتظار هذه العلامة.. وسأخضع آسيا كلها لسلطانك) . واستطرد نابليون انه التمس مهلة سنة من الرسول الكريم يعد فيها جيشه فمنحها له الرسول وانه تعهد بأن يبني مسجداً عظيماً وانه سيقنع جيوشه باعتناق الاسلام وان اثنين من كبار الشيوخ هما الشيخ السادات والشيخ البكري يعتبرانه مسلماً فعلاً. وأضاف: ان هناك عقبات تحول دون اعتناقه هو وجنوده الاسلام.. منها الختان وشرب الخمر .. فرجاله الذين الفوا شرب الخمر طوال حياتهم لن يرتضوا الزهد فيها.. وهم كذلك لا يرون ضرورة للختان. وكان رد الفقهاء الذين اطلعهم على هذه الحجج اكثر مرونة واكثر ذكاء مما كان متوقعاً.. لقد ارادوا سد الذرائع وكشف اللعبة حتى آخرها.. فأفتوا بان الختان (نافلة) وليس ضرورة.. اما الخمر فقد يشربها الانسان وهو مسلم.. (وان يكن في حالة الاثم لا تجعله اهلاً للاستمتاع بمباهج الجنة) . ووجد نابليون في فتواهم ثغرة, نفذ منها قائلاً:(انني مقتنع بالأمر الأول.. لكنكم لا بد تقصدون المزاح في الأمر الثاني.. فلماذا يعتنق انسان دينا يحكم عليه بالهلاك في الجحيم لانه يواصل ممارسة عادة لا ينوي الاقلاع عنها؟) . وحسب ما نشره كريستوفر هيرولد فان الفقهاء طلبوا منه مهلة ليختلوا الى انفسهم وكتبهم ليعيدوا النظر في المشكلة.. طالبين المعونة من الله لينير بصائرهم.. وأخيرا اصدروا فتوى ثانية: (مؤداها ان في وسع الفرنسيين ان يشربوا الخمر ويدخلوا رغم هذا الجنة بشرط التكفير عن هذا الاثم بالتصدق بخمس دخلهم بدلاً من العشر المألوف) . ولا يذكر نابليون بالتحديد متى صدرت الفتوى الثانية.. ولكن من سياق الاحداث التي يذكرها رستم رضا مملوك نابليون الشهير في مذكراته المثيرة.. انها صدرت خلال غيابه في الشام في ربيع 1799. وبعد عودته للقاهرة أصدر علماء الأزهر بيانا يزعم انه نابليون.. السلطان الكبير.. يحب المسلمين ويعز الرسول ويهذب نفسه بقراءة القرآن الكريم كل يوم ويريد بناء مسجد لا نظير له في بهائه وفخامته ويود اعتناق الاسلام) . ويصر نابليون على ان هذا البيان صدر بناء على أوامره.. لكنه يضيف (ان المشايخ لم يستبعدوا ان تتحقق المعجزة وأعتنق الاسلام) .. وقد اعتنق الاسلام الجنرال مينو وأصبح اسمه عبدالله.. ولكن مينو لم يفعل ذلك حباً في الاسلام.. وانما حبا في النساء. ويعتقد بعض المؤرخين ان سياسة نابليون لم تقم على المصلحة فقط وانما قامت على قناعة مستقرة في أعماقه..(لقد كان مخلصاً في احترامه للاسلام لانه ينبع من موقفه العملي البحث من الدين) فقد قال امام مجلس الدولة في فرنسا في عام 1806 (انني أرى في الدين سر النظام الاجتماعي) .. الأرضي والسماوي.. وقد سبق ان قال للشيخ المسيري انه ينوي (اقامة حكومة موحدة تقوم على مبادىء القرآن القادرة على اسعاد الناس) . لكن ... نابليون نفسه يعترف بانه (دجال) ويستخدم الصفة بوضوح في مذكراته.. ثم .. انه يعترف ايضاً بانه عندما انكشف امره وجد نفسه هو والمشايخ يلعبون لعبة (الاستغماية) .. فقد لعبوا معه نفس اللعبة.. بنفس الطريقة.. المراوغة وادعاء الصداقة وبذل الوعود الكبيرة دون الوفاء بها وصياغة الاهداف الدنيوية صياغة دينية.. ومن يومها واللعبة تتكرر. على انه لان اللعبة كانت سياسية فقد انتهت لأسباب سياسية.. جيش ضعيف.. ضائع.. في بلد فقير.. ودولة كبرى وانجلترا ترقب ما يجري في انتظار اللحظة المناسبة للانقضاض.. وقائد محبط رسم استراتيجية في حلقة (ذكر) وشعب ليس لديه ما يخسره.. فقرر الثورة. وهكذا.. غادر نابليون مصر سراً.. تاركاً كليبر ليلقى مصيره.. الفشل والقتل.. وراحت الدوائر تدور حتى أصبحت الحملة الفرنسية صفحة في كتب التاريخ المدرسية.. لكن .. ما لا تقوله هذه الكتب ان نابليون فهم ان الدين في الشرق اهم من المدفع وان الشريعة تسبق الاستراتيجية وان الفقيه اخطر من الجنرال.. ولكن لم يفهم ان (الشعب المصري بتكوينه الطبيعي وميراثه الوطني والخلقي والنفسي يتسم بالوداعة والقناعة والارتباط بالجذور.. وهو مثل النيل لا يقبل الانعطافات المفاجئة ولا الانحرافات الحادة.. ولا المغامرات غير المتوقعة.. ولذلك فان كل الذين حاولوا القفز فوق الخطوط الحمراء التي رسمها التاريخ.. سقطوا وانكسرت اعناقهم) . المثير للدهشة ان نابليون لعب نفس اللعبة في فلسطين.. لكن لم يلعبها مع المسلمين هذه المرة وانما مع اليهود..وفي كتابه الوثائقي (المفاوضات السرية بين العرب واسرائيل) ينشر محمد حسنين هيكل نداء نابليون الى يهود العالم بعد ان استعصت عليه اسوار القدس.. وفيه يصف اليهود بانهم (ورثة فلسطين الشرعيين) ويصف الاسرائيليين (بالشعب الفريد الذي لم تستطع قوى الفتح والطغيان ان تسلبه نسبه ووجوده القومي وان كانت قد سلبته ارض الاجداد فقط) وابدى ايمانه بأنهم (سيعودون الى صهيون وهم ينشدون وسوف تعمهم السعادة حين يستعيدون مملكتهم دون خوف.. وطالبهم بان ينهضوا ليستردوا ارض الاجداد التي اغتصبها الاعداء غنيمة تقسم بينهم حسب أهوائهم) .. وطالبهم بالتعاون مع جيوشه (لاستعادة حقوقكم ومكانتكم بين شعوب العالم, تلك الحقوق التي سلبت منكم لآلاف السنين وهي وجودكم السياسي كأمة بين الأمم) . لكن .. اللعبة فشلت على يديه هنا في مصر.. ونجحت على يدي غيره هناك في فلسطين.