وصف الله نفسه بأنه الملك وبأن له ملكا وملكوتا وجندا مجندة وملأ اعلى وأنه قد وكل الى كل فرد من هذا الملأ الاعلى مهمة يقوم بها فجبريل الروح الامين هو رسول الوحي وهو الواسطة بين الله وجميع أنبيائه وميكائيل مكلف بالارزاق واسرافيل نافخ الصور يوم تقوم الساعة وعزرائيل قابض الارواح . (قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم) (السجدة ــ 11) ذلك ملك الموت.. وهم كثير (توفته رسلنا وهم لا يفرطون) (الانعام ــ 61) ثم هناك الملائكة الحفظة (أن كل نفس لما عليها حافظ) (الطارق ــ 4) والملائكة الكاتبون (وأن عليكم لحافظين كراما كاتبين يعلمون ما تفعلون) (الانفطار 10 ــ 11 ــ 12). والملائكة الصافون والملائكة المسبحون والملائكة الحافون بالعرش والملائكة الحاملون للعرش والملائكة العالون وملائكة التصريف ملك عظيم من فوق سبع سموات لا يتناهى والسؤال الذي يتبادر الى الذهن.. لم لا يباشر الله جميع هذه الشؤون بذاته ما دامت بيده مقاليد كل شيء واليه يرجع الامر كله.. فلماذا لا يفعل بذاته وبدون وسائط؟ وما الحاجة الى كل هذا الملأ.. والجواب.. انها سنة الله في خلقه.. فهو يجري الشفاء على يد جراح وكان في قدرته ان يشفي بذاته وهو يجري الارزاق من باب تجارة او من باب صناعة وكان في قدرته ان يوصل المال الى أصحابه مباشرة دون أسباب.. وهو يوصل الينا العلم بوسائط الكليات والجامعات والمدارس.. بل هو يوصل العلم الى أنبيائه عن طريق جبريل.. وكان بالامكان ان يلقيه في روعنا مباشرة. حتى المعجزة الخارقة فانه يجريها بواسطة فيقول عن الحمل الخارق لمريم: (فأرسلنا اليها روحنا فتمثل لها بشرا سويا) ويقول جبريل لمريم: (أنما أنا رسول ربك لأهب لك غلاما زكيا) وهو أمر كان يمكن لله ان يفعله مباشرة تلك اذن سنته في الدنيا. وتلك ايضا سنته في الآخرة حيث يقيم على النار زبانية لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون وحيث يقيم على أبواب الجنة ملائكة الرضوان حتى عرشه العظيم سبحانه يقول لنا القرآن أنه محمول يحمله ثمانية. (ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية) وهم يحملونه ولا شك بقوة الله ذاته فما ضرورتهم..؟؟!! والجواب لا ضرورة سوى كرمه هو.. حيث شاء بكرمه ان يعطي صفاته الشافية للطبيب ويتجلى بأحكام أسمه العليم على المعلم ويتجلى باسمه الرزاق على التاجر وباسمه البديع على الفنان ويتكرم بقوته على حاملي عرشه فتلك كلها شواهد كرم منه لا شواهد حاجة الينا. ثم ان الوسائط ايضا هي سنته.. فهو اذا أراد ان يعالج الجبل سلط عليه وسائط مادية مثله لتشكيله.. سلط عليه الرياح والامطار والسيول تنحته وتشكله او سلط عليه كائنا ماديا مثل الانسان ينحت فيه الكهوف والسدود.. ولو أنه سبحانه تجلى على الجبل مباشرة لجعله دكا. وحينما ظهر جبريل على صورته الحقيقية لمحمد عليه الصلاة والسلام خر مغشيا عليه. ان تفاوت المقامات بين الله وملائكته وبين ملائكته وخلقه من البشر وبين البشر وسائر صنوف المادة الجامدة استدعى وجود البرازخ والوسائط.. فلا يطيق الاسفل ان يتجلى عليه الاعلى مباشرة دون واسطة برزخية. أننا نقذف نواة الذرة وهي شيء غير منظور بشيء آخر غير منظور وهي قذائف النيوترون فنتخذ وسائط من جنس ما نتعامل معه.. فنحاول الوصول الى الشيء الخفي باتخاذ برزخ خفي.. وهو مثال من عالمنا. وجبريل هو البرزخ بين الله وبين محمد عليه الصلاة والسلام في عالم الملكوت وهو ايضا البرزخ بين الله وبين جميع أنبيائه.. لانه لا أحد من الانبياء يطيق الحضرة الإلهية الذاتية مباشرة.. فان تجلي هذه الحضرة يؤدي الى سحق ومحق كل شيء.. تماما كما رأينا من حال الجبل الذي اصبح دكا وموسى الذي خر صعقا. اننا بحكم طبيعتنا البشرية لا نحتمل أنوار الذات الإلهية فاستدعى التواصل بين الطبيعتين الى اتخاذ البرازخ. وكما أن جبريل هو البرزخ بين الله وبين محمد فكذلك محمد عليه الصلاة والسلام هو برزخنا الاعظم وهو وسيلتنا وواسطتنا وبابنا الى الفهم عن الله.. لأننا بحكم طبيعتنا المحدودة لا نستطيع ان نصل الى حضرة الاطلاق دون دليل. ان الضرورة هنا كانت قيدا علينا نحن, فنحن الضعفاء والله هو القوي ونحن الفقراء اليه وهو سبحانه الغني عنا. وكان تنزل الله بين البرازخ ليتواصل معنا كرمه منه ولطفا وايناسا.. لا حاجة منه الينا فالله ليس فعالا بنا بل نحن الذين نفعل به ونحن الذين نرى به ونسمع به ونفهم به ونمشي به ونحيا به.. بل إنه هو هو الظاهر بوجهه في كل شيء (اينما تولوا فثم وجه الله) . فهو الملك وهو وهو جميع القوى الفعالة في المملكة من حق وخير وجمال وعدل وكرم وحلم ورأفة ومودة ورحمة وسمع وبصر وعلم فتلك جميعا اسماؤه تجلت بأحكامها على ما في المملكة من خلائق. فاذا سحب منا ربنا قيوميته عدنا عدما واختفى مصرح الوجود كله ولم يبق الا نوره فهو الحضور المستمر أبدا وأزلا وهو الظاهر أبدا ونحن الغيب.. وهو الوجود ونحن العدم.. وهو الحجة على نفسه وهو برهان وجوده ودليل ذاته وهو ليس في حاجة الى دليل يدل عليه. ومن بدأ القصة حينما كان الله ولا شيء معه.. الى الآن حيث مازال ربنا هو هو.. على ما عليه كان.. لم يجد جديد.. فكل ما حدث كان تحصيل حاصل لما فيه علمه.. ومازال هو على ما عليه كان.. فالقول بحاجة الله الى جنوده ومملكته يعكس القضية ويقلبها.. تعالى ربنا عن ذلك علوا كبيرا.. فلا شيء فعال في ملكه وملكوته سواه إنما هي ثياب ألبسها لنا ومواهب أعطاها لنا وأرزاق وزعها علينا, بل ان لبسة الوجود ذاتها منه.. وليس لنا من ذواتنا الا العدم. بل اللغز الذي يحيرني.. هو ذاتي نفسها.. أنا.. من أكون.. وأنا لست الا كلمة من كلماتها ونفخة من روحه..؟! اما أحقية الله في كل شيء فهي أظهر من ان تكون محل شك أو مساءلة.. وبالمثل وجوده وهيمنته وظهوره. إنما انا.. ذرة العدم.. التي هي نفسي.. ما أمرها.. وما خطبها وكيف تشخصت من الأزل.. وكيف جاء بها الله ومعها سرها وما تكتم ثم أوجدها ليخرج مكتومها وابتلاها والخير لتفصح عن سرها وتفشي مكنونها. أنا..؟ وهل لي هذه الأنا.. أم استعرتها مع ما استعرت من الله.. فهي ثوب ضمن ما ألبسني الله من ثياب. ذلك هو السر الذي يحيرني رغم انه لا شيء أقرب اليّ منها.. وهل هناك ما هو أقرب اليّ من نفسي التي بين جنبي.. ومع ذلك فهي الطلسم.. والتيه.. والمحال. ثم ان اللغز يصل الى ذروة استسراره حينما نرى الله يأمر ملائكته بالسجود لهذه النفس التي تشخصت من عدم ويسخر لها ملكه وملكوته ويخضع لها الكون جميعه (سخر لكم ما في السموات وما في الأرض جميعا منه). يقول الله للعبد الكامل في كتاب المواقف والمخاطبات للنفري: انت مني.. أنت تليني.. وكل شيء في الوجود يأتي بعدك.. لا شيء يقدر عليك اذا عرفت مقامك ولزمت مقامك.. فأنت أقوى من الارض والسماء أقوى من الجنة والنار أقوى من الحروف والأسماء.. أقوى من كل ما بدا في دنيا وآخرة. اذا تحققت بسرك تحققت بي.. أنا الذي منه كل شيء أنا الذي أبديت كل شيء.. أنا الذي هو أنا. الى هذه الذروة المذهلة من التشريف تصل هذه الذروة الوجودية التي هي النفس الانسانية. فيقول عنها رب العالمين: أنت مني أنت تليني وكل شيء في الوجود يأتي بعدك لا شيء يقدر عليك اذا عرفت مقامك ولزمت مقامك فأنت أقوى من الارض والسماء أقوى من الجنة والنار أقوى من الحروف والأسماء.. أقوى من كل ما بدا في دنيا وآخرة.. (وكل ما في الوجود باديات يبديها ربنا من خفاء ولا يبتديها). ويقول للعبد الكامل: اذا تحققت بسرك تحققت بي .. أنا الذي منه كل شيء كيف يا رب يتحقق الواحد منا بسره اذا عرفت مقامك ولزمت مقامك ليس فقط ان يبلغ مقام الكمال بل ايضا ان يلزم هذا المقام فلا يحيد عنه.. وذلك هو غاية التمكين والتثبيت. وذلك هو المعراج العظيم الذي لا يقدر عليه الا آحاد بل ان الملك والملكوت ذاتهما مجرد معارج لهذه النفس الكاملة والدنيا والآخرة منازلها وهي تسير الى ربها وقد أقدرها الله على الدنيا.. وعلى تجاوزها.. كما أقدرها على الآخرة وعلى تجاوزها في مراقي السير اليه.. تلك هي النفس الطلسم المطلسم. وتلك هي امكاناتها حيث اجتمع فيها أقصى العدم واقصى الوجود. وحيث هي مني أقرب اليّ من كل شيء واخفى عليّ من كل شيء فهي التي بدأت من لا شيء وأصبحت أقوى من كل شيء. وحيث يبلغ ايهامها بي الى البهت والحيرة والذهول: من أنا..؟! ومن أكون..؟!! أنا الذي أسجد لي الله الملك والملكوت وسخر لي الكون أجمع أنا الذي أمرض وأشيخ وأموت ويفتك بي ميكروب لا يرى لفرط تفاهته أنا الذي جئت من قطرة ماء مهين وانتهي الى جيفة الهي كم تكذب المظاهر وكم تخفي جلودنا حقائق هائلة تحتها وكم تتشابه وجوهنا وتختلف منازلنا.. وكم يمشي في الأسمال والخرق من هم فوق الثريا منزلة لهفي على ذلك اليوم الذي تهتك فيه الاستار وتفتضح الاسرار ويعرف كل منا من يكون.. ومقدار ما يكون وتُرفع الحجب ويُكشف الغطاء ويغدو البصر حديدا ويفاجأ كل منا من نفسه بما لا يعلم.. ويعرف كل منا حقيقته وخبيئته يا له من يوم .. يا له من يوم.. التجهيز للقمة المرتقبة هذه القمة المرتقبة.. ماذا يجري فيها..؟! ان اصداء أشعار نزار قباني مازالت تدوي في آذاننا رغم ان الرجل مات وواراه التراب الا اننا مازلنا نسمع صرخاته نحن في غيبوبة قومية ما استلمنا منذ أيام الفتوحات بريدا كلما تزداد اسرائيل ارهابا وقتلا نحن نزداد ارتخاء وبرودا وبنو عنتر العبسي مشغولون في نسوانهم وبنو مازن مشغولون في غلمانهم وبنو هاشم يرمون السراويل على أقدامهم ويبيحون شفاها ونهودا ما الذي تخشاه اسرائيل من بعض العرب بعدما صاروا يهودا كانت كلمات الرجل تقطر بالسم والعلقم.. حتى سمعناه يصرخ في آخر قصائده: متي يعلنون وفاة العرب؟ هي كلمات مريرة وظالمة.. فالعرب لم يموتوا ولن يموتوا.. وهذه قمتهم سوف تجتمع ونتوقع ان تكون هذه القمة مظاهرة قوة وبادرة عزم.. فالموقف السياسي لم يعد يحتمل ضعفا ولا ترددا ونحن نريد ان نرى العرب صفا واحدا وكلمة واحدة ويدا واحدة.. وان نطمئن الى ان المائة مليون لهم صوت ولهم هيبة.. وان الحق له جلال وله صوله. وأمام الظلم الاسرائيلي والتعنت الاسرائيلي والرفض الجائر لجميع الحلول رفض اوسلو ورفض مدريد ورفض كوبنهاجن ورفض مبدأ الارض في مقابل السلام.. نرى ان أضعف الايمان ان نرفض التطبيع بقرار عربي جماعي وان يعلن ياسر عرفات الدولة الفلسطينية.. وان نسمع صوتا للمقاومة السورية في الجولان.. وهذا أقل القليل. ان القول بأن السلام خيار استراتيجي.. لا يعني أبدا ان الاستسلام أصبح الخيار الاستراتيجي.. ولا أحب ان يختلط هذا على فهم الآخرين فتصل الى أفهامهم الرسالة خطأ.. فالسلام شيء آخر غير الاستسلام.. والعرب لم يفقدوا الحياة بعد.