يكاد يجمع قراء تاريخ اسرائيل والذين تابعوا تطور سياساتها على قول ان وجود اسرائيل وسياساتها كانت بصورة مستمرة تمثل تحديا للعالم. اذ هي كيان ولد بصورة قسرية رغما عن اكثر دول العالم , وتم تنسيبه الى الهيئة الدولية بطريقة خاصة, افترضت حسن التعامل مع ميثاق الامم المتحدة وقرارات منظماتها, وهي منذ ولادتها على اشلاء فلسطين في العام ,1948 وضعت منطقة الشرق الاوسط بما فيها من اهمية وخطورة على اقتصاد وتجارة ومواصلات العالم على حافة الكارثة المدمرة بفعل الحروب والعدوانات المتواصلة, بل ان الامر في بعض الاحيان دفع الى الاستنفار النووي لدى الدول العظمى بسبب التحديات التي فرضتها اسرائىل في المنطقة, والتي لا تزال مستمرة فيها, ومنها امتلاك سلاح نووي يزيد عدد قنابله عن مئتي قنبلة, وتكفي قدرته التدميرية لتدمير مساحة تزيد عدة مرات عن مساحة الشرق الاوسط كله, كا يرى بعض خبراء السلاح النووي. واسرائيل التي اعتادت تحدي العالم منذ ولادتها تمضي الآن على الطريق ذاته في خطوتين يمكن اعتبارهما تطورا دراماتيكياً في التحدي والممارسات الاسرائيلية. الخطوة الاولى تتمثل في قرار الحكومة الاسرائيلية بتوسع حدود مدينة القدس, لتشمل المزيد من الاراضي العربية المحتلة, ولاسيما تلك التي اقام عليها المستوطنون اليهود مستوطناتهم بعد أن استولوا على أراضي الفلسطينيين, وسخروا لصالح هذه المستوطنات الامكانيات المتاحة ولا سيما المياه التي يعكس الاستيلاء عليها وعلى الارض حقيقة حجب امكانيات الحياة عن الفلسطينيين, واجبارهم على الهجرة والتشرد مجددا بعد كل ما عانوه. وتوسيع القدس, لا يعني فقط تحديا للعالم الذي لازال يؤكد ان القدس (ارض محتلة) وهو لا يعترف لذلك بشرعية قرار الضم الذي اعلنته اسرائيل بالحاق المدينة بكيانها منذ عام ,1968 بل ان توسيع القدس لتشمل المستوطنات اليهودية القريبة منها, انما يعني تحديا آخر, يسبغ شرعية على الاستيطان الصهيوني الذي يرفضه العالم, وتندد به حتى الولايات المتحدة صديقة اسرائيل وحليفتها. وانتقالا من العام الى الخاص فيما يمثله قرار توسيع القدس من تحديات, يمكن القول انه يمثل تحديا دينيا يشمل المسيحيين والمسلمين في آن معا, وهم الذين مازالوا يرفضون خضوع القدس للاستفراد اليهودي المتعصب, وتحويلها الى مدينة يهودية بتغيير طابعها الحضاري والديني, وهو تغيير يمثل تحديا للعرب حيث يبدل هوية المدينة من مدينة عربية الى يهودية عندما يلحق بها مستوطنات ومستوطنون فيحول الغلبة العمرانية العربية, ولا سيما في القدس القديمة الى مجرد معالم غير منظورة في التكوين المعماري الاستيطاني الذي طورته اسرائىل في القدس, ويتحول عرب القدس الى مجرد اقلية غير ملموس حضورها في حياة المدينة. ويمثل قرار توسيع القدس تحديا اكثر حرارة في بعده الفلسطيني. اذ هو بمواجهة الاتفاقات الفلسطينية ــ الاسرائىلية التي تم التوصل اليها بين اسرائيل والسلطة الفلسطينية بدءاً من اتفاق اوسلو في العام 1993 وما تبعه, وهي اتفاقات وضعت القدس في اطار المباحثات النهائية, بمعنى انها لم تعط الحق لسلطات الاحتلال الاسرائيلي بفرض وقائع جديدة من شأنها ان تكرس تهويد المدينة, وهذا يعني تحويل الاتفاقات الفلسطينية ــ الاسرائيلية لمصلحة اسرائيل حصراً. اما الخطوة الثانية في التحدي الاسرائيلي, فتبدو في قرار الحكومة الاسرائيلية اجراء استفتاء اسرائيلي, يقول خلاله الاسرائيليون (قرارهم) في موضوع الانسحاب الاسرائيلي من 13 بالمائة من أراضي الضفة الفلسطينية المحتلة, ويجعل قراراً كهذا تتخذه الحكومة الاسرائيلية التجمع اليهودي الاستيطاني في مواجهة العالم. ذلك ان العالم بما فيه من مبادىء ومواثيق متعارف ومتفق عليها, لا يعترف بشرعية الاحتلال, ولا يقر بالاستيلاء على ارض الآخرين بالقوة, وفي الحالة الفلسطينية, فإن القرارات الدولية أقرت مبدأ الانسحاب من الاراضي التي احتلتها القوات الاسرائيلية عام 1967 وما بعده, وهي اراضي لا تشمل الضفة الفلسطينية وقطاع غزة فحسب, وانما اضافة اليها مرتفعات الجولان السورية وجنوب لبنان. وبهذا يصبح قرار الحكومة الاسرائيلية تحدياً للرأي العام العالمي, حيث يضع المواثيق والاعراف, ثم القرارات الدولية جميعها في كفة موازية لرأي تجمع استيطاني طابعه التطرف والتشدد, والذي يعتبر بنيامين نتانياهو رئيس الوزراء الاسرائيلي واعضاء حكومته مجرد شريحة عنه, وبهذا المعنى, فإن رأي الاكثرية الاسرائيلية سيأتي متوافقاً مع تلك الروح, مما يعني تحكم اقلية متطرفة باتجاهات الاعراف والمواثيق الانسانية, وقرارات المنظمات والهيئات الدولية, وفرض موقفها على الآخرين. وبطبيعة الحال, فإن التحديات الاسرائيلية الاخيرة باتجاهاتها ومحتوياتها, وبما تعنيه من تحد للعالم, انما تتطلب مواجهة تكون نشطة وفاعلة, مواجهة تقوم على الأسس والمبادىء العامة التي يقرها ويتبناها المجتمع الدولي لمواجهة التحدي الاسرائيلي. ولعل الاولى والأهم في مواجهة التحدي الاسرائيلي الجديد هم الفلسطينيون ليس باعتبارهم الاكثر تأثراً بالخطوات الاسرائيلية الاخيرة, بل باعتبارهم الطرف الذي يعطي سكوته او مسايرته للاسرائيليين الخطوات الاسرائيلية مداها العملي, بل ويخفف من ردات الفعل الاقليمية والدولية على ما تطرحه اسرائيل من تحديات جديدة. وخطوات المواجهة الفلسطينية التي اتبعتها السلطة الفلسطينية داخل الاراضي المحتلة من اعتراض واحتجاج واستنكار, ليست كافية, وهي تتطلب سيراً في اتجاهين, الاول تصعيد مواجهة شعبية ــ رسمية فلسطينية في الداخل ضد السياسة الاسرائيلية, ولا سيما في الموضوع المتصل بالقدس, والتي تتابع السلطة الفلسطينية تأكيداتها بأنها عاصمة الدولة الفلسطينية, والامر في هذا يمثل خروجاً من الموقف اللفظي ــ على نحو ما درجت السياسة العربية عموماً ــ الى الموقف العملي. والاتجاه الثاني في المسار الممكن للسلطة الفلسطينية في مواجهة التحدي الاسرائيلي, هو التقدم لاعلان موت اتفاق اوسلو لعام 1993 والذي تخلت عنه حكومة نتانياهو في محاولة لنزع اية مكاسب فلسطينية تنجم عنه, وهذا يعني ان على السلطة الفلسطينية التخلي بالمقابل عن الاتفاق وما يعطيه من مكاسب لاسرائيل وحكومتها. ان اتفاق اوسلو وما بني عليه, ينبغي ان لا يمثل املاءات اسرائيلية يتم فرضها على الفلسطينيين, بل انه ــ في حد ما ــ توافق في بعض المصالح الاسرائيلية ــ الفلسطينية على تواضع الاخيرة, وهو ليس محصلة لميزان القوى الاسرائيلي ــ الفلسطيني, بل هو في احد جوانبه محصلة لواقع اقليمي ــ دولي, لا ينبغي ان يكون تحت السيطرة والتفسير الاسرائيلي, والذي يساهم في اعطائه هذه السمة, اصرار الفلسطينيين على التمسك به في وقت يحاول الاسرائيليون تهميشه ثم اعلان موته. وفي مواجهة التحدي الاسرائيلي الراهن, يتطلب الامر تقدماً عربياً لدعم الفلسطينيين فقط بل ايضاً للحد من الآثار المدمرة للتحديات الاسرائيلية, وما يمكن ان تفرضه على المنطقة وبلدانها, ويتطلب امر كهذا, ان لم يكن اجتماعا عربياً على مستوى القمة, فعلى الأقل, تشكيل قوة ضغط عربية لا سيما من الدول الاكبر, والاكثر تماساً مع قضايا الصراع العربي ــ الاسرائيلي وفي المقدمة سوريا ومصر, والمملكة العربية السعودية, وهي دول تدعمها وتتقاطع مع سياساتها العامة اغلبية الدول العربية, وفي الحالتين يمكن تحقيق تقدم عربي, اذا خرجت الكلمة العربية من دائرة المعلن الى دائرة الفعل, وهناك كثير من الدول والقوى في العالم التي باتت تنتظر فعلاً سياسياً عربياً لتتفاعل معه, ولعل دول اوروبا في المقدمة. وخلاصة القول ان العالم ينتظر من يتقدم اليوم ليقول رأيه, وليقف بصورة عملية في مواجهة السياسات الاسرائيلية بما تمثله من تحديات للعالم بكل ما فيه من مبادىء ومواثيق وقرارات دولية,ولعل دعوة ايران التي تحتل رئاسة منظمة المؤتمر الاسلامي لاجتماع دول المنظمة لدراسة الوضع, وانتقاد الفاتيكان لقرار اسرائيل توسيع القدس, وادانة كوفي عنان الامين العام للأمم المتحدة للقرار الاسرائيلي هي بمثابة مؤشرات للرد على التحدي الاسرائيلي, وكل ما تبقى على العرب والفلسطينيين خصوصاً ان يتقدموا خطوة في مواجهة هذا التحدي, فهل يبدأ العرب والفلسطينيون خاصة الخطوة الاولى؟ سؤال ينتظر اجابة سريعة وواضحة.