على ما تبدو عليه الشواهد السلبية والممارسات المعيبه, لم يعد هناك ثمة بصيص من الامل في النجاة من تداعيات النزاعات الحدودية المحتدمة في طول وعرض الوطن العربي الا عبر العقلانية والاعتصام بطوق الوحدة, لكن من المؤكد ان الامر مختلف ازاء تنازع السيادة على جزيرة (حنيش الكبرى) بين اليمن كونها دوله عربية, بينما خيبت ارتيريا الظنون والوعود فور اعلان استقلالها عن اثيوبيا ورفضت الانضمام الى الجامعة, ولا معقب بالطبع على ! ومما لاشك فيه ان اليمن الرسمية والشعبية كان لها دورها المقدر في دعم النضال الارتيري للتحرر من نير الاستعمار الاثيوبي على مدى يزيد عن ثلاثين عاما متصلة, وكانت الجزر اليمنية وبينها حنيش الكبرى معبراً للسلاح والعتاد المؤن الى السواحل الارتيرية, ومنها الى قواعد الثوار في الداخل, وكانت صنعاء تعقد المؤتمرات والاجتماعات السياسية تباعا من أجل توحيد اداة الثورة الارتيرية وحل الخلافات بين فصائلها, واشهد ان أول لقاء وحوار اتيح لي مع اسياسي افورقي ابان زعامته للجبهة الشعبية كان في العاصمة اليمنية صنعاء, وانني دخلت ارتيريا مرة واحدة آنذاك عبر قارب صيد حملني من ميناء الحديدة الى حنيش الكبرى ومنها الى الساحل الارتيري, بينما دخلت مرار الى ارتيريا عبر حدودها المشتركة مع المنطقة الشرقية للسودان في كسلا والقضارف لحضور المؤتمرات في الاراضي المحررة وزيارة معسكرات قوات التحرير الارتيرية بزعامة عثمان سبي يرحمه الله! ومن هنا كانت صدمتي وغيري كثير عندما قامت ارتيريا فجأة باحتلال جزيرة حنيش الكبرى يوم 15 ديسمبر 1995, ثم ادعت دون مقدمات أو مبررات تبعيتها لسيادتها, رغم انه سبق ترسيم الحدود البحرية بين اليمن واثيوبيا ابان احتلالها ارتيريا عام 1963, فكان نصيب اليمن من الجزر ثلاثة اضعاف نصيب اثيوبيا بحسب الامتداد الساحلي لكلا البلدين, لكن اندلاع الحرب في اقليم الصومال الغربي المعروف بــ (الاوجادين) عام 1977 حال دون تسويه الحدود البحرية المشتركة بشكل نهائي, فما ان نالت ارتيريا استقلالها في مايو 1992 حتى بادرت اليمن الى اعلان استعدادها لترسيم الحدود البحرية, لكن القيادة الارتيرية اعتذرت لانشغالها آنذاك بترتيب اوضاع الدولة الجديدة. القصة بعد ذلك باتت معروفة بكل تفاصيلها وأبعادها وتطوراتها, ويهمنا في نهاية المطاف قبول الطرفين للتحكيم الدولي عبر وساطة فرنسا واثيوبيا ومصر في 21 مايو 1996, ومنذ ذلك الحين لم تحدث انتهاكات عسكرية تذكر, وقدمت كل من اليمن وارتيريا الى لجنة التحكيم مالديهما من الوثائق والخرائط والاسانيد القانونية التي تثبت سيادتها على الجزيرة, ايذانا باصدار حكمها النهائي في النزاع نهاية يوليو الحالي! ومما يعزز الرهان على تجاوز الازمة واستعادة العلاقات اليمنية الارتيرية سابق ازدهارها ومصداقيتها, مبادرة اسمرة الى خطب ود صنعاء مؤخرا عبر الزيارات والمباحثات التي قام بها مسؤولون ارتيريون على مستوى رفيع لليمن, الامر الذي اقره المراقبون بادراك ارتيريا لمدى حجية الوثائق والخرائط التي قدمتها اليمن الى لجنة التحكيم وبعضها يرجع تاريخها الى احتلال الفرنسيين جزر ارخبيل حنيش عام 1737, ثم احتلال القوات البريطانية لها عام 1799 حتى يمكنها التحكم في اغلاق باب المندب في وجه القوات البحرية الفرنسية, خاصة وان الوثائق الايطالية التي قدمتها ارتيريا لاتحسم سيادة اثيوبيا سابقا أو ارتيريا لاحقا, كما وان حداثتها من حيث التوقيت لايجب رسوخ حجية الوثائق الفرنسية والبريطانية الاكثر قدما, فضلا عن الوجود الفعلي والنشاط اليمني الظاهر على الجزيرة! كذلك اعمالا للمثل القائل (بيدي لا بيد عمر) , من هنا كان تأكيد الرئىس اسياسي افورقي على هذا الرهان في حواره الهام والشامل الذي بثته قناة الجزيرة الفضائية منذ ايام, عندما ابدى استعداد ارتيريا لقبول نتيجة التحكيم الدولي, حتى لو كرس سيادة اليمن على حنيش الكبرى وبقية جزر الارخبيل بالتبعية, ولعله نفس الموقف الذي تبناه الرئىس علي عبد الله صالح من قبل, عندما رفض الرضوخ للضغوط الشعبية ومزايدات المعارضة لتحرير الاراضي السليبة عبر الخيار العسكري, وانحيازه للخيار السلمي وآلياته لحل النزاعات الحدودية اليمنية المشتركة بشكل عام دون تميز عبر الحوار ولجان التحكيم وغيرها من اللجان الفنية تحت شعار (لاضر ولا ضرار) ! ولولا هذا التوجه العقلاني لما نجح اليمن في ترسيم الحدود المشتركة مع عمان على نحو يثير الاحترام, إذ كان نهج التراضي والوفاق العامل الرئيس في تبادل الاراضي بين البلدين عبر اسلوب المقايضة, وتفعيل المصالح, وفتح المنافذ والطرق امام انسياب حركة المواطنين والتجارة دون عوائق, والاعتراف بحق موطني كل دولة في رعاية ممتلكاته من النخيل وجني ثمارها في الدولة الاخرى, وكذا تنقل الرعاة وقطعان اغنامهم بحثا عن الماء والكلأ هنا وهنا, فضلا عن دخول الجانبين في مشروعات تنموية واستراتيجية مشتركة! وهنا تحضرني عبارة لمؤرخ الماني اكد فيها ان استقرائه للتاريخ الانساني على مر العصور, يكاد يجزم على استحاله انجاز الامم انتصارات قومية حاسمه على اعدائها, إن ظلت مشكلة التنازع على الارض بين شعوبها وانظمتها السياسية تراوح مكانها بدون حل, ولعل هذا المفهوم التاريخي او المعادله السياسية ترجح الضرورات الملحة لقيام آلية فض المنازعات العربية والمحكمة الدستورية العربية, حتى تتمكن امتنا من العبور فوق ركام تناقضاتها الثانوية والتحشد لمواجهة تناقضها الرئيسي مع اسرائىلي خاصة وان الوحدة العربية لاتزال حلما بعيد المنال!