ترى ما هو تفسير كثافة الإعلانات (التسويقية) التي يقودها العديد من المؤسسات العاملة في تقديم الخدمات الجامعية؟ وما هو الموسم الذي يشهد حملة محمومة لترويج التعليم؟ ومن هم رواده وزبائنه؟ وما هي أهداف مؤسسات (البيزنيس) في التعليم ؟ ربما كان هذا الوقت مناسبا جدا للإجابة على تلك التساؤلات, فنحن نشهد في هذه الأيام, وبعد إعلان نتائج الثانوية العامة مظاهر عديدة تحمل إجابات على تلك التساؤلات, فقد بدأ بالفعل مهرجان (ليلام) الشهادات. وقبل ذلك دعونا ننتقل إلى الساحة نفسها لنتعرف على الخدمات التي يُسوق لها المشتغلون بالبيزنيس في التعليم, فهناك العشرات من المؤسسات التعليمية (مع التحفظ على هذا الوصف بالاضافة الى المعاهد التي تقوم بتقديم الخدمات في هذا المجال وتتفاوت - بطبيعة الحال - الخدمات من معهد إلى آخر فبعضها يكتفي بتوفير قبول للطلبة الحاصلين على الثانوية العامة بإحدى الجامعات العربية أو الأجنبية, أو للراغبين في مواصلة دراساتهم العليا, وتقتصر هذه الخدمة على أداء دور الوسيط بين الطالب والمؤسسة التعليمية بالخارج في مسألة القبول والانتظام بها وهذا النوع من الخدمة يعد من التسهيلات التي قد لايترتب عليها ضرر, بشرط التعامل مع جامعات جيدة, وعدم وجود ما يضر العملية التعليمية وأهدافها وهناك معاهد أخرى تقوم بتقديم خدمة أوسع من سابقتها وتتمثل في الارتباط بمؤسسة خارجية, وتنظم للطلبة المسجلين لديها محاضرات متفرقة في أوقات مختلفة, ويؤديها بعض محاضري الجامعة الأجنبية, وغالبا ما يتم ذلك في قاعات مستأجرة بالفنادق, ويكون ذلك - في الغالب - من باب إبراء الذمة, وإثبات أن الخدمة المقدمة تتم تحت إشراف الجامعة الأصلية, والتي تسعى هي الأخرى إلى المزيد من العملة الصعبة, أو الحصول على موارد مالية أخرى, تسد بها عجز ميزانيتها, أو تدعمها وفي سبيل تحقيق ذلك, فإنه ليس لديها مانع من عرض خدماتها على نحو لا يحقق الأهداف الحقيقية من طرح البرنامج التعليمي, والمؤسف ان بعض الجامعات العربية وغيرها قد تورطت في مثل هذه التجارة, أما الأخطر من ذلك كله فهو مايقوم به مندوبو (مبيعات) بعض الجامعات الأجنبية بالمرور على اللاهثين وراء الألقاب العلمية المزيفة, وطلاب الشهادات وذلك بعرض بضاعتهم الكاسدة وتشتمل جهود هؤلاء المندوبين في عرض انواع الخدمات على الدرجات (العلمية) المعروضة للبيع (بكالوريوس, ماجستير, دكتوراة) مع قائمة بأسعار تلك الدرجات, ونسبة الخصومات على كل درجة والميزات المتاحة لراغبي المزيد منها. أحد الظرفاء علق على ذلك بأنه في سياق التشجيع والترويج لتلك الشهادات, فإن أحد (المسوقين) قد رفع شعارا: اشتر دكتواة واحدة, واحصل على أخرى مجاناً! والمتتبع لهذا العبث من خلال بقالات وصنادق التعليم الجامعي أو المندوبين, يتذكر ما كان يحدث أيام زمان ذلك البائع المتجول, الذي كان يطوف بالسكيك, عارضا بضاعته على سكان (الفريج) ومردداً كلمة ليلام .. ليلام ليلفت انتباه الناس لوجوده ومروره بالحي. خواء الطيلسان الجامعي كنا وما زلنا نشكو ضعف امكانات بعض الجامعات العربية وتدني مستوى خريجيها, بحيث يجدون صعوبة كبيرة في تلبية متطلبات مواقعهم الوظيفية, أو تطوير قدراتهم الفنية لمواكبة التطور المستمر في مجالات تخصصاتهم وبسبب ذلك كان هناك تحر في اختيار الجامعة المناسبة للتخصص المراد دراسته, والمؤسف ان كثيرين لايدركون أن هناك أعدادا هائلة من الجامعات الغربية في أوروبا وأمريكا تفوق في عبثها بالعلم ما كان ملاحظا ومؤاخذا عليه في بعض جامعاتنا العربية. حيث ان السبب الرئيسي أو الوحيد لوجودها هو تحقيق المكاسب المادية لاغير, ومن ثم كانت الجامعات ومؤسسات التعليم الجامعي تسعى لجذب الزبائن الأجانب بأي شكل وعبر إغراءات وتسهيلات لاترد معها يد أي لامس, على حد تعبير فقهائنا. وربما كانت للسمعة الوهمية الذي يحققها الحصول على (الطيلسان الجامعي) أثره الكبير في انبهار أحدهم, خاصة إذا كانت الشهادة صادرة عن جامعة غربية, فحينئذ يكون ذلك الطيلسان قد حقق لصاحبه أبهة لانظير لها, مع أن الواقع مختلف تماما كما سنشير إلى النموذج الغربي التالي. حيث يتذكر الجميع (ظاهرة) جامعة غربية في أوروبا أصبحت معروفة للجميع بتفريخها العجيب لحملة الدكتوراه, حيث كانت لسنين طويلة مقصدا للسعادة نحوها. أما كيفية الحصول على الدكتوراة من تلك الجامعة فتتلخص في الخطوات التالية, والتي لا تصعب - بطبيعة الحال - على أحد مهما بلغت درجة فشله: أولاً: القفز مباشرة من الثانوية العامة أو البكالوريوس إلى مرحلة الدكتوراه عبر (الباراشوت) الذي يطلق عليه التميز والتفوق, وجميع الهزيلين ممن التحقوا بتلك الجامعة متميزون, لا يحتاجون معه إلى العبور بالماجستير ومن قبلها البكالوريوس! ناهيك عن المواظبة والانتظام بالدراسة, أو التفرغ للبحث, ونحو ذلك من الأمور الشاقة التي يمر بها الطلبة في جامعات محترمة. ثانيا: التفاوض مع شخص للاشراف على رسالة الدكتوراه تم الاتفاق معه على (التسهيلات) التي يحصل بموجبها الطالب على بعض الحقوق والامتيازات بما يحقق له سرعة الانجاز, وتحقيق المقصود وبلوغ المراد والعودة المظفرة بشهادة الدكتوراه. ثالثا: اختيار موضوع رسالة الدكتوراه, وغالبا ما يكون الذي يختار ذلك المشرف نفسه, لمآرب اخرى تحقق الاسراع في تحقيق الهدف وفي معظم الاحيان يكون الموضوع المختار من الموضوعات التي لا قيمة لها في موازين البحث العلمي واهدافه, بعيدا عن الواقع واولوياته. وهي شبيهة بأطروحات بعض الجامعات العربية من قبيل التوكل على الله حتى القرن الرابع الهجري على حد تعبير استاذنا الدكتور محمود الطناحي في احدى تعليقاته الطريفة على المأزق الثقافي العربي. رابعا: كتابة رسالة الدكتوراه, والله وحده الذي يعلم كاتبها ومترجمها. ويلي ذلك تمريرها من خلال اللجنة التي يرأسها المشرف على طالب الدكتوراه, وفقا لشروط اتفاق والتسهيلات سابق الذكر. والذي يدعو الى الغيظ ان صاحبنا والدكتور بعد حصوله على شهادة الزور ينشر رسالته بلغة انجليزية تضارع في بلاغتها مستوى شكسبير في ادبه, بينما هو في حقيقة الامر لا يفقه ابجديات لغته الام! دعوة لصيانة العلم من الابتذال ربما يكون الوعي بشأن العبث الذي يستهدف العلم اولى الخطوات لمعالجة الخلل المشهود في ساحة التعليم حيث انه يجب التمييز بين صحيح ما تقدمه المعاهد والجامعات وسقيمها. يضاف الى ذلك ان بعض الجامعات الغربية التي كان لها ذلك (البرستيج) والبعد الاجتماعي المظهري لم تعد في واقع الامر تعكس حقيقة قدراتها وامكاناتها, فضلا عن التغيير الذي طرأ على اولوياتها واهدافها. فالولايات المتحدة على سبيل المثال, والتي يوجد بها اكثر من ثلاثة آلاف جامعة ومؤسسة في التعليم العالي, لا يتجاوز الجامعات الجيدة المرخصة من قبل الهيئات المختصة المئات. ولكن كثيرا من الناس لا يفرقون بين الجيد والردىء. وبالتالي فانهم ينظرون في جميع الاحوال الى القادم من امريكا على انه خريج متميز. وبجانب الوعي بشأن خطورة هذا الوضع تتجلى اهمية كبرى لوضع حل سريع وحاسم لظاهرة انتشار المعاهد التعليمية ذات الطابع التجاري وذلك صيانة للعلم من الابتذال, وحماية للجمهور المتعامل ــ في غفلة ــ مع تلك المعاهد. والذي يجهل في كثير من الاحيان حقيقة اوضاعها, ويخدع بالشعارات الجذابة التي ترفعها لجر الطلبة اليها, والذين لا يدركون حقيقة تلك المعاهد ووضعها غير القانوني الا متأخرا, اي عندما تروح السكرة وتجىء الفكرة. فحينئذ لا مناص من الاستمرار حتى النهاية حتى الحصول على الشهادات الصادرة عن تلك المعاهد, والتي ليس لها اي قيمة اكاديمية او مهنية. وذلك بسبب افتقادها عنصرين هامين هما الترخيص بالمؤسسات المانحة وعدم الاعتراف بالشهادات الصادرة عنها. يضاف الى ما تقدم المسؤولية الكبرى التي تقع على المؤسسات الحكومية المعنية بهذا الامر. وذلك حتى تقوم باجراءات تنفيذية توقف هذا العبث, وتقوم بتنظيم الانشطة التي تزاولها المعاهد والمؤسسات التعليمية, فليس من المعقول ان تفرض البلديات قيودا صارمة على محلات السوبر ماركت والمخابز والتي تتعلق بشروط الصحة والامان وتعلق منح الرخصة على اجتياز طالبي تلك الرخص للشروط التي تحددها ادارة المطافي ووزارة الصحة ودوائرها بينما نشهد اجتياحا خطيرا من قبل المؤسسات التي تتلاعب بالتعليم وتعبث بالمخدوعين المنتسبين اليها. ولا يخفي على اي عاقل ذي بصيرة مدى خطورة الاثار السلبية الاجتماعية والاقتصادية على استمرار هذا الوضع. حيث تهدر اموال واوقات تضر بالتأكيد بالموارد البشرية التي تسعى الدولة الى تنميتها وتطويرها. هذا بالاضافة الى البطالة واثارها, والتي يشيعها مخرجات تلك المعاهد من ذوي الشهادات التي لا قيمة لها كل ذلك يجعلنا نصر على الدعوة لوقف ذلك (الليلام) ليهنأ المجتمع بالامان والسلام.