أتأمل كثيراً في العلاقات بين البشر فأجد فيها الكثير من الغرابة, والكثير من الجماليات, والكثير من الأسرار المبهمة. وهذا أمر طبيعي لان الانسان بطبعه كائن غريب وجميل ومبهم,ويحمل في جنباته ولون دمه وفي ثنايا قلبه اشياء لا تخطر على البال, ينجدل فيها الخير بالشر والقبح بالجمال .. الخ . ومن العلاقات التي تستوقفني, علاقة تتفاوت بين الابهام والجمال, ويختلط فيها الخاص بالعام, ولا تحمل في بداياتها ضمانات الاستمرار, كما أن سراً خفياً يجعلها تبقى للأبد, تلك هي علاقة الصحافيين والكتاب والروائيين بقرائهم أو العكس. فقد بعث لي أحد القراء برسالة ما زلت كلما قرأتها استشعر نوعاً من الامتنان لكاتبها خاصة وانه ارفقها بكتاب ممتع للكاتب الفرنسي (ألبير كامو) صاحب المؤلفات الشهيرة: مثل اسطورة سيزيف ـ السقطة ـ أعراس المنفى والملكوت.. الخ, وفي رسالته يقول هذا القارىء: (الروائيون والكتاب أشبه عندي بالاساطير والحديث معهم هو (التابو) بعينه.. الخ) مثال هذا القارىء والصورة الاسطورية التي ينسجها للكتاب أو الروائيين يقودنا مباشرة الى كتاب (المثقفون) الذي تحدثنا عنه يوما وهو للكاتب والناقد البريطاني (بول جونسون) الذي اخترق فيه حاجز القداسة والأسطورية لمجموعة كبيرة من أعظم كتاب وروائيي وشعراء العالم امثال الفرنسي جان جاك روسو, والروسي تولستوي والامريكي هيمنجواي والالماني (برتولد بريخت) وغيرهم. فهل ما قام به كاتب (الاوبزيرفر) الشهير يعتبر نوعا من نبش (التابو) او تخطيا لخطوط حمراء لا يصح تخطيها؟ دعونا نبدأ هكذا: هل بالضرورة ان يكون الكاتب صورة اخرى لما يكتب؟ بمعنى هل يجب ان يكون الكاتب الالماني الكبير (بريخت) الذي نال شهرة كبيرة في الخمسينات وبعد رحيله, واعتبر واحدا من أفضل كتاب المسرح في القرن العشرين, والذي كتب كثيرا حول الفقراء ودافع عنهم, وانضوى تحت لواء الفكر الماركسي وكان احد أكبر أقطابه, هذا الكاتب هل نتخيله شخصا مخالفا لهذه الصورة التي ظهرت من خلال كتبه ومسرحياته؟ (بول جونسون) يكشف في كتابه (المثقفون) : (ان بريخت لم يكن سوى انسان مخادع, غليظ القلب, كذابا ومحتالا ايضا, جعل الجميع في خدمته وأمضى حياته في جمع المال وكان دائم التحذير لابنه بأن يتجنب الفقر بكل وسيلة ومهما كان الثمن حتى لو كان الثمن الانانية والخنوع والمشي فوق جثث الذين ساعدوه) !! هذه الصورة المشينة التي يقدمها (جونسون) لكاتب مثل بريخت قد لا يقبلها الكثيرون وقد لا يهتم بها أحد, ولكن العودة الى نقطة البدء تجعلنا نسأل: ما هي المعايير التي تحكم علاقة مبهمة بين قارىء وكاتب؟ والى أي حد يحق للقارىء ان يبحث في تفاصيل وثنايا حياة واخلاقيات هذا الكاتب الذي يمجده او يعجب به الى حد الاسطورية احيانا؟ بالتأكيد فان الثقافة والنبوغ وعظمة الكاتب او الروائي لا يمكن بحال اعتبارها مدخلا او مبررا للسقوط وتدني الاخلاق, وقد تكون هذه من المسائل الشائكة التي يجدر ان يدور حولها نقاش او جدل قد يصل باصحابه الى بلورة رأي يفيد الجميع, وهو على أية حال لن يبتعد كثيرا عن قضايا ازمة الثقافة والمثقفين في عالمنا وبقية انحاء الدنيا. * اسطورية الكاتب تأتي عادة من المكانة التي يحتلها الكتاب في وجدان الناس الم يقل أحدهم: (ان الكتب هي ثروة العالم المخزونة, والارث المناسب لكل الاجيال) .