بعد انسحاب الولايات المتحدة الأمريكية من فيتنام استحوذ سؤال على تفكير بعض علماء الاجتماع والسياسة والتاريخ. وكان ذلك السؤال: هل تمر الدولة الأمريكية العظمى بمرحلة الانحدار أم لا. لقد شهدت السنوات القليلة الماضية نشر عدد لا يستهان به من الكتب والمقالات عن هذا الموضوع الهام . ومن هذه الكتب الأكثر شهرة كتاب بول كندي المعنون (ارتقاء وانحدار دول عظمى) والمنشور سنة 1987. حاول كندي الأستاذ في جامعة ييل ان يروي قصة الدول العظمى في السنوات الخمسمائة الماضية, واضعا تأكيدا خاصا على العلاقة القائمة بين الموارد الاقتصادية والقوة العسكرية. ويرى كندي ان جميع الدول العظمى ــ مثل اسبانيا وفرنسا وانجلترا ــ وجدت نفسها في حالة اضطرت فيها إلى الاختيار بين تحقيق الأمن العسكري الذي صار في الواقع بمرور الوقت عبئا ثقيلا على الاقتصاد الوطني وتقليص النفقات على وسائل تحقيق الأمن, وهو التقليص الذي آذى المصالح الوطنية وهددها. وكتب كندي ان الدول العظمى تورطت في حالة (التوسع الزائد الامبريالي) ولم تف بكل التزاماتها التي التزمت بها حينما أنشأت قوتها. ويقارن كندي في كتابه بين حالة انجلترا في مطلع القرن العشرين وحالة الولايات المتحدة في سنوات الثمانين: الولايات المتحدة دولة ذات قوة اقتصادية وبحرية أولى في العالم تواجه تحدي دول مخاصمة صناعية جديدة. وفي الوقت الذي تزايدت فيه التزامات الولايات المتحدة العسكرية والسياسية أصبحت تلك الالتزامات قيودا ثقيلة تطوق عنقها. لقد قبل عدد من الناس فكرة ان قوة الولايات المتحدة السياسية والعسكرية سبب في انحدارها الاقتصادي ازاء الارتقاء الصناعي والتجاري لليابان وألمانيا والسوق الأوروبية المشتركة. وازاء فرضية بول كندي ومدرسة الاحتضار طرح افتراض مضاد يجسده جوزيف ناي في كتابه المعنون (محكوم عليها أن تقود: الطابع المتغير للقوة الأمريكية) . في هذا الكتاب يقرر ناي الذي يعمل أستاذا للعلوم السياسية في جامعة هارفارد ان اقتصاد الولايات المتحدة منذ سنة 1950 لم يشهد الهبوط ولكنه شهد التعزيز والمواءمات بعد الحرب العالمية الثانية, وهي المواءمات التي مكنت الولايات المتحدة من الانطلاق وسبق اليابان وألمانيا المهزومتين والاتحاد السوفييتي وبريطانيا المستنزفين. ويرى ناي ان حصة الولايات المتحدة في الاقتصاد العالمي منذ سنوات السبعين مستقرة تقريبا وان تلك الحصة لم تقل. ويعتقد ناي بأن من الخطأ استعمال عبارة (انحدار) في وصف حالة الولايات المتحدة: (ان من الصحيح ان الولايات المتحدة تواجه مشاكل كثيرة: تعليم يعتوره العيب,,, وحدة المنافسة الاقتصادية. ولكن (الانحدار) يرمز إلى قوى كبيرة ليس لدينا تحكم بها. وإذا أمعنت النظر في حصة الولايات المتحدة في الانتاج العالمي اكتشفت انها لم تتغير منذ 1975. نتيجة للحرب العالمية الثانية حصلت طفرة في انتاجنا إلى 40%, وكانت تلك الطفرة غير طبيعية, ولكن منذ 1975 استقرت حصتنا النسبية على حوالي 23%. هذه هي النسبة التي كانت لنا قبل الحرب) . ويقول ناي ان الولايات المتحدة تشغل المرتبة الأولى في العالم من الناحيتين الاقتصادية والعسكرية, وان الاتحاد السوفييتي كان في حالة انحدار. ولا يعتقد ناي ان اليابان ــ التي هي المنافسة الرئيسية للولايات المتحدة على الصعيد الاقتصادي ــ تشكل خصما عسكريا. وثمة طبعا علاقة بين القوة العسكرية والقوة الاقتصادية. خلال القرون كانت الموارد المختلفة الأنواع تكمن في أساس بناء القوة القومية. لقد رسخت الثروة, بما في ذلك الذهب, في القرن السابع عشر قوة اسبانيا, ورسخت القوة الديمغرافية الكبيرة وضع فرنسا في القرن الثامن عشر, ومنحت الصناعة قوة لبريطانيا في القرن التاسع عشر. وينبغي اليوم في أواخر القرن العشرين أن تؤخذ في الحسبان مكونات أخرى مثل البنية العلمية والتكنولوجية وتطبيقها على الاقتصاد الذي يؤكد فيه على زيادة أهمية المعرفة عن أهمية العوامل التقليدية مثل القوى البشرية والمواد الخام. ويرى ناي ان الولايات المتحدة في حالة طيبة من هذه الناحية. فإذا أمعن المرء النظر في المتغيرات العلمية ــ مثلا عدد المهندسين والعلماء الاخصائيين والمبالغ المالية التي تنفق على البحوث والتطوير ــ لتوصل إلى الاستنتاج بأن الولايات المتحدة, في رأيه, في موقع القيادة. ويرى ناي ان اليابان وأوروبا الموحدة تشكلان التهديد الرئيسي للنفوذ الأمريكي. وما يقلق ناي التأثير الذي ستمارسه ألمانيا الموحدة في سائر أجزاء أوروبا. ويرى ناي ان الولايات المتحدة ستبقى الدولة الأولى القائدة في العالم, ولكنها لن تكون كما كانت عليه في الماضي, وذلك بسبب انتشار أو توزيع القوة على الساحة الدولية. وهو يرى ان المشكلة التي ينبغي للولايات المتحدة أن تركز عليها هي كيفية استثمار الولايات المتحدة في عالم ما بعد الحرب الباردة في الموارد الجديدة للقوة والنفوذ, مثل برامج الحاسبات الالكترونية المتطورة في الصناعة والتكنولوجيا.