في معالجة حالتي الاستعمار الاستيطاني في كل من جنوب افريقيا واسرائيل لم يفرق الفكر الاستراتيجي العربي بين المطابقة والمشابهة, اختلط الأمر على جانب كبير من المحللين حتى ظنوا ان الحالتين متماثلتين من جميع الزوايا . أول ما يسترعي الانتباه في هذا الاطار هو البعد التاريخي لقضية الاستعمار الاستيطاني, ففي جنوب افريقيا لم يدع المستوطنون الغزاة انهم نسخة معاصرة من تاريخ الأجداد في المنطقة, يعودون اليها لاستكمال سيرتهم التي انقطعت منذ آلاف السنين, كما ذهب الصهاينة في الرحاب العربية الفلسطينية, صحيح ان غزاة افريقيا وفلسطين اعتنقوا على السواء فكرة تمدين الشعوب الأصل وتحويلهم من برابرة الى متمدنين وأوربتهم ان أمكن, لكن الصهاينة أوغلوا في استخدام التاريخ على نحو اسطوري, وخلطوا بين ارادة السماء ومطامعهم في الأرض لتبريد تهويد فلسطين, كما استندت عقيدتهم الاستعلائية الى أسس دينية بالأساس. لم يستطع مستوطنو جنوب افريقيا الحديث عن تاريخ لهم سابق في بلاد الاستيطان, يريدون ان يستأنفوه لكن الصهاينة فعلوا ذلك بصفاقة فريدة والنتيجة هي تعقيد قضية فلسطين بشكل أكبر بكثير مما كانت عليه الحالة الافريقية. كان المستوطنون في المثل الافريقي أقلية مستمرة من حيث التوازن السكاني غير اننا في المثل الصهيوني نجابه بأقلية استيطانية, تمكنت من قلب التوازن لصالحها بمرور الوقت, ونلاحظ في هذا المثل كيف كانت عملية اقتطاع فلسطين من محيطها الحضاري والاقليمي العربي الاسلامي من جهة, ونزعة الإحلال الصهيونية السكانية من جهة أخرى, مسؤوليتان عن تحويل المستوطنين الغزاة الى أغلبية, ويعني ذلك بين أمور أخرى ان محاربة الوحدة العربية ونزع الفلسطينيين من أرومتهم الحضارية, مسألة لا مساومة عليها في العقيدة الاستيطانية الصهيونية, انها واحدة من أهم ضمانات السيطرة واستمرارية الاطمئنان الى المستقبل والعكس بالعكس. كان المنبع الحضاري الأوروبي واحدا بالنسبة للحالتين عند البداية ولكن التجمع الصهيوني أضحى خليطا هجينا من أصحاب الثقافات, وذلك على خلاف مستوطني جنوب افريقيا, يكاد الفصل الحضاري يكون واضحا جدا بين المجتمع الأصل والمستوطنين في افريقيا, بيد ان المثل الاسرائيلي راح يتفقد هذا النقاء الحضاري بالمعنى العام, انه يضم الآن أغلبية تصل الى 70% من ذوي الأصول المشرقية, الذين هم أقرب في مزاجهم المعيشي وثقافتهم الأم الى الحضارة العربية, حضارة المجتمع الفلسطيني الأصل وبينما يمكن لمستوطني افريقيا الادعاء بقومية موازية للقومية الأصل (والمستوطنون هنا معظمهم بريطانيون وهولنديون) فان اسرائيل في أقصى حالات الحقيقة يمكنها الزعم بأنها قومية على الطريق لم تكتمل أبعادها الحقيقية بعد. وهناك من يراهن على هذا الشرخ في مستقبل الكيان الصهيوني الاستيطاني, بل ومن يتلمس الوسائل الى اعادة التفاهم مع ذوي الأصول المشرقية في هذا الكيان, ومن يدعو لإعادة استقبال يهود العالم العربي. 4 - الإشكالية التي تولدت عن الاستيطان في افريقيا نشأت عن نظام الفصل العنصري وهيمنة المستوطنين البيض على المجتمع الأصل الأسود والملون حدث هذا بعد ان فشل المجتمع الأصل في التغلب على المستوطنين واستئصالهم, كان الخلاف خلال العقود الأخيرة يتعلق بدمقراطة النظام السياسي وتوزيع الموارد السياسية, وحين أمكنالتوصل الى هذا الحل الديمقراطي على قاعدة رجل واحد - صوت واحد مضى المجتمع الجنوب افريقي الجديد يشق طريقه الى المساواة الكاملة والتطبيع الكامل بين السود والبيض والملونين. الصهيونية بعبارة أخرى أيديولوجية عزل ولفط, لا تستيغ قضية الصهر بين المستوطنين (أصحابها) والمجتمع العربي الفلسطيني الأصل, والصهاينة, بحكم اختلال موازين القوى مع الفلسطينيين, يأملون في استمرار هيمنتهم على الوجود الفلسطيني, بل ويطمعون في امتداد هذه الهيمنة على الصعيد الاقليمي في محيط فلسطين. نقول ذلك كله بمناسبة الحديث المتكرر عن امكانية تمرير الحل الديمقراطي على المسار الفلسطيني الاسرائيلي اقتداء بالحالة الافريقية, والواقع انه حل معقول كحد أدنى لإقرار بعض الحقوق الفلسطينية سلمياً, ولكن ما العمل ان كان الاستيطان الصهيوني لايقبل حتى بالتماثل مع نظائره؟!