اختبر الرئيس السوري حافظ الاسد اربعة رؤساء فرنسيين هم على التوالي: جورج بومبيدو وفاليري جيسكار ديستان وفرانسوا ميتران وجاك شيراك. ولم يعرف الفريق حافظ الاسد الجنرال شارل ديغول وتشاء الصدف ان يتوفى الجنرال في نوفمبر 1970 اي في نفس العام وفي نفس الشهر الذي تسلم فيه الفريق حافظ الاسد مقاليد الحكم في سوريا . ان للصدف التاريخية احياناً ابعاداً تتخطى الحدث لتغوص في خفايا القدر. فالرئيس السوري (ديغولي) حتى العظم بالمعنى الشخصي للكلمة. فعلى غرار (الجنرال) يحيط الفريق شخصه بهالة من الوقار والهيبة الى آخر الحدود: سمعته وصورته قبل كل شيء وفوق كل اعتبار. وعلى غرار (الجنرال) فهو يعيش هاجس التاريخ, ويولي الصورة التي سيتركها للاجيال الاتية عناية فائقة ويهمه في كل خطوة يخطوها ان يعرف ما سيكتب عنها المفكرون غداً. على مثال شارل ديغول دخل حافظ الاسد التاريخ وهو حي, وهو مسكون بالتاريخ طوال حياته. التقيت الرئيس السوري بعد قيامه بزيارته الاولى الى فرنسا في 1976 في عهد فاليري جيسكار ديستان, فتطرق الحديث بصورة تلقائية الى السياسة الفرنسية في الشرق الاوسط والفارق بين سياسة شارل ديغول وسياسة فاليري جيسكار ديستان, وعلق الرئيس السوري ببساطة: (الفارق في السياسة ليس بالامر المهم, الاهم هو الفارق في الشخصية) . يؤمن حافظ الاسد بالانسان اكثر من السياسات, وهو مقتنع ان الانسان قادر ان يغير في السياسة والتاريخ. ولم يكن يرتاح لسياسة فاليري جيسكار ديستان ولا لشخصيته. ولم تتولد بين الرئيسين اي مشاعر خاصة او روابط شخصية فكانت زيارة باردة زادها الخلاف حول لبنان جفاء. ففي حين كانت دمشق ترى ان بداية الحل تقتضي بدخول قوات عسكرية, ولا سيما قوات سورية, الى لبنان لوضع حد للاقتتال فيه, كانت باريس تدعو الى عقد (طاولة مستديرة) لمصالحة المتقاتلين كمدخل لحل الازمة. خرج الرئيس السوري من زيارته الاولى الى فرنسا بانطباع اكيد ان باريس لم تعد تهتم بلبنان ولا بمصير المسيحيين فيه كما كانت من قبل, وقد لمس هذا التراجع في الاهتمام عندما سأله الرئيس الفرنسي اثناء لقائهما: (هل يتكلم المسيحيون اللبنانيون باللغة العربية؟ فهم الرئيس السوري على الفور ان فاليري جيسكار ديستان لا يعرف تاريخ لبنان ولا تاريخ المسيحيين ولا دورهم في الحفاظ على اللغة العربية في عصر التتريك فاجابه باقتضاب: (لو لم يكن المسيحيون اللبنانيون عرباً, فلماذا تتحمل سوريا يا ترى كل هذه الاخطار للدفاع عنهم؟) لا ينسى الرئيس السوري المسكون بالتاريخ امثولات التاريخ, ويذكر في العديد من لقاءاته ان الانتداب الغربي جزأ بلاد العرب الى عشرين دولة, وان الانتداب الفرنسي ــ البريطاني جزء بلاد الشام الى اربع دول عربية هي سوريا ولبنان والاردن وفلسطين اضافة الى انه زرع الكيان الاسرائيلي في قلب المشرق العربي, وان الانتداب الفرنسي حاول تجزئة سوريا الى ثلاث دويلات بغية اقامة (سوريا الصغرى) في حين سلخ عنها لبنان وضم اليه الاقضية الاربع ليؤسس (لبنان الكبير) . ثار السوريون على قرار تقسيم سوريا فاضطرت الحكومة الفرنسية ان تتراجع عن هذا القرار لكنهم رضخوا على مضض للانتداب الفرنسي الذي كان صاخباً على الدوام. في المقابل رحب اللبنانيون بقرار اعلان (لبنان الكبير) ووافقت الاكثرية على قيام الانتداب الفرنسي الذي كان هادئاً في معظم الاوقات. الانتداب الفرنسي الهاديء في لبنان ترك بصمات ايجابية على علاقات البلدين ونشأت حالة من الثقة المتبادلة بينهما, اما الانتداب الفرنسي الصاخب في سوريا فولد الكثير من العداء بين الدولتين وارخى بظلاله على العلاقة بينهما وبقيت (عقدة الانتداب) تتحكم بهذه العلاقة حتى امد قريب, كانت سوريا بعد الاستقلال ترتاب بالنوايا الفرنسية, وكانت فرنسا تشكك بالدور السوري فيه. ولا اظن ان الزيارة الاولى ازالت سوء التفاهم التاريخي القائم بين فرنسا وسوريا, ولا سوء الفهم السياسي من الجانب الفرنسي تجاه الدور السوري في لبنان ومن الجانب السوري تجاه الدور الفرنسي في (بلد الارز) . وجهد حافظ الاسد على تكبير الدور السوري والحفاظ على وحدة (لبنان الكبير) , وهو ما فتيء يعمل على اساس ان لبنان هو مجاله الحيوي بامتياز لا يستسيغ فيه الشراكة مع احد. يرى في فرنسا منافساً تاريخياً لسوريا, ويرقب كل حركة فرنسية بدقة وحذر, فيرحب بكل عمل فرنسي على صعيد ازمة الشرق الاوسط ويتحسس من كل خطوة فرنسية على الصعيد اللبناني. يحرص ان يتعامل مع باريس من موقع الند للند ليزيل (عقدة الانتداب) من نفس السوريين والفرنسيين على حد سواء. ووجد مؤخراً لدى الرئيس الفرنسي جاك شيراك الكثير من التفهم والتفاهم مما شجعه على القيام بزيارته الحالية الثانية الى العاصمة الفرنسية. مما لاشك فيه ان الظروف الدولية والاقليمية المحيطة بزيارة الرئيس السوري الثانية الى فرنسا مغايرة عن الظروف التي كانت سائدة خلال زيارته الاولى: فرنسا شيراك غير فرنسا جيسكار ديستان وفرنسوا ميتران, وسوريا الاسد في منتصف السبعينات غير سوريا الاسد في نهاية التسعينات. لم تعد فرنسا دولة عظمى (منتدبة) تسير وبريطانيا العظمى شؤون الشرق الاوسط, ولم تعد سوريا دولة (تابعة) تتلاعب بها اهواء القوى الاقليمية في الشرق الاوسط. ويدرك الرئيس السوري تمام الادراك ان فرنسا اليوم ليست في موقع الاتحاد السوفييتي بالامس, وان الاتحاد الاوروبي ليس البديل عن الولايات المتحدة الامريكية في الحاضر, وان لبنان لم يعد عنواناً من عناوين الخلاف الفرنسي ــ السوري, بل غدا حلقة من حلقات التواصل بين العاصمتين ولا سيما اثر عملية (عناقيد الغضب) التي شنتها اسرائيل ضد لبنان في ابريل 1996 وترؤس فرنسا مداورة والولايات المتحدة لجنة (تفاهم نيسان) التي تضم لبنان وسوريا واسرائيل. يميل الرئيس السوري طبيعياً الى اوروبا بالمقارنة مع الولايات المتحدة الامريكية, ويرى انها قوة لا يستهان بها, غير انه يأسف ان تكون هذه القوة الاوروبية الكبيرة اقتصادياً غير متماسكة سياسياً. وقد سمعته مرة يقول بواقعيته المعهودة: (انا اعرف ان اوروبا في المحصلة هي حليفة الولايات المتحدة الامريكية, ولكنها ليست الولايات المتحدة) . هذه خلاصة شديدة الدقة والاتزان. فمن يراهن على أن تقف اوروبا في مواجهة الولايات المتحدة يخطئ في توقعاته, ولكن من يعتقد أن اوروبا والولايات المتحدة كتلة واحدة متراصة يخطئ ايضاً في تصوره. صحيح أن اوروبا حليفة الولايات المتحدة الدائمة لكن الصحيح ايضاً انها لا تتماهى مع الولايات المتحدة في كل الامور وفي كل الاوقات وفي كل المناطق, وكثيراً ما يترك تنافس الحلفاء مساحة واسعة للاختلاف فيما بينهم. ويندرج في هذا السياق سؤال محوري يفتش الرئيس السوري عن جواب له خلال زيارته الحالية وهو:الى أي مدى تقدر فرنسا على انتهاج سياسة مستقلة عن الولايات المتحدة الاميريكية في أزمة الشرق الأوسط؟ ويتطلع حافظ الاسد عبر هذا السؤال الى اقامة علاقات فرنسية ــ سورية تتخطى حدود المفاهيم التقليدية المتعارف عليها ليرتقي بها الى مستوى (الشراكة الاستراتيجية) . ويتراءى لي ان مفهوم الشراكة الاستراتيجية هو مفهوم شامل يبدأ بالاقتصاد والسياسة والثقافة التي يعلق عليها كل من البلدين اهمية خاصة, وينتهي بالصراع العربي ــ الاسرائيلي والعلاقات العربية ــ الاوروبية مروراً بايران وتركيا وأمن الخليج. لم يتردد وزير الخارجية السورية فاروق الشرع الذي ينكب في الآونة الاخيرة مع نائب رئيس الجمهورية السورية عبدالحليم خدام على ملف العلاقات الفرنسية ــ السورية من تعداد المواضيع المدرجة على جدول اعمال المباحثات بين الاسد وشيراك وهي (العلاقات الثنائية وتطويرها والارتقاء بها الى مستوى الشراكة الاستراتيجية والدور الفرنسي في عملية السلام ودور الاتحاد الاوروبي في عملية السلام وعلاقات سوريا مع الاتحاد الاوروبي والعلاقات العربية مع الاتحاد الاوروبي) . ويشكل هذا التعداد افضل مقاربة للمفهوم السوري للشراكة الاستراتيجية ــ فالعلاقات الفرنسية ــ السورية هي الاساس, وقد فوجئ العديد من الدبلوماسيين والخبراء الفرنسيين بالمجالات الاستثمارية الواسعة والتسهيلات التشريعية التي تقدمها سوريا لتشجيع التوظيفات الاجنبية. وانطلاقاً من العلاقات الفرنسية ــ السورية يمكن تصور دور فرنسي اوروبي في عملية السلام, ودور سوري ــ عربي في العلاقات مع اوروبا. فبقدر ما تستقل فرنسا عن الولايات المتحدة الامريكية بقدر ما تقترب وتقرب الاتحاد الاوروبي من العالم العربي, وبقدر ما تقترب فرنسا من سوريا بقدر ما يسهل التفاهم الفرنسي ــ العربي والعربي ــ الاوروبي. باريس بالنسبة لدمشق هي البوابة الفضلى للعبور الى اوروبا شرط ان تعتبر باريس ان دمشق هي البوابة الفضلى للعبور الى المشرق العربي. ولا تخفي دمشق انها تمسك العديد من المفاتيح في الشرق الاوسط بدءا بمفتاح التسوية السلمية ومطالبتها المتكررة بافساح المجال امام دور اوروبي اكبر في الشرق الاوسط بحيث يصبح الاتحاد الاوروبي الشريك الجديد للولايات المتحدة الامريكية في عملية السلام بغية انقاذ السلام من الاختناق المحتوم, والراعي الآخر لتحريك مسارات التسوية, لا سيما المسارين اللبناني والسوري ولم يعد خافيا على احد ان دمشق غدت المعبر المباشر لدول صعبة كالعراق وايران ولبنان. يبقى امران يشكلان مجال اختلاف في وجهات النظر بين باريس ودمشق: المؤتمر الدولي الذي دعى اليه كل من فرنسا ومصر لانقاذ السلام في الشرق الاوسط من الانهيار, وهذا ما لا توافق عليه سوريا, وتطبيق القرار 425 في جنوب لبنان بمعزل عن الجولان, وهذا مالا ترضى به بيروت ولا دمشق على حد سواء. وبانتظار النتائج التي ستعلن وتلك التي ستبقى قيد الكتمان يمكن التأكيد ان زيارة حافظ الاسد الثانية الى فرنسا ستكون زيارة حارة وفرحة على عكس ما كانت عليه زيارته الاولى, خصوصا وان فرنسا هي التي فازت بكأس (المونديال) لأول مرة في تاريخها, وسوريا هي التي فازت بجزء من مناقصة قمصان (تي شرت) الخاص (بالمونديال) لأول مرة في تاريخها. وللصدف ابعاد لا يدركها الا التاريخ. * كاتب ومحامي لبناني