هناك العديد من الأصوات الغربية الرافضة للوضع الحالي في السياسة الدولية, التي تحاول من خلالها القوى الغربية ان تفرض أمرا واقعا, إذا كان في صالح الغرب وسياساته بشكل عام, فيما تنتفض تلك الانظمة المنعوتة باسم الديمقراطية فزعا اذا تعلق الأمر بما يمكن ان يزعزع بعضا من مكاسبها, دون تمهل لحساب الأمور بموازين العقل الرزين, حتى ان هؤلاء الرافضين اصبحوا يرون لأنه لا مكان للعقل الرزين في سياسات أوروبا والولايات المتحدة, التي افسدتها سكرة سقوط حائط برلين, مع ان هذا السقوط كان في رأيهم مزدوجا, لان الانظمة الشمولية لم تسقط في شرق اوروبا فقط, بل سقطت معها الانظمة القائمة على الفكر الديمقراطي الغربي ايضا, لان تلك الانظمة الاخيرة لم تنجح في خلق البديل ودعمه, فأصبحت ترى نفسها في المرآة كل صباح بعيون سكيرة لاتدرك التجاعيد الكثيرة التي تبرز من تحت المساحيق التي تركها ليل الحرب الباردة الطويل. صراخ تلك الاصوات الرافضة بدأ يتعالى نتيجة تحول سكرة سقوط حائط برلين الى نشوة وزهو في الغرب كله, وبدأ الغرب يخطو نحو تطبيق أقص ما توصلت اليه نظريات الليبرالية الاقتصادية على كل شيء, وتحول الى كلمة هولامية اسمها (العولمة) , وبدأ الحديث عن (العولمة) ينتشر ويذيع, دون ان يحدد احد ما المطلوب من تلك الكلمة الغامضة التي يحاول الغرب ان يجعل منها علامته السحرية ورايته الخفاقة. الغريب ان تلك الاصوات الرافضة لم تنبع من مناطق العالم المتخلف, الذي يعتبر الخاسر الوحيد في تطبيق نظريات العولمة بمفهومها الغربي, بل جاءت من اصوات واعية في الغرب نفسه, تعرف المغزى الحقيقي من تلك الكلمة, التي تكاد تفقد معناها في التعامل السياسي اليومي في الغرب, في الوقت الذي يتشدق بها مثقفو العالم الثالث, وكأنهم على وعي حقيقي بما تعنيه, أو كأنهم هم صانعوها. تدلل الاصوات الرافضة للوضع الراهن على مدى فشل التوجه الغربي نحو فرض نظرته الاحادية الجانب على الجميع, وذلك من خلال فشل العديد من الخطوات التي تحاول ترجمة تلك النظرة دون وعي بحقيقة الواقع السياسي في المناطق المحيطة باوروبا رغم تأثيرها, وابرز مثال على ذلك فشل الشعارات التي رفعها الجميع بعد حرب الخليج الثانية مباشرة, والتي اعتبرها الساسة الغربيون استكمالا لسقوط حائط برلين, لان تلك الحرب قدمت العالم العربي على طبق من ذهب, بعد ان اعلن الاتحاد السوفييتي السابق عن انتهاء الحرب الباردة, وانتهاء دوره في السياسة الدولية, ووقفت دويلاته على ابواب الغرب في انتظار الفتات الذي يقيها صقيع شتاء عمرها. تعلق الامل في ذلك الوقت بتحركات شبه شاملة تحاول أن تلملم شتات ما تبقى من الاتحاد السوفييتي, وتجمعها الى جانب ما تبقى من عرب ما بعد حرب الخليج الثانية, وبدأت اوروبا الغربية والولايات المتحدة تبحثان عن وضع اسس جديدة لسياساتهما تجاه الجميع, وركزت على ان يكون تنفيذ تلك السياسات الجديدة تحت القيادة المزدوجة الاوروبية أو الامريكية, أو لاي منهما الى ان تحين اللحظة التي تحدد اياً منهما القادر عل تولي القيادة العالمية. في هذا الصراع الغربي للتفرد بالقيادة, ركزت الولايات المتحدة على مد نفوذ حلف الاطلسي شرقا باتجاه الدول المتاخمة لروسيا, والتي نشأت من سقوط حلف وارسو, لان الولايات المتحدة تعلم تماما ان نفوذ الحلف هو نفوذها الخاص, وان اي امتداد جديد لذلك النفوذ يضعها على الخارطة العالمية باعتبارها القطب الوحيد. اما اوروبا فقد كانت تدرك انها لاتزال تبحث عن هويتها الخاصة, التي لم تتحد حتى الان, على الاقل في سياساتها الخارجية, فانها تركت مهمة مد نفوذ حلف الاطلسي للولايات المتحدة التي لا تزال تعيش لحظة انتصارها بنهاية الحرب الباردة, وركزت اوروبا على شعارات جديدة, ورسمت سياساتها باتجاه اقامة منطقة شبه عازلة ما بين اوروبا والعالم الثالث, من خلال خلق حزام مانع وواق, تحت مسمى (المتوسطية) . لكن تلك المنطقة العازلة المتوسطية التي تقوم على اقامة منطقة متماسكة مكونة من دول جنوب وشرق البحر المتوسط, لم يكن من الممكن ان يتم تنفيذها في ظل وجود المشكلة الفلسطينية دون توصل الى حل ولو مؤقتا دون الوقوع في براثن التطرف من اي من الجانب الفلسطيني او الصهيوني وتلك معادلة صعبة, واثبتت التجربة حتى الآن انه من المستحيل التوفيق بين الحقوق الفلسطينية المشروعة في اقامة دولة مستقلة وبين مطالب المتطرفين الصهاينة. رغم ذلك بعد عقد مؤتمر برشلونة عام 1995 كان هناك تفاؤل عام يلف كل اوروبا تقريبا خاصة ان المؤتمر تم عقده تحت راية القبول الامريكي للتجمع الجديد وتنفيذ بعض الشروط الامريكية التي طلبت ابعاد ليبيا من المتوسطية نظرا للحالة الخاصة التي تتمتع بها في السياسات الامريكية الخارجية على انه نابع من ان عقبة المتوسطية تكمن في اسرائيل والولايات المتحدة كانت تبدي استعدادا ــ او على الاقل تعلن ذلك ــ في ذلك الوقت للمساعدة على تخطي تلك العقبة سواء من خلال حلول سياسية ترتكز على القبول بما نتج عن مؤتمر مدريد الذي كانت الولايات المتحدة راعيه الرئيسي لان الوجود الروسي في ذلك الوقت لم يكن له مكان الا من قبيل تجميل الصورة. لكن حالة المتوسطية التي تفاءل بها الجميع كشفت عن وجود هوة كبيرة بين الدول التي يضمها الاتحاد الاوروبي وكشفت عن افتقاد تلك الدول لسياسة خارجية محددة المعالم وابرز ذلك فشل ممثلي تلك الدول في التوصل الى صياغة بيان ختامي في لقاء المتوسطية الذي جرى في العاصمة المالطية عام 1997 وكان واضحا في التصريح الذي ادلى به رئيس المؤتمر في تلك الدورة الهولندي فان ميرلو الذي اكد ان عدم صدور بيان ختامي كان نابعا من عدم الاتفاق فيما يختص بقضية الشرق الاوسط. ورغم ان المؤتمر بدأ في العاصمة المالطية في ظل اعلانات امريكية تؤكد ان كلينتون يفكر في الضغط على نتانياهو ليقبل بالتنفيذ الفوري لما تم الاتفاق عليه مع الفلسطينيين في مدريد ووارسو لكن المؤتمر انعقد وانتهى ومرت اكثر من خمسة عشر شهرا ولا يزال نتانياهو يقيم المستوطنات ويخطط لابتلاع القدس نهائيا ولايزال الرئيس كلينتون يفكر!. وانعقدت بعد ذلك دورة 1998 التي تم عقدها في الرابع من يونيو الماضي في مايوركا الاسبانية ولم يصدر عن البيت الابيض ماىؤكد ان هناك تفكيرا حقيقيا في الضغط على رئيس الوزراء الاسرائيلي المتطرف وجاء تصريح الوزير البريطاني روبين كوك ليؤكد ايضا ان الوضع الاوروبي لا يزال على ما كان عليه في دورة مالطا فقد قال الوزير البريطاني (ان ما تأكد في دورة مالطة لايزال قائما, الجميع منزعجون من الوضع في الشرق الاوسط والجميع يعرف من الذي يعرقل المسيرة نحو الحل النهائي) لكن الوزير لم يحاول ان يشير الى نتانياهو كمسؤول عن تلك النتيجة لانه يعرف تماما ان لاسرائيل يداً طويلة وبلاده لم تفق بعد من الغضب الذي واجهته بعد زيارته الشهيرة وتجرؤه على اعلان الحقيقة. يبدو ان عام 2010 الذي حدده اللقاء المتوسطي الاول في برشلونة كحد اقصى لاقامة (العازل المتوسطي) بين اوروبا والعالم الثالث سوف يأتي ولا تزال الولايات المتحدة تفكر في الضغط على اسرائيل لقبول تنفيذ ما وقعت عليه رسميا كدولة. ويبدو ان الامل الوحيد في الخروج من الازمة التي تلفنا جميعا هو ان يجد الرافضون الاوروبيون طريقا الى عقول السياسيين في بلادهم ليقتنع هؤلاء بأهمية ان تكون للاتحاد الاوروبي سياسة خارجية موحدة وان يقرروا الخروج من دائرة النفوذ الامريكي التي اصبحت تشكل طوقا خانقا على السياسة الاوروبية اما نحن ها هنا قاعدون تتعلق عيوننا بالماضي في انتظار المعجزة لان مثقفينا لا تأثير لهم على السلطة السياسية.