منذ حيازة اسرائيل للاسلحة النووية والسؤال الحائر يراوح مكانه عن الاسلوب الآمن لاستخدامه ضد العرب, اذا ما فرضت عليها الظروف الاقليمية والدولية وتطورات صراعها على العرب اللجوء الى هذا الخيار الخطير , على النحو الذي يجنبها وحدها ويلات حادث تسرب اشعاعات مفاعل شرينوبل الروسي والتي امتدت الى بعض دول اوروبا الشرقية والغربية! ويرجح العلماء ومراكز الدراسات العسكرية والاستراتيجية العالمية ان اسرائيل تمكنت حتى نهاية عام 1997 من انتاج ما بين 80 و150 رأساً نووياً يتم اطلاقها عبر الصواريخ متوسطة وبعيدة المدى وغيرها من القنابل الذرية في حجم القنبلة الامريكية التي القيت من الطائرات على هيروشيما ونيجازاكي نهاية الحرب العالمية الثانية. ومما لاشك فيه ان اسرائيل التي تكبدت المشاق في الحصول على اسرار التكنولوجيا النووية عبر شبكات مخابرات علمية متخصصة في الدول التي سبقتها الى هذا المضمار, اضافة الى الكلفة الباهظة للخامات والمفاعلات والحاسبات الالكترونية العملاقة اللازمة لهذه الصناعة الدقيقة, وتدريب العلماء والفنيين الاسرائيليين وتجنيد غيرهم من رعايا الدول الاخرى, انما يعني الا يظل محصلة انتاجها من السلاح النووي في النهاية مجرد مؤهلات لعضوية النادي النووي, ولا ان يظل مكدسا في المخازن الى الابد, اذ لابد وان الاستراتيجية الصهيونية التي نجحت في زرع اسرائىل, قد حددت سلفا لهذا السلاح دوره واهدافه, سواء لصالح اسرائىل او لصالحها وامريكا معا, والا لما وفرت اسباب الحماية لانتاجها وحيازتها للسلاح النووي, واستثنائها وحدها من معاهدة منع انتشار الاسلحة النووية والتفتيش على مفاعلاتها! وهكذا بينما نشرت صحيفة (واشنطن تايمز) الامريكية في عددها الصادر يوم الاول من يوليو الحالي دراسة هامة اعدها انتوني كرودسمان مدير برنامج الشرق الاوسط التابع لمركز الدراسات الدولية والاستراتيجيات في العاصمة الامريكية واشنطن, واكد فيها ان اسرائيل تركز على انتاج المزيد من الاسلحة النووية كما لو كانت تستعد لخوض غمار حرب نووية مع دولة كبيرة المساحة جغرافيا, يرى بعض المتخصصين في الدراسات الاستراتيجية ان الحركة الصهيونية تضع في حسبانها احتمالات تردي العلاقات الاسرائيلية الامريكية, او ان تجد امريكا يوما ان مصالحها تتعارض مع مصالح اسرائيل, فلا تستطيع بحكم حيازة اسرائيل للرادع النووي على نطاق واسع من ممارسة ضغوطها عليها, حتى تتخذ مواقف تؤمن المصالح الامريكية! ورغم أن هذه الاحتمالات غير وارده في المنظور الراهن لواقع العلاقات الخاصة والتحالف العضوي بين امريكا واسرائيل, والا لما غامرت امريكا بأن تشاركها اسرائيل في تجارب انتاج وتطوير الاسلحة وكذا برنامج حرب النجوم, وتكديس اسلحة حلف الناتو في مخازن اسرائيل, والسماح لها باستخدامها عندما يتعرض مصيرها للخطر كما حدث في سابقة حرب اكتوبر ,1973 وكذا اعفاء عملائها من المحاكمة رغم ضبطهم متلبسين بسرقة تكنولوجيا تصنيع الاسلحة الامريكية السرية.. الخ.. الخ. الا ان جملة هذه الشواهد لا تبيح القفز الى المنظور البعيد وفرضياته المحتملة في المستقبل, وهل كان انهيار الاتحاد السوفييتي ونهاية الحرب الباردة وتفكك المنظومة الاشتراكية وقبل ذلك انسحاب امريكا من فيتنام وبعد ذلك زيارة الرئيس بيل كلينتون للصين والانفتاح عليها الا فرضيات محتملة او غير محتملة قبل وقوع هذه الاحداث, ومن بوسعه يستطيع الآن المصادرة على المطلوب ازاء فرضية احتمال عودة العلاقات الامريكية الايرانية الى سابق ازدهارها ابان حكم الشاه بشكل او بآخر! ومن هنا يجدر بالعرب التوقف وامعان النظر في دراسة كرودسمان عن المغزى والمبررات المجهولة وراء توسع اسرائيل في انتاج الاسلحة النووية, خاصة وانها جاءت من حيث التوقيت متزامنة مع نشر الصحافة الالمانية والامريكية معلومات عن شراء اسرائيل ثلاث غواصات المانية حديثة من طراز (دولفين) القادرة على حمل صواريخ كروز المزودة برؤوس نووية, ثم اكدت وزارة الدفاع الامريكية (البنتاجون) ان السلاح البحري الاسرائيلي باشر تجاربه على هذه الغواصات في بحر الشمال, ايذانا باستخدام صواريخها النووية في ضرب أي دولة (اسلامية) في الشرق الاوسط قد تلجأ إلى مهاجمة اسرائيل بأسلحة غير تقليدية, وقالت مجلة (جينز) العسكرية التي تصدر في بريطانيا في عددها الذي صدر هذا الشهر, ان اسرائيل لجأت اخيرا إلى استخدام سلاح الغواصات في خططها النووية المستقبلية, بعدما تأكد لها الا شيء يمكن منع ايران من حيازة السلاح النووي, ولذلك يجب ان تكون على اهبة الاستعداد لتسديد ضربة نووية اليها في حال ازالة ضربة ايران المفاجئة للترسانة النووية الاسرائيلية من الوجود, وقالت مجلة (جينز) ان حكومة نتانياهو وقيادة الجيش الاسرائيلي لا يستبعدان اللجوء إلى هذا الخيار ضد اي دولة إسلامية وعربية عبر الصواريخ المحمولة على الغواصات أو عبر الطائرات الامريكية المقاتلة طراز (إف 16) , مشيرة إلى ان اسرائيل طورت مؤخرا صاروخا يطلق من الطائرات أو الغواصات من طراز (توماهوك) يحمل اسم (بوباي تيربو) يبلغ مداه 200 ميل أي 350 كيلومتراً, وكشفت المجلة النقاب عن ان اسرائيل لديها الان 150 رأسا نوويا و50 صاروخاً من طراز (الخليل 20) مداه 3000 ميل جاهزة للاستخدام في قاعدة (زخريا) جنوب شرق تل ابيب. بعدها في الثاني من يوليو الحالي اعلنت وزارة الدفاع الامريكية عن اقرار صفقة بيع 16 صاروخا لاسرائيل طراز (هاربون) بمبلغ 26 مليون دولار بما في ذلك توفير قطع الغيار وتدريب الطواقم القتالية الاسرائيلية على استخدامها, وقال بيان صادر عن الوزارة أن هذه الصواريخ تساهم في دعم السياسات الخارجية والامن القومي للدولة العبرية الصديقة, وزعم البيان ان الصفقة لن تؤدي إلى الاخلال بميزان القوى والتسليح القائم حاليا بين دول منطقة الشرق الاوسط. لكن مفاجأة المفاجآت تكمن في الاخبار والمعلومات المتواترة التي نشرتها الصحف البريطانية والفرنسية الاسبوع الماضي على التوالي, واشتملت على حقيقتين: الاولى: ان حشد اسرائيل اكبر عدد من جواسيس الموساد في الخارج بمنطقة القرن الافريقي, ربما يفسر الدور المشبوه لاسرائيل في تأجيج الصراع الناشب ين اريتريا واثيوبيا حول تنازع الزعامة الاقليمية في المنطقة إلى جانب عوامل الصراع المعلنة والمعروفة حول عدد من القضايا السياسية والعرقية والاقتصادية والحدودية. الثاني: حول قواعد عسكرية اسرائيلية في جزيرة دهلك وغيرها من الجزر الاريترية, مهمتها مباشرة عملية المراقبة للنشاطات البحرية في البحر الاحمر, والتصنت على وسائل الاتصالات في السعودية واليمن ودول الخليج وايران والسودان, وان المهمة الجديدة لهذه القواعد العسكرية توفير الحماية والتموين لقطع الاسطول الاسرائيلي وخاصة الغواصات, وكذلك اجراء التفجيرات النووية في البحر الاحمر, في الوقت الذي اكد عبدالرحمن الدراوشة عضو الكنيست الاسرائيلي ورئيس الحزب العربي الديمقراطي معلومات تفيد قيام اسرائيل باجراء تفجيرات نووية في البحر الاحمر, وأنها كانت وراء الهزات الارضية التي تعرضت لها المنطقة مؤخرا, فضلا عن التلوث البيئي.! على ان تحليل مضمون هذه الاخبار والمعلومات التي ترقى إلى مستوى الحقائق عبر صدورها أو تأكيدها من مصادر رسمية أو موثوق بها, تضع امام العرب تصورا لمسؤوليتهم ازاء الخطر الذي يتهددهم, ليس فقط على صعيد حيازة اسرائيل للاسلحة النووية فحسب, وانما على صعيد الخيارات الاسرائيلية الجديدة لاستخدامه, عبر اطلاق الرؤوس النووية عن بعد من الصواريخ المحمولة على الغواصات, وربما من جزيرة دهلك وغيرها من الجزر الاريترية, حتى لا تتأثر اسرائيل باشعاعاتها القاتلة, يتساوى في ذلك ان يكون الهدف العرب أو أي دولة اسلامية اخرى وهو ما يفسر تصريحات ناتان شرانسكي وزير الصناعة الاسرائيلي خلال زيارته مؤخرا لقازخستان من ان تسرب تقنيات الصواريخ الروسية إلى ايران لا يقلقنا فحسب وانما يقلق امريكا بالدرجة الاولى. المعروف ان اسرائيل تراجع الان عقيدتها العسكرية والاستراتيجية التي تتبنى مفهومها السابق للهجوم الوقائي بواسطة الطيران والمدرعات لشل نوايا الهجوم العربي, حتى تستوعب في مرحلتها الجديدة المتغيرات الطارئة لسلاح الصواريخ, عبر وضع الصواريخ الاسرائيلية المحمولة على الغواصات والطائرات وكذا الصواريخ المضادة للصواريخ على رأس اولوياتها, ومن هنا كانت عناية اسرائيل بالحصول على الجيل الثالث من منظومة الصواريخ (جيتس) الامريكية المضادة للصواريخ, بموجب اتفاق قدره 45 مليون دولار بين اسحاق موردخاي وزير الدفاع الاسرائيلي والجنرال ايترلايد رئيس المنظومة الامريكية للحماية من الصواريخ.! فاذا كان الخطر النووي قد اصبح يتهدد العرب عبر الصواريخ من كل حدب وصوب, من البحر والجو والارض, فان استشعار العرب للمسؤولية عن حماية امنهم القومي في الحاضر والمستقبل, يتعين ان تأخذ طريقها عبر وضع استراتيجية مضادة للاستراتيجية الاسرائيلية, سواء من خلال احياء القيادة العربية المشتركة أو تفعيل اقتراح قيام منظومة للدفاع العربي.