يقع بيتي بمحض الصدفة في شارع يؤدي الى أحد الملاعب الشهيرة لكرة القدم الفرنسية, وقد تمكنت بفضل هذه الميزة أن (أعيش) أحداث المونديال على صعيدين: شاشة التلفزيون وضجيج الشارع. وبالطبع فإن هذا الوضع اختطف الأولاد في دوامة المونديال بالليل والنهار وساعدني على التأمل الهادىء في أبعاد هذا الحدث .. واني متردد في نعته بالحدث الرياضي لأنه تجاوز الرياضة بآلاف الأميال فهل هو حدث سياسي أم ثقافي أم اجتماعي أم حضاري؟ هو كل ذلك معاً. ولكنه أقرب للحدث السياسي اذا ما فهمنا السياسة بمعنى العلاقات بين الافراد وبين الشعوب. نعم المونديال حدث سياسي بكل تلك المعاني مجتمعة لأنه بكل بساطة يكشف عن خفايا سياسية داخل المجتمعات وخارجها. وقد تعاظمت هذه الظاهرة عندما احتضنت فرنسا هذا الحدث مابين يونيو ويوليو من هذا العام, أكثر من أية دولة اخرى كالارجنتين أو المكسيك. لأن فرنسا تبقى فرنسا في النهاية أي وطن الثقافة العالمية وأمّ الحريات (السياسية) والمدنية بلا منازع وهي كذلك المجتمع الأوفر حيوية وابداعاً فكريا والذي يقود الاتحاد الاوروبي ليصبح تدريجيا القوة العظمى الثانية الى جانب الولايات المتحدة الامريكية بعد غياب الاتحاد السوفييتي. المونديال حدث سياسي كشف عن خفايا فرنسية وخفايا عالمية. أولا على الصعيد الفرنسي اكتشف الناس هنا أن بلادهم متعددة الاعراق والاجناس والثقافات وأن تلك الظاهرة ليست نقيصة أو خطرا بل هي ثراء وفرصة لاقتحام تحديات المستقبل. فالذي سجّل الهدفين اللذين رشحا فرنسا لنهائي الكأس ما هو إلا شاب أسود من جزيرة (نوميا) واسمه (ليليان ثورام) من أصول افريقية زنجية والذي ضمن كأس العالم لفرنسا هو (زين الدين زيدان) مسلم جزائري والذي حرس المرمى هو (بارتيز) ابن المهاجر الاسباني والذي ابدع هو (دوسايي) الافريقي الاسود ومنسق اللعبة هو (جوركاييف) الارمني الشرقي, وهو فريق يلعب تحت نفس الراية ويدافع عن نفس الوطن. فالفريق الفرنسي الذي فاز بكأس العالم يمثل المجتمع الفرنسي ويقدم صورة مصغرة عن فرنسا الراهنة الغنية باختلافات اصولها. كما أن الجمهور الراقص في الشوارع, والذي يمرّ في استعراضات تحت نوافذ بيتي مكون هو الآخر من هذه الالوان المختلفة التي تصنع قوة فرنسا الاقتصادية والثقافية. وبالطبع فإن النزعات العنصرية المتخوفة موجودة ولكنها منيت بهزيمة نكراء من خلال انتصار فرنسا في المونديال. من جهة اخرى كشف المونديال عن طغيان الشعور الوطني لدى كل هذه الشرائح الملونة, فالجيل الثالث من أبناء المهاجرين القادمين من المغرب العربي أو من افريقيا السوداء أو من اسبانيا والبرتغال حقق ما يسمى هنا الاندماج (INTEGRATION) وذاب في النسيج الاجتماعي والثقافي الفرنسي. بمفعول (المدرسة الصاهرة) التي تحدّ من الفوارق وتغرس في الجيل الجديد قيم فرنسا الجمهورية. لقد أظهر المونديال مجتمعا فرنسيا واحدا منسجما متحمسا قادرا على تهميش الاتجاهات اليمينية المتطرفة العنصرية التي تمثل في مجال الانتخابات حوالي (15%) من مجموع الناخبين بالاضافة الى نتائج استطلاع للرأي أجرته الاسبوع الماضي جريدة (لوموند الفرنسية) تقول ان اربعين في المائة من الفرنسيين يعترفون بميول عنصرية. وعلى صعيد السياسة الداخلية كذلك دعم المونديال مركز كل من الرئيس (شيراك) اليميني ورئىس الحكومة (جوسبان) الاشتراكي, كما ارتفعت اسهم (جورج بيفي) وزير الشباب والرياضة الشيوعي ــ لأن الحزب الشيوعي يشارك في الائتلاف الحاكم ــ وكل من هؤلاء نسب لحزبه الانتصار ولبس الفانيلة الزرقاء وحرص على ان تصوره الكاميرات وهو يقفز فرحا كأيّ مشجع على مدرجات ملعب (سان دوني) . أما على صعيد السياسة الخارجية فقد عرف الفرنسيون لأول مرة ان هناك دولة اسمها (كرواتيا) وأن عاصمتها هي زغرب وأن رئيسها (توجمان) وانها إحدى دول الفسيفساء اليوغسلافية المنغلقة. فقد حل الرئيس (توجمان) بنفسه ليعطي الأمل والدفع لفريقه ولكن توقف مسار كرواتيا في مرحلة نهائية مشرفة. وعلى صعيد السياسة الخارجية كانت مقابلة ايران مع امريكا بحق مقابلة تاريخية تواجهت فيها فلسفتان متضادتان وكان الانتصار لايران على حساب (البويز) كما كانت لقاءات بريطانيا مع تونس فرصة لمعرفة سلوك (الهوليجانز) المتهور. وبالطبع فإن توقف الرحلة العربية الاسلامية مع تونس والمغرب والمملكة العربية السعودية وايران جعل مساهماتنا قصيرة النفس وتدعو للمراجعة الكاملة لا لمجرّد تسريح المدّرب.. ولو بإحسان, لأن القضية ليست قضية مدّرب. وعلى أية حال فقد كان المونديال لحظة متميزة من لحظات التاريخ, نسي فيها العالم مشاكله الصعبة القاسية وتحولت فيها الكرة الأرضية الى كرة على الارض تتقاذفها أرجل ورؤوس اثنين وعشرين لاعباً من مختلف شعوب العالم أمام أنظار مليارين من البشر جلسوا في نفس الوقت أمام شاشات التلفزيون, أليست هذه في النهاية هي العولمة؟ ثم لعل المونديال يعلن عن ميلاد القرن المقبل بطريقته الخاصة بعيداً جداً عن الحروب والعنصرية والاستبداد والقهر والظلم؟