العالم مهووس حقاً بصحته, كما هو مهووس باختراع كل ما يمكن أن يدفع بهذه الصحة الى الهاوية! ويتساوى الرجل والمرأة في البحث دون كلل او ملل عن كل ما من شأنه ان يعيد اليهما الصحة والحيوية والشباب وراحة البال وأياً كان الثمن . ليس هناك شكوى أو مرض لم يخترع له العالم دواء, ومن هذا الدواء تفرعت عشرات الانواع والاشكال, للصداع والضغط والسكر والقلب والقولون, وكل الآلام التي تعصف بحياة الانسان, وهذه فتوحات انسانية في مسيرة الحضارة البشرية تستحق التقدير والمؤازرة. وعندما تطورت حياة الانسان, وخرج من حدوده الضيقة البسيطة وانطلق في رحاب الدنيا, يتهالك على كل المتع, ويستنزف أعصابه, وروحه وعقله في حيازة أكبر قدر ممكن من (كعكة الدنيا) بدأت اعراض وأمراض عديدة تتسلل من تحت عباءة هذا الهوس الدنيوي, وبدأ انسان ما بعد النهضة وثورة الصناعة يعاني من الاكتئاب, والحزن, والتوتر وأعراض الشيخوخة المبكرة, والميل نحو العنف تجاه النفس وتجاه الآخرين و... الخ. ولم يحاول الانسان ان يبحث في تفاصيل اعراضه تلك في داخل نفسه, او بين ثنايا تصرفاته وسلوكه, وانما راح يجري مسرعاً لأقرب طبيب ولأقرب صيدلية سائلاً عن افضل علاج وأحدث دواء, وبدأت المصانع والمختبرات تجتهد وظهرت أدوية لكل حالة من حالات امراض النفس والمزاج. وبدأ العالم يتداول علاجات كانت ذات يوم في قائمة الاحلام والتمنيات, وبدأت المرأة تسعى نحو استعادة شبابها وجمالها ورشاقتها بالحبوب والهرمونات والجراحات التجميلية, وتسعى نحو حياة اجمل وأهدأ بمضادات الكآبة, وتحلم براحة البال والسعادة عن طريق الحبوب المنومة ومضادات الآلام, أما الرجل فقد ظل وسيبقى مهووساً بالقوة وبالخصوبة على مدار الساعة, ولذلك فقد اجتاحت العالم كله حمى أو وباء التهالك على تلك الحبوب الزرقاء التي حلت مصيبة الرجال الازلية, فكانت الفياجرا, الداء والدواء والحل الأمثل. آثار الثورة الصناعية والاخلاقية والبيولوجية الاخيرة وجدت حلولها في أدوية مصفوفة بملايين الاسماء والاشكال في كل صيدليات العالم لكن بقي ان يكتشف لنا العلماء مضادات أو أدوية للأخلاق والعلاقات الاجتماعية التي نودع بقاياها او سنرثي آخرها عما قريب! هانس كونج عالم الاديان الكاثوليكي المخضرم يقول:(المجتمع لا يستطيع الاحتفاظ بتماسكه بواسطة الانترنت والاسواق الاقتصادية العالمية, فعالمنا اصبح تحت رحمة الايديولوجيات العلمية المزيفة, والتمييز الفردي تحول الى فردية منفلتة من عقالها..) . لقد كسبنا وسائل اتصال جديدة, ولذلك يطلق على أيامنا هذه عصر ثورة الاتصالات والمواصلات, ولكن المفارقة الأعجب والأكثر ايلاماً اننا فقدنا الاتصال فيما بيننا كبشر! اذن لمن كل هذه الاجهزة والتقنيات (التوصيلية) ؟ لتواصل من بمن؟ هل هي لتوصيل الاجهزة ببعضها ام لتلقيح المعلومات ببعضها ام ماذا بالضبط؟ بالتأكيد الاجهزة لا توصل الانسان بالانسان الا اذا تم اختراع حبوب او أدوية لتفعيل هذا التواصل!.