آسيا في القرن الحادي والعشرين ستكون مخلوقا جائعا بل في غاية الشراهة لمصادر الطاقة وخاصة البترول. هكذا يتوقع الخبراء من واقع الاسقاطات الاحصائىة والسيناريوهات السياسية ــ الاقتصادية بالنسبة للعقد الاول من القرن المقبل . ونقول (السياسية) باعتبار ان الطاقة سلعة استراتيجية تقف كما يقول المحللون عند مفترق الطريق الموصلة بين الاقتصاد والامن القومي والتي ستضاعف من هذا الجوع الى مصادر الطاقة وعلى رأسها البترول, كما اسلفنا حقيقتان: .. الاولى هي الاحتمال المرجح وشبه الاكيد بأن مسيرة التنمية ومعها عملية الانتاج والخدمات سوف تستمر مع سنوات القرن المقبل حتى رغم الزلزال الذي اصاب اقتصاديات جنوب شرقي آسيا في مقتبل عام 1998 الحالي وسوف يكون في مقدمة الاقطار التي يزداد فيها الطلب على النفط والغاز بالذات كل من اليابان والصين وكوريا الجنوبية الى جانب معظم البلدان الجنوبية ــ الآسيوية الاعضاء في رابطة امم جنوب شرقي آسيا (آسيان) التي يرجح ان يتحول كل منها الى مستورد صاف لسلع الطاقة الثمينة والحيوية لادارة عجلة الاقتصاد. .. الثانية: ان الذي حال دون ابراز هذا الجوع الآسيوي الى مصادر الطاقة حقيقة انخفاض بل انهيار الطلب على تلك السلع في كثير من اسواق العالم, وخاصة اسواق شرقي أوروبا ــ بلدان حلف وارسو سابقا وذلك منذ عام 1990 وهي الاقطار التي خرجت من الفلك السوفييتي وتعثرت فيها عمليات التنمية. الصين مستورد للبترول وأقرب مثال على ما ذهبنا اليه حقيقة ان بلدا عملاقا مثل الصين كان يصدّر ربع انتاجه من البترول الى الخارج في سنوات العقد الماضي, ولكنه بفعل النشاط التنموي الفعال مالبث ان تحول مع سنوات العقد الحالي ليصبح مستوردا صافيا للبترول لاسيما وان المجتمع الصيني.. بفعل سياسات الانفتاح من جهة والغزل الذي بات صريحا مع ظاهرة العولمة من جهة أخرى, قد افسح اكثر من مجال لقوى السوق, واتاح اكثر من مناسبة لاشباع نزعات الاستهلاك الكمالية, والبرجوازية (وتلك كانت الكلمة التي ظل يمقتها الرفاق الشيوعيون على مدى عشرات من السنين) . ليس معنى هذا ان الصين تماثل اليابان من حيث الحرمان من منابع واحتياطيات النفط. والحاصل ان الصين تمتلك احتياطيات ضخمة من البترول في حوض تاريم غربي مقاطعة سنيانج المتاخمة للحدود الروسية حيث يقدر الخبراء ــ ربما بشيء من المبالغة ــ ان تلك الاحتياطيات الصينية تصل الى 250 بليون برميل. لماذا اذن لا تستخرج بكين نفطها من ارضها او تجعل زيتها في دقيقها كما يقول المثل العربي القديم؟ السبب يلح بألف لسان يقول: فتش عن الاستثمارات المليارية ذات الارقام الفلكية. ان منطقة تاريم الصينية المذكورة صحراء نائية وفيافي اكثر من قاحلة وآبارها النفطية لا تبوح بأسرارها الا على اعماق بعيدة وعبر مساحات مشتتة متناثرة لدرجة ان التنقيب في تلك البقاع هو قطعة من العذاب أو هو جهد ينوء به البشر ولايكاد يحتمله سوى المردة أو الشياطين على نحو ما يشير اليه البروفيسور كنت كالدر (استاذ بحوث الشرق الاقصى في جامعة برنستون الامريكية المرموقة. الجوع النفطي الياباني اليابان من جانبها تمتلك اقتصادا ضخما بل نقول مهولا من حيث الحجم والادارة والعوائد وايضا الاحتياجات والمتطلبات اقتصاد يبلغ حجمه اكثر من اربعة تريليونات دولار وهو عملاق رهيب الجرم, ضخم الرأس لكنه من حيث الطاقة ومصادرها مجرد كائن عاجز محروم من اي مصادر نفطية محلية لدرجة ان اليابان تستورد حاليا اكثر من 80 في المائة من احتياجاتها في هذا المجال البالغ الحيوية ورغم كل الاجراءات الاحترازية وتدابير الاقتصاد والتوفير والترشيد التي اتخذتها اليابان كرد فعل ازاء صدمات البترول في السبعينات والثمانينات, الا ان فاتورة استيراد البترول تكلف طوكيو اكثر من 50 مليار دولار سنويا. واذا اضفنا الى العملاقين الصيني والياباني سائر اقطار رابطة الآسيان, وخاصة كوريا الجنوبية التي تحاول استرداد انفاسها بعد كارثة النمور اياها, لصدقت نبوءة البروفيسور كالدر بأن هذه الرابطة سوف تصبح كلها مستوردا صافيا للبترول خلال الاشهر التي ليست بالكثيرة التي توصلنا الى نهاية القرن وبداية الالفية الجديدة للميلاد. اهمية الشرق الاوسط وفي هذا السياق بالذات نشر الاستاذ كالدر دراسة نحيل اليها في سطور هذا الحديث (مجلة الشؤون الخارجية فورين افيرز) عدد الربيع من عام 1996م وقال فيها بالحرف: ــ آسيا بكل حيويتها سوف تصبح باضطراد معتمدة على الشرق الاوسط بكل اوضاعه غير المستقرة بما في ذلك ايران وربما العراق حيث البترول من الوفرة بمكان.. وسوف تشهد السنوات الخمس عشرة المقبلة زيادة واردات جنوب شرق اسيا وشرقها الاقصى من الشرق الاوسط بمقدار ثلاثة اضعاف وبهذا تستأثر آسيا هذه بنسبة تفوق 15% من اجمالي الاستهلاك العالمي من البترول. هنا قد نستوقف هذا التحليل لكي نطرح سؤالا هاما يقول: ــ وماذا عن روسيا وبترولها, وماذا عن نفط القوقاز وبحر قزوين؟ وماذا عن تلك التقارير التي اغرقنا بها الاعلام الاقتصادي الامريكي بالذات عن ارض المن والسلوى ـ النفطية في جمهوريات آسيا الوسطى ــ الجمهوريات السوفييتية السابقة. للاجابة عن هذا السؤال علينا ان نحيل الى مصدرين اساسيين: .. الأول: هو الدراسة التي اشرنا اليها الصادرة عن جامعة برنستون وفيها يقول البروفيسور (كنت كالدر) : ــ رغم ان روسيا تمتلك احتياطيات من النفط تقدر بنحو 20% واحتياطيات من الغاز تقدر بنحو 39% من المجموع العالمي, وبرغم ان ثمة احتمالات لمزيد من الاكتشافات النفطية في الحقول البحرية شرقي وجنوبي الصين, بيد ان احتمالات هذين المصدرين مازالت غامضة وتجللها سحابات من عدم الاستقرار السياسي (روسيا) او عدم اليقين من حيث الجدوى الاقتصادية (الصين) ناهيك عن مشاكل الهياكل الاساسية المطلوبة هنا او هناك. وعليه, فان المرجح هو المزيد من التقارب والتلاحم في المصالح الاقتصادية والعلاقات البترولية سيكون بين اكبر مركزين خارج نطاق الغرب وهما المركزان الرئيسيان في دنيا الجيوبوليتيك (الجغرافيا السياسية أو الجغراسيا) ــ الشرق الاوسط والقارة الآسيوية. .. والثاني وهو مصدر اكثر حداثة نميل اليه من اجل تركيز الحديث عن جمهوريات القوقاز ــ قزوين في آسيا الوسطى لقد وضعت الاستاذة مارتا الكوت وهي كبيرة باحثي مؤسسة كارنيجي للسلام الدولي وهي ايضا استاذة متخصصة في شؤون القوقاز وآسيا الوسطى دراسة مهمة للغاية نشرتها في آخر الاعداد الصادرة عن فصلية (السياسة الخارجية) (فورين بوليس) عدد الصيف الحالي, 1998. وتطرقت الدراسة الى الاهمية التي تلقاها طريق الحرير القديم الذي كان يخترق وسط آسيا واصلا بين شرق أوروبا وحدود الصين, هذه المنطقة التي ظلت وادعة شبه منسية في ظلال الاتحاد السوفييتي ثم عادت الى الاضواء المبهرة بعد اعلان الاكتشافات الوفيرة تحت اراضيها من النفط والغاز الطبيعي وهو ما جعل منطقة القوقاز هذه مقصد زيارات ممثلي كبريات شركات البترول العالمية ومندوبي الوكالات السياسية والهيئات الحكومية من كل انحاء العالم, وجاء هذا كله ليزيد أو بالأدق يؤجج ما يوصف بانه (ثورة التوقعات) الحافلة بالوعود الخلابة والآمال العراض بين سكان تلك المنطقة وما لبثت هذه الآمال ان اسلمت الى ثورة ــ مضادة كما قد نقول ــ هي ثورة الاحباطات اذ لم يتحقق من المشاريع الكبرى في مجالات النفط والغاز سوى النزر اليسير ومن ثم فلم ينل السكان شيئا يذكر, بل الادهى من ذلك.. ان دخلوا في دوامتين رهيبتين. الاولى: دوامة المعاناة الاجتماعية ــ الاقتصادية ــ الخدمية بعد ان زالت عنهم شبكة الامان الاجتماعي التي كانت من مآثر النظام الاشتراكي او فلنقل الشيوعي السابق وقد كانت شبكة ممتازة بكل المقاييس حيث كانت الخدمات الصحية تصل الى القرى النائية والنجوع شبه المنسية وحيث حقق الاتحاد السوفييتي السابق معدلات مرموقة في تلك البقاع القزوينية من محو الامية ورفع مستوى التعليم والتدريب التقني وتقديم الضمانات في حالات المرض والعجز والطفولة والبطالة والشيخوخة. الدوامة الثانية ان ديكتاتورية الكرملين الشيوعي المركزية حلت محلها ديكتاتوريات محلية تجسدت في حكومات ما بعد الاستقلال التي يقوم عليها كما تقول الباحثة الامريكية (مارتا الكوت) سياسيون يفتقرون الى ابسط قواعد الحنكة في ادارة دفة الامور ناهيك عن عدم إلمامهم بأي قواعد ترتكز عليها اللعبة الدولية او رقعة الشطرنج الهائلة على حد تعبير المفكر الامريكي (زبجنيو بريجنسكي) وقد اضيف الى هذا كله اندلاع الصراعات العرقية والخلافات الدموية احيانا على ترسيم الحدود. وتلك تركة تقليدية ونمطية تخلفت عن كل انواع السيطرة الامبريالية عبر تاريخ الاستعمار الطويل.. وفي هذا السياق تقول البروفيسورة الكوت: لقد عمدت موسكو (ربما منذ عهود القياصرة) الى ترسيم الحدود بين توابعها في وسط آسيا بطريقة من شأنها اضعاف اي امكانات من جانب هذه الجماعة القومية او تلك للسيطرة السياسية في يوم من الأيام. وهذه السياسة اقتضت بالضرورة ان تترك اجزاء وقطاعات قومية عمدا من كل كيان لتظل تحت سيطرة الكيان المجاور حيث يتداخل بالعمد وجود القوميات وحدود الكيانات, وحيث ظلت هناك قنبلة سياسية موقوتة ما لبثت ان انفجرت بعد سقوط وزوال الاتحاد السوفييتي وهذه القنبلة اسمها دعوات الانفصال وهكذا دخلت اذربيجان أرمينيا في نزاع ساخن حول اقليم نجورني كاراباخ ثم دخلت جورجيا في غمار حرب اهلية تطالب فيها منطقة ابخازيا بالاستقلال دع عنك الحرب التي كلفت يلتسين مغارم شتى فادحة ضد الشيشان المطالبين بدورهم بالاستقلال عن سيطرة النيو ــ كرملين في موسكو, وهكذا أدت زعزعة الاستقرار في المنطقة الى احجام كبار المستثمرين عن انشاء المشاريع المرتقبة والعملاقة لاستخراج ثروات النفط والغاز من تلك المنطقة التي اطلق عليها المراقبون السياسيون اسما طريفا ومعبرا في آن هو: القوقاز المتمرد او الشقي او الدائم العصيان. دور الدعاية الامريكية ومن ثم ظل الدخل القومي في تلك المناطق وخاصة في قطاع النفط منخفضا بشكل يدعو الى الاستغراب. كازاخستان مثلا لم يدخل خزانتها من عوائد البترول سوى مليار واحد لا غير في عام 1992 (وعلى سبيل المقارنة فقد تلقت رومانيا وهي اكثر بلدان المعسكر الاشتراكي السابق تعثرا مبلغ 6.1 مليار دولار من عوائد النفط في السنة نفسها). وقل الشيء نفسه عن تركمانستان التي لم تنل من البترول سوى 280 مليون دولار عام 1996 (وهو مبلغ يقل عما نالته دويلة لاتفيا الصغيرة المطلة على بحر البلطيق). ونحن نظن ان آلة الدعاية الامريكية قد ظلت تنفخ في بالون النفط والغاز في القوقاز عبر السنوات الاولى من هذا العقد على طريقة اياك أعني واسمعي يا جارة, والجارة هذه يمكن ان تكون دوائر البترول في الشرق الاوسط او بحر الشمال او افريقيا او امريكا اللاتينية وهو نوع من التحذير المغلف من احتمالات طفرة او تخمة نفطية تعم سوق البترول في العالم, والهدف بالطبع هو المزيد من تقليم اظافر المنتجين لصالح المستهلكين في الغرب الاوروبي ــ الامريكي وفي اليابان ايضا. مشاركة محدودة في المستقبل والحاصل كما توضح الاستاذة الكوت في الدراسة التي اشرنا اليها ان بترول القوقاز على افضل الاحتمالات سوف يشكل في عام 2010 باذن الله نسبة لا تزيد على 5 في المائة من مجموع احتياجات الاستهلاك العالمي. والباحثة الامريكية تشير الى الاوضاع المتردية في جمهوريات (الوعد النفطي) في القوقاز وقزوين وخاصة سوء الادارة الاقتصادية واعتماد تلك الدول في كفالة امنها القومي على روسيا وتراكم الديون الدولية التي تتحملها وانتشار البطالة وسوء الخدمات وهو ما افسح الطريق لنزعات راديكالية منها التطرف الذي يرفع الشعار الاسلامي.. فما بالك وقد اصيبت تلك الاقطار الحديثة الاستقلال بلغة انتشار تجارة المخدرات وخاصة سموم الهيروين والافيون المهربة عبر الحدود من الجارة افغانستان التي نقلوا عنها ايضا ــ باسم الله ما شاء الله ــ زراعة المخدرات (الافيون) في كازاخستان وقيرغيزستان وتلك حالة أدت الى ظاهرة يطلق عليها المحللون الوصف الغريب التالي: تجرمة الاقتصاد, اي اضفاء طابع الجريمة على النشاط الاقتصادي بمعنى الا يشكل هذا النشاط جناية ترتكبها فعالياته بحق بلادها وبحق الانسانية, بعيدا عن النشاط الانتاجي البناء, والمشروع والمحمود. وبغير أن تخلص جمهوريات وسط آسيا شعوبها ومؤسساتها من هذه الأدواء فلسوف تظل اسيرة لعنة التخلف والصراعات ويومها, لن ينفعها لا نفط ولا غاز ولا يحزنون.