عندما فاز محمد خاتمي بالانتخابات الرئاسية في شهر مايو من السنة الماضية في الجمهورية الاسلامية الايرانية تساءل الكثيرون عن مصير الخريطة السياسية الجديدة في ايران وعن صاحب القرار الاول والاخير وهل سيصبح بامكان الرئيس الجديد ان يقود سياسة ايران بصفته رئيس الدولة وهل يستطيع ان يجسد الاتجاه الاصلاحي في ايران, طبعا الامور ليست بهذه البساطة والصراع قائم وموجود بين تيار قديم محافظ وتيار يؤمن بالتغيير وبالتأقلم مع ظروف القرن الحادي والعشرين. والمشكلة في الحقيقة هي ان الرئيس محمد خاتمي والذي ينظر اليه كرجل الاصلاحات والتغييرات الجديدة والخروج من دهاليز الثورة الاسلامية بمنظور جديد واتجاه براغماتي ما هو في حقيقة الامر الا ابن الثورة الذي ترعرع في احشائها, محمد خاتمي اليوم يجد نفسه امام خيارين لا ثالث لهما اما الرضوخ للوضع الراهن والمحافظة على المؤسسة التقليدية وبهذا سيخيب آمال ملايين الايرانيين الذين صوتوا عليه ووضعوا ثقتهم فيه واما ان يجسد سياسة التغيير ويواجه المؤسسة التقليدية ويلبي آمال الشرائح العريضة من الشعب الايراني. وهذا الاختيار الاخير سيسبب مشاكل معقدة للرئيس خاتمي واتباعه خاصة ان المؤسسة التقليدية ستمس العديد من القضايا سواء كانت ايديولوجية ام مذهبية ام اقتصادية ام سياسية. ومن اهم القضايا التي أبرزت الخلافات بين التيارين قضية فتح صفحة جديدة مع الولايات المتحدة الامريكية والنظر في اعادة العلاقات الدبلوماسية وكسر حاجز المقاطعة. طبعا مبادرة الرئيس الجديد المعروف بانفتاحه وليونته ادت الى انتقادات عنيفة من قبل المحافظين الذين حكموا حكما جازما وقاطعا انه لا فائدة من الحوار مع الامريكيين ولا فائدة من اية محاولة لكسر الجليد واقامة علاقات جديدة. ورغم تبادل وفود رياضية بين البلدين الا ان المحافظين بقوا متمسكين بمواقفهم واعتقدوا ومازالوا يعتقدون ان الامريكيين لا يطبعوا علاقاتهم مع ايران الا وفق مصالحهم واهدافهم واستراتيجيتهم والا فانهم لا يقبلوا بأي شيء. وهذا يعني ان ايران ستكون هي الخاسر الوحيد من مثل هذه العلاقات. غلام حسين كرباستشي عمدة طهران أبرز خلال السنوات العشر الماضية كرئيس للبلدية قدرة فائقة في التسيير حيث استطاع أن يغير وجه المدينة التي تأوي عشرة ملايين ايراني والتي همشت ونسيت وتركت لحالها أثناء الحرب ضد العراق. رئيس البلدية استطاع أن يطور المدينة من حيث البنية التحتية ومن حيث انشاء المكتبات والمنشآت الرياضية والثقافية كما استطاع أن يغير الأحياء الشعبية من أحياء مهمشة فقيرة إلى أحياء يسودها النشاط والحيوية والازدهار. المؤسسة التقليدية إذا لم يعجبها أداء رئيس البلدية الذي خرج عن طاعتها ولعب دورا بارزا في انتخابات مايو من العام الماضي التي قضت على حظوظ مرشحها وأدت إلى نجاح محمد خاتمي. غلام حسين كرباستشي أعتقل وسجن بحجة اختلاس أموال الدولة وسوء التسيير. هذا الحدث يثير الكثير من الجدل وأهم سؤال يتبادر إلى الذهن هو لماذا هذا الهجوم من قبل المؤسسة التقليدية على الرئيس محمد خاتمي واتباعه في هذا الوقت بالذات؟ أما السؤال الثاني فيقودنا للتعرف على من هو الحاكم الحقيقي لايران؟ وهل لرئيس الدولة صلاحيات تخوله أن يلعب الدور الذي ينتظره منه الشعب الذي انتخبه. بالنسبة للسؤال الأول فإن هجوم المحافظين أو المؤسسة التقليدية على خاتمي وأتباعه ونهجه جاء في هذه الفترة بالذات لاضعاف الاصلاحيين ومشاريعهم التي بدأت تنال من النجاحات واعجاب الايرانيين بها, فالتوقيت جاء مع انخفاض أسعار البترول المورد الرئيسي لايران وهذا الانخفاض سيكلف الميزانية ما مقداره ستة مليارات دولار سنويا وهذا يعني ان عددا لا يستهان به من المشاريع الانمائية لم يتم تنفيذها وان خزينة الدولة ستضطر للطلب من الايرانيين شد أحزمتهم. الاستراتيجية هنا اذن تتمثل في تهيئة الرأي العام الايراني للايمان والاعتقاد بأن أسباب المشاكل الاقتصادية مستقبلا من جراء انخفاض البترول تعود إلى ضعف التسيير وسوء الإدارة عند خاتمي وأتباعه وكل من يمثله. وهذا يعني ان الاصلاحيين قد فشلوا في خططهم واستراتيجياتهم ولذلك يجب مقاطعتهم والعودة إلى المؤسسة التقليدية. وتبعا لهذه الاستراتيجية وجد عمدة طهران نفسه في السجن وأمام القضاء بدون سابق انذار. أما السؤال الثاني والذي يتعلق بصلاحيات رئيس الجمهورية فالمتأمل في الدستور الايراني يجد ان المؤسسة التقليدية تسيطر على مقاليد الحكم بطريقة تامة وكاملة والرئيس تكون سلطاته محدودة مقارنة بإمام الأمة أو القائد. فالاشراف للقائد أو الأب الروحي أما التنسيق فلرئيس الجمهورية وهذا يعني انه أصبح رئيس جمهورية بدرجة سكرتير القائد. وحتى دور التنسيق بين السلطات سحب من الرئيس فيما بعد. واضافة إلى الصلاحيات غير المحدودة التي يتمتع بها القائد فهناك العديد من الأجهزة الاستراتيجية والحساسة والتي تتبع له مباشرة مثل الأمن الداخلي والشرطة والمحاكم وحرس الثورة والاذاعة والتلفزيون والقوات المسلحة. ونستنتج من كل ما تقدم اننا أصبحنا في ايران ما بعد الخميني وايران الدستور المعدل بصدد نظام شمولي تسيطر عليه المؤسسة التقليدية وتدبر ما يحلو لها. الهجوم الأخير على الاصلاحيين وعلى أتباع خاتمي ما هو إلا محاولة اضعاف التيار الاصلاحي الذي حقق نتائج باهرة في الميدان وحاول ويحاول أن يخرج ايران إلى ساحل الأمن والأمان وهذا ما تجسد في الأعمال المختلفة التي قام بها عمدة طهران وكذلك البرنامج الجديد الذي جاء به الرئيس الجديد محمد خاتمي والذي يتمثل أساس في انتهاج سياسة خارجية جديدة سواء مع الغرب أو دول الخليج أو باقي الدول العربية والاسلامية. ايران ومن خلال رئاستها للمؤتمر الاسلامي تحاول أن تقود الأمة الإسلامية برؤية جديدة وبمنطق يرجع المصداقية للدبلوماسية الايرانية التي عانت الكثير من توترات مختلفة مع دول مثل الجزائر التي تتهم ايران بتورطها بطريقة مباشرة فيما يحدث في بلد المليون والنصف مليون شهيد. ايران كذلك ولمدة طويلة كانت علاقتها متوترة مع بعض دول الخليج. الاصلاحيون منذ ان جاءوا الى الحكم حاولوا ويبذلون قصارى جهودهم لايجاد مكانة مرموقة للدبلوماسية الايرانية على المستوى الجهوي والاقليمي والدولي, والمتتبع لما أنجزته ايران في السنة الماضية يلاحظ ان الرئيس محمد خاتمي حقق إنجازات عديدة على مستوى الدبلوماسية الايرانية حيث استطاع ان يكسر الجليد مع الامريكيين ووجه خطابا للشعب الأمريكي, كما استطاع ان يعيد العلاقات مع المملكة العربية السعودية الى مجراها الطبيعي... الخ, نستنتج من كل هذا ان المؤسسة التقليدية ورغم استحواذها على معظم الصلاحيات والمهام الا ان الرئيس محمد خاتمي وأتباعه أمثال غلام حسين كرباستشي عمدة طهران استطاعوا ان يتركوا بصماتهم على عهد ايراني جديد. حادثة عمدة طهران تسجل فوزاً باهراً للاصلاحيين على المؤسسة التقليدية التي واجهها الرأي العام الايراني بالرفض والاستياء لتسييس اعتقال عمدة اعطى كل ما لديه لبلدية ايران واستطاع ان يغير الكثير من سلبياتها ومشاكلها الى نقاط قوة لكن رغم هذا فإن المؤسسة التقليدية وعلى رأسها ناطق نوري الذي هزمه محمد خاتمي في الانتخابات الرئاسة الأخيرة بـ 70% من الأصوات تستحوذ على الصلاحيات والامكانيات والوسائل, وبالعكس نلاحظ ان الرئيس خاتمي رئيس الدولة رغم سياسته الاصلاحية ورؤيته البراغماتية الا انه يعاني من الكثير من العراقيل والمشاكل من طرف المحافظين وكذلك تنقصه وسائل سياسته. المشكلة العويصة التي تعاني منها الجمهورية الاسلامية هذه الأيام ورغم ظهور رياح التجديد والتطوير والتأقلم مع معطيات القرن الحادي والعشرين والعولمة هي ان القائد في ايران أعطى لنفسه صلاحيات لم ينعم بها آية الله الخميني نفسه, وهكذا أصبح النظام السياسي الايراني اليوم أقرب الى اي نظام شمولي يحكمه شخص ينعم بمختلف الصلاحيات. فحالياً في دولة ايران محمد خاتمي نجد أن السلطة القضائية والسلطة التشريعية وجزءاً لا يستهان به من السلطة التنفيذية يقع في يد المحافظين, فالصراع عنيف وخطير وهام والمعطيات الايرانية الحالية ترجح المحافظين على قيادة السفينة السياسية في ايران رغم ان الرئيس محمد خاتمي وأتباعه ومعهم جزء كبير من الرأي العام الايراني لا يستسلمون بسهولة وانما سيواصلون مسيرتهم الاصلاحية بكل حزم وإرادة. حادثة عمدة طهران درس له أبعاد مختلفة ويمكن فهمه من زوايا عديدة, اولاً أثبت الاصلاحيون قوتهم وعزيمتهم وثقتهم في أنفسهم. ثانياً نلاحظ ان الرأي العام بصفة عامة يقف الى جانب الاصلاحيين وهذا يعتبر مكسبا كبيرا جداً حيث يستطيع الرئيس خاتمي واتباعه استعمال هذه الورقة كوسيلة ضغط للوقوف أمام مشاكل المؤسسة التقليدية, ثالثاً ان المؤسسة التقليدية لا تتوقف عن اعمال الضغط والمضايقة ضد الاصلاحيين ولو تكررت هزائمها حيث ان هدفها هو اضعاف الرئيس وبرامجه الاصلاحية وأتباعه وهذا حتى يستسلم وتعود مقاليد الحكم الى المحافظين. حادثة عمدة طهران أكدت للغرب وللعالم الخارجي ان الرأي العام الايراني باستطاعته ان يدلي بدلوه ويقف حكما بين الحق والباطل وبين المؤسسة التقليدية والتيار الاصلاحي التجديدي. الخاسر من هذه النزاعات الداخلية والصراعات بين مؤسستين مختلفتين تمام الاختلاف في الرؤية والتوجه هو الجمهورية الايرانية الاسلامية التي لم تعرف كيف تجد لها مكانة مرموقة في المنظومة الدولية منذ الحرب مع العراق, فالاقتصاد الايراني تراجع وتدهورت معه القدرة الشرائية ومستوى المعيشة وعانى الشعب الايراني وما زال يعاني الكثير من جراء المقاطعة الامريكية وتجميد مليارات الدولارات الايرانية في البنوك الامريكية والغربية, وإذا استمر النزاع على حاله بين المحافظين والاصلاحيين فإن حظوظ التغيير والتقدم الى الامام والتخلص من رواسب الحرب مع العراق والصراع مع امريكا وسياسة تصدير الثورة الى الخارج تبقى مترسبة في اجندة المؤسسة التقليدية ولا يستطيع لا غلام حسين كرباستشي عمدة طهران ولا الرئيس محمد خاتمي زحزحتها بتلك السهولة التي يراها الكثير من المتفائلين. هل سيتراجع محمد خاتمي عن الطريق الذي رسمه ويواصل مسيرته الاصلاحية ام انه سيرضخ للامر الواقع ولقوة المؤسسة التقليدية التي ستبذل قصارى جهودها لاحتوائه وتقويض نفوذه لتحقيق مصالحها اللامتناهية, ام ان الرأي العام الايراني سيكون الفاصل بين الفريقين وسيرجح لا محال كفة الرئيس المنتخب والتيار الاصلاحي. وهذا الامر غير مستبعد حيث ان الافراج عن عمدة طهران لم يأت هكذا وبالبساطة التي يراها البعض.