اذا كان من خلاصة يمكن الخروج بها من سلسلة البرامج الوثائقية التي عنت بالذكرى الخمسين لنكبة فلسطين, فهي ان الدول العربية هي من يتحمل القسط الاكبر في هذه النكبة . صحيح ان بريطانيا لعبت دورا مهما في تسهيل الهجرة اليهودية الى فلسطين. وصحيح ان الدول الكبرى اخذت بجانب المنتصر والقوي في هذه النكبة. لكن ذلك كله لم يكن له ان يتم لولا قبول العرب انفسهم بالامر الواقع, ثم سعيهم بعد ذلك للتعامل معه على هذا الاساس. وهو أمر ادهش الكثيرين, امريكيين, واوروبيين, ورؤساء وحتى الاسرائيليين انفسهم! ولم يتوقف الامر عند حد نتائج النكبة, وانما امتد الى مجمل الاحداث التي تلت ذلك. وبعد الحروب العربية الاسرائيلية التفتت النظم العربية يمينا وشمالا, فلم تجد سوى منظمة التحرير. فأخذت تتفنن في طرق اخضاعها وفرض الوصاية عليها, باللين, او بالشدة بدلا من ان تفكر في مواجهة اسرائىل, وحتى ضمن تلك المرحلة كان يمكن للامر ان يهون لو ان الدول العربية كانت صادقة فيما تقول. لكن يتضح ان اخضاع القرار الفلسطيني المستقل لم يكن له علاقة بقضية فلسطين. بقدر علاقته بخلق النفوذ والمحاسيب داخل الصف الفلسطيني, والمزايدة على الدول العربية الاخرى. اما اليوم فتجري عملية مزايدة لاسابق لها على الفلسطينيين. فهناك من يطالبهم برفع راية الكفاح المسلح من جديد. وهناك من يطالب القيادة الفلسطينية بالخروج من مناطق الحكم الذاتي والتشرد في العواصم العربية, والبدء من هناك عملية التحرير. والمضحك في هذا الكلام الاخير بالذات ان هذه القيادة الفلسطينية لم تصل الى قناعة القبول بالحكم الذاتي, الا بعد ان اخرجت من هذه العواصم, واحدة بعد اخرى, مرة بذنب ومرات بدونه. بل ان هناك بين العواصم العربية من يعتبر اللاجئين الفلسطينيين اجانبا! ويفعل المستحيل من اجل طردهم من اراضيها. وتصورا انها تمنع عنهم حتى شراء المسامير والطوب وكل ماله علاقة باصلاح وتجديد (مساكنهم) الايلة للسقوط في المخيمات. وكل ذلك باسم الشعارات (القومية) التي هي مجرد مزايدات لفظية ماكرة. فكأن العواصم الاجنبية هي ارحم لهم وارأف بحالهم من العرب. حتى اسرائىل لاتفعل باللاجئين الفلسطينيين كما يفعل بهم بعض العرب. ويستطيع الفلسطيني ان يدخل اية دولة اجنبية (وان بصعوبة احيانا) اما دخوله للدول العربية فذلك من عاشر المستحيلات, اللهم باستثناء العراق والاردن. وتنزعج الدول العربية في العلن من الانحياز الامريكي لاسرائيل, لكنها في السر لا تفعل شيئا حتى مجرد الكلام لمواجهته. بل ان الامريكيين يصرحون بانه لم يحصل ان اشعرهم احدا من العرب بان عليهم ان يدفعوا ثمنا لانحيازهم لاسرائيل. فلماذا يجب عليهم ان يفعلوا شيئا لا احد يرغب فيه او يطالبهم به. وخلاصة القول هي ان وضع الفلسطينيين ومأساتهم المستمرة, ماهي الا انعكاس دقيق لاوضاع العرب انفسهم.