عمنا الكبير نجيب محفوظ هو أعظم روائي أنجبته أمة محمد, وهو بالتأكيد أعظم من موراثيا الايطالي, ومن شتاينبك الأمريكي, وديكنز الانجليزي, وستكون روايات نجيب محفوظ هي المرجع الأساسي لكل من يريد من أبناء القرون المقبلة معرفة حقيقة أحوال مصر في القرن العشرين, فهو بالتأكيد لسان حال المصريين وترجمانهم الصادق, وكتابه الأخير الذي تولى رجاء النقاش انتزاعه من خلال حوار غني وثمين استغرق شهورًا طويلة, هو بالتأكيد تحفة رائعة, وأرجو نشره على أوسع نطاق, فهو مفيد لنا ولأبنائنا وأحفادنا من بعدنا, وهي وجهة نظر فنان وكاتب عظيم كان من حسن حظنا أننا عشنا معه, وأشكره على كل حال لأنه ذكرني بواقعة تتعلق بالعبد لله, كنت قد نسيتها بفعل الشيخوخة والزمن. فقد ذكر عمنا نجيب محفوظ انه لم يتعرف بما فيه الكفاية على شخصية محمد عبد الوهاب موسيقار ومطرب القرن العشرين بالرغم من لقائه به على مائدة غداء في منزل الكاتب الكبير الدكتور مصطفى محمود, وكان السبب في عدم تعرفه على شخصية الموسيقار عبد الوهاب, ان محمود السعدني ــ هكذا قال عمنا نجيب محفوظ ــ استغرق الوقت كله في الحديث ولم يترك فرصة لأحد من الحاضرين وكان بينهم الدكتور لويس عوض ولم أعرف هل كانت ملاحظة عمنا نجيب محفوظ ضد العبد لله أم لصالحه؟ بالرغم من ابداء اعجابه الشديد بشيخ المتكلمين عمنا الموسيقار الخالد الشيخ زكريا أحمد, وكان سبب اعجابه الشديد ان الشيخ زكريا, كان إذا بدأ الحديث في أول الليل لا ينتهي منه إلا في صباح اليوم التالي. والعبد لله من دراويش عمنا نجيب محفوظ, ويشرفني جدا ان أكون نجحت في اسكات مجموعة من صفوة أدباء وكتاب مصر لدرجة انني كنت السبب في الحيلولة بين عمنا نجيب محفوظ ومحاولته التعرف على شخصية محمد عبد الوهاب عن قرب, ولعلني أكشف سراً جديداً لعمنا نجيب محفوظ, بأنني من القلائل الذين تكلموا في حضرة شيخنا زكريا أحمد, وربما استحق جائزة الدولة التقديرية في علم الكلام, لأنني أجبرت عمنا زكريا أحمد على الصمت بعض الوقت. هناك ملاحظة أخرى على حديث عمنا نجيب محفوظ, وهي حول رأيه بأن المغنى ازدهر في عهد عبد الناصر, بينما الفكر تم قمعه بشدة لدرجة انه لم يكن له وجود على مسرح الحياة, وليسمح لي عمنا نجيب محفوظ بسؤال.. هل كانت روايات نجيب محفوظ مجرد فن, أم كانت فنا وفكراً في نفس الوقت؟ وهل تدخل في نطاق الفكر كتب لويس عوض وزكي نجيب محمود وسلامة موسى والشيخ محمود شاكر وأحمد رشدي صالح ومحمود أمين العالم؟ وهل كانت مسرحيات نعمان عاشور ويوسف ادريس وميخائيل رومان ورشاد رشدي وسعد الدين وهبة وألفريد فرج فنا فقط؟ أم أنها كانت تقدم فكرا حقيقيا إلى جانب الفن؟ وهل كانت كتب خالد محمد خالد وأحمد بهاء الدين وفؤاد مرسي واسماعيل صبري عبد الله هي فن مجرد ؟ أم كانت تمثل فكرا حقيقيا مع الفن؟ حتى كتب سيد قطب هل كانت فنا؟ سيقول البعض ان سيد قطب تم شنقه بعد ذلك, ولكنه بالتأكيد لم يشنق من أجل كتابه ولكنه شنق في قضية سياسية, كنت على استعداد للموافقة على رأي عمنا نجيب محفوظ لو قال ان الحركة السياسية كانت ممنوعة في زمن عبد الناصر, فلا تنظيم ولا حزب ولا جماعة تحمل فكراً يخالف فكر النظام والحكومة. وكل الكتاب والشعراء والأدباء الذين دخلوا السجن في عهد عبد الناصر لم يساقوا إلى السجن بسبب كتاباتهم ولكنهم دخلوا السجون والمعتقلات بسبب حركتهم السياسية, ولو كان عبد الناصر يحاسب الأدباء على انتاجهم الأدبي أو الفكري, لكان الأستاذ ثروت أباظة في السجن بسبب رواياته التي هي عمل فني وفكري أيضاً ولم يحدث ان تولى كاتب أو أديب عملية تشريح العهد الناصري كما فعل نجيب محفوظ نفسه, خصوصا ثرثرة على النيل وميرامار, ومع ذلك لم يمسه أحد ولكن حدث العكس, فقد جرى تكريم عمنا نجيب محفوظ بما يستحقه, ولكن لو كان نجيب محفوظ انضم إلى تنظيم حدش أوكدش أوحبش إلى آخر هذه التنظيمات الورقية لكان مصيره إلى السجن بلا جدال, حتى ولو كان من حملة جائزة نوبل, لأن نظام عبد الناصر كان يرفض أي غناء خارج السرب.. صحيح ان الفكر غاب عن أجهزة الاعلام المؤثرة كالتلفزيون, وكان شاحباً في الاذاعة إلا إذا استثنينا اذاعة صوت العرب لأنها كانت بمثابة منبر مستقل لا علاقة له بتعليمات الرقابة وكان يستمد نفوذه من مؤسسة الرئاسة, وليس لأي جهة ان تتدخل في عمله ولا حتى وزارة الاعلام. بعد هذه الملاحظات الكتاب هو لوحة فنية بسيطة وعميقة ورائعة لكاتب عالمي لم تلد مثله نساء العرب منذ جدنا عدنان. وبالرغم من وفديته الواضحة إلا انه قرر بأن الوفد انتهى بعد توقيع معاهدة 1936, وكان شأنه شأن المحامي الذي نذر نفسه للدفاع عن قضية معينة, فلما انتهت المحكمة من نظر القضية انتهى دور المحامي أيضا. وهو رأي شجاع من رجل لم يحاول اخفاء هويته الوفدية, وإيمانه بزعامة سعد زغلول باشا الذي لم تسمح له ظروفه برؤيته رأي العين, وأضحكني كثيرًا تعليق نجيب محفوظ على قصة الورقة التي وقعها مع توفيق الحكيم وثروت أباظة وعدد كبير من الأدباء والفنانين, والتي استنكروا فيها حالة اللا سلم واللا حرب, والتي أدت بنقل جميع الموقعين عليها إلى وظائف أخرى. وعندما جاءت سيرة نجيب محفوظ في حضرة السادات علق قائلاً: حتى الحشاش نجيب محفوظ وقع معاهم, وعلق عمنا نجيب محفوظ على تعليق السادات قائلا: من حق أي أحد ان يتكلم عن مسألة الحشيش دي إلا الرئيس السادات! أما الذي أزعج نجيب محفوظ جداً, فهي الاشاعات التي أطلقها البعض ضده بعد فوزه بجائزة نوبل, والتي زعمت انه حصل على الجائزة بسبب موقفه من كامب ديفيد وبسبب اعلان موافقته وتأييده لاتفاقية الصلح مع اسرائيل, وهي اشاعات ساذجة بالتأكيد, كما انها دليل على فقدان الثقة بالنفس, وكأنه ليس بين العرب من يستحق الجائزة إلا إذا كان عميلاً أو جاسوساً أو وافق على الصلح مع اسرائيل, أو قام بزيارتها وسجل زيارته في كتاب, وطبقاً لهذه النظرية الخنفشارية سيحصل كاتب مثل محمد مصطفى على جائزة نوبل في المستقبل القريب! لقد فاز نجيب محفوظ بجائزة نوبل, لأنه بانتاجه الروائي يعتبر بلا مجاملة أعظم روائي على ظهر الأرض الآن, وهو نموذج مشرف لكل مصري ولكل عربي ولكل ناطق بالعربية, وستبقى شخوصه التي خلقها في رواياته حية نابضة بالحياة, وسيبقى نجيب محفوظ حيا في تاريخنا إلى ان يرث الله الأرض ومن عليها. وكتاب (نجيب محفوظ) بعد ذلك يستحق ان يقرأه شباب هذا الجيل وشباب الأجيال القادمة, فهو تحفة فنية رائعة . وشكراً للأستاذ رجاء النقاش.