رغم جميع المكابرات, اقرت الادبيات السياسية التي صدرت مؤخرا عن الجانب العربي, بمناسبة مرور خمسين سنة على نكبة فلسطين, بأننا اي العرب- فشلنا, حتى الآن, في دحر المشروع الصهيوني, وأن ما نحصده الان في واقعنا الراهن هو ثمرة هذه الهزيمة . وحقيقة الامر انه لم يعد في الساحة من يشكك بهذه الحقيقة المريرة, وان كان ثمة خلاف في تحديد الاسباب التي ادت اليها, وحول الجهات التي تتحمل مسؤوليتها. بمعزل عن العصبية الأيديولوجية او القبلية القطرية, فإن التقييم الموضوعي يكاد ألا يخلي ساحة اي فريق او عقيدة او قطر من مسؤولية ما حدث. فالقومي والقطري, كما اليساري واليميني, والتقدمي والرجعي, والاصولي والعلماني, الى اخر ما في الساحة, كلهم مسؤولون بشكل او اخر عن سر هذا الفشل المريع في مجابهة المشروع الصهيوني. ومن يرصد حركة التغيير التي واكبت مسيرة الأمة العامة خلال القرن الماضي, وبخاصة نصفه الأخير, ومدى ما شهدناه من نقل للبنادق من كتف الى كتف, ومن ركوب لموجات المد وهجران لموجات الجزر, فإنه يؤكد بأنه لم يتفق العرب, منذ بداية الصراع, على استراتيجية واضحة ومحددة, وانما اعتبروا سياسة (ردود الفعل) دون ان يبادروا مرة واحدة الى القيام بفعل نابع عن قرار مستلهم من خطة استراتيجية ثابتة. ولعل القوى والفعاليات العربية, الرسمية, والشعبية, قضت معظم عمر هذا الصراع, في صراع داخلي, لعل حسمه- كان لدى البعض اهم من حسم الصراع مع العدو المشترك. وعند كل منعطف نصاب فيه بهزيمة, كانت تعلو صيحات النقد المتبادل, في محاولات يائسة لدى كل فريق لوضع اللوم على غيره. ولقد تحملت الفكرة القومية والقوميون الجزء الاكبر من عملية النقد التي وصلت الى حدود التشكيك بجدوى المشروع القومي من اساسه. وعلى الرغم من انه لم يفلح اي فريق بعد, بطرح فكره وتنظيمه (او نظامه) كبديل للمشروع القومي الا ان ذلك لم يخفف من الجراح التي اصابت هذا المشروع والمؤمنين به. ولعله من المفارقات المثيرة للحيرة ان نلاحظ ان معظم من اخذوا على المشروع القومي تقصيرا في الفكر او في الاداء, انتهوا الى حمل فكره والعمل على منوال انصاره. فاليسار الملحد والاسلامي السياسي لم يتقدما بجديد حقيقي حول عملية الصراع, غير اقحام بعض المصطلحات التي تعطي لونا لخطابهم السياسي ليميزوا انفسهم عن غيرهم. على الأقل هذا ما كان عليه الحال ولا يزال في الساحة الفلسطينية بالذات. فحماس على سبيل المثال, جاءت متأخرة ثلاثا وعشرين سنة, لترفع شعارات (فتح) ذاتها, واعتماد الكفاح المسلح سبيلا او حدا لتحقيق- نفس الهدف- وهو تحرير كامل التراب الوطني الفلسطيني ليس من حق احد الاعتراض على احد أو ما يرفعه من شعارات او يقترحه من وسائل او متى يتقدم للنزال, ولكن من حقنا ان نسأل عما استخلصناه من تجاربنا الماضية فلا نكرر مآسينا. وليس من المغالاة لو اعترفنا بأن الجميع ممن ساهموا في عملية الصراع يسكنون بيوتا من زجاج (ان عليهم ان يخشوا من قذف بعضهم بالحجارة) خصوصا في هذه المرحلة بالذات التي يعتبرها العدو (ربع الساعة الاخيرة) من كل عمر الصراع بينه وبين العرب. ولن نغوص اكثر في مستنقع الجدل الصاخب حول من اصاب ومن أخطأ, فكرا كان ذلك ام فصيلا, فهذه مسألة باتت في ذمة التاريخ ولابد من فوات ما يكفي من الزمن قبل الحكم فيها, حتى يكون الحكم عادلا. بدلا من ذلك, اقترح التقدم خطوة لدراسة نهج جديد بدأ يطل على الساحة الفلسطينية, ويجد رواجا ويستقطب من حوله العديد من الطلائع وجموع لايستهان بها من الانصار في الداخل كما في الخارج. وهذا (الجديد) الذي اشير اليه, لم يأت صدفة او بوحي سماوي, ولكنه من نتاج تجربة مديدة ومريرة, هى تجربة اهلنا من فلسطينيي الكيان الصهيوني. ولست بحاجة الى تمهيد تفصيلي لاشرح مسار الحياة العامة لأهلنا هناك والمراحل التي تجاوزوها من خلال نضالاتهم حتى وصلوا الى ما هم عليه الآن, ولعل أهم ما تجدر الاشارة إليه, انه بينما كان هؤلاء ينتظرون (الفرج) من الخارج, ويتعرضون في الوقت ذاته لجميع أنواع الكبت والقمع والارهاب, لم يتزحزحوا قيد أنملة عن تمسكهم بهويتهم الوطنية والقومية, وان كانوا أعجز من ان يرفضوا واقعهم وان يغيروه. وكيف لنا ان نتوقع منهم ذلك في الوقت الذي كانت فيه كل أمة العرب عاجزة عن احداث هذا التغيير. ولأن للحماية شروطها كي تبقى, وأحيانا هي شروط قاسية وظالمة, فإنه لم يكن أمام هؤلاء سوى خيارين: الهجرة من فلسطين واللحاق بمخيمات اللاجئين أو حمل الجنسية الاسرائيلية, وكان خيارهم هو البقاء, لا سيما وان ما كان يلقاه أهلهم في الشتات لم يكن يشجعهم على الهجرة واللجوء. وانقسموا في الداخل, كما انقسمنا في الخارج, بل يكاد يكون لكل فلسطيني في الخارج قرينه في الداخل والعكس بالعكس, مع فارق جوهري وأساسي انهم كانوا هناك في مجابهة يومية مع العدو الذي كان يكيد لهم بغير ما يكيد لنا, نحن الذين في الخارج. ومن شروط الحياة, ولو من أجل البقاء, كان لابد لأهلنا في اسرائيل من الانخراط في العمل السياسي والنضال اليومي لتلبية حاجاتهم وأوليات مطالبهم, ولا شك ان الحزب الشيوعي استقطب نخبة كبيرة من أهلنا إذا كان الحزب الوحيد الذي يمكنهم العمل من داخل اطاره دون تعرض مباشر لقوانين الدولة. ولكن هذه الحقيقة لا تنفي حقيقة أخرى وهي ان الانتهازيين هناك وجدوا في حزبي العمل والليكود مجالاً لتحركهم, وكان الحزبان أذكى من اغلاق هذا المجال في وجوههم بهدف كسب أصواتهم في معاركهما الانتخابية دون اية خشية لأن مطالبهم كانت ثانوية ولا تتجاوز المطالب والحقوق المدنية. بعد هذا التمهيد غير المفصل, يأتي الدور للحديث عن هذا (الجديد) في الساحة النضالية الفلسطينية, والذي يقوده بذكاء عزمي بشارة , الذي يمكن تصنيفه بأنه من جيل قيادي جديد, ومن نتائج تجربة معاشة للفلسطيني داخل الكيان الصهيوني. ينطلق عزمي ومن معه من السؤال: هل اسرائيل دولة لليهود أم للمقيمين فيها, يهودا أو غير يهود؟ ويلحق هذا السؤال بآخر, حول ما إذا كانت اسرائيل دولة ديمقراطية أم هي دولة عرقية تقوم على التمييز العنصري؟ ان تجربة عزمي بشارة ومعه أبناء جيله من أهلنا في الأرض المحتلة عام 1948 جعلتهم أشبه حالا بسود جنوب أفريقيا في عهد الأبارتايد, أي تجربة المضطهد عنصريا فوق أرضه, وهو لذلك ــ ومن معه ـ يحرصون على التمييز بين (المواطنة) الاسرائيلية وبين (الهوية) الفلسطينية العربية, ومن هنا فإنهم يطرحون قضيتهم من منظور رفض التمييز العنصر, بهدف كشف حقيقة اسرائيل. ويقول عزمي ان أمام اسرائيل ان تختار أحد موقفين, أما التمسك بحقيقتها العنصرية وبالتالي تكون صورتها على ما كانت عليه صورة الحكومة البيضاء في جنوب أفريقيا, وان ترضخ للمفهوم الديمقراطي فتتحول بالتالي إلى دولة ثنائية القومية والتخلي عن صهيونيتها. وقد لا يروق هذا التوجه لدى العديدين من أصحاب العقائد الموروثة والراهنة, عربياً وفلسطينيا, ولكن انحسار هذه العقائد خلال تجربة الخمسين سنة الماضية أفسحت في المجال للمزيد من الانفتاح على هذا التوجه. وعزمي ليس وحده الذي يسير في هذا التوجه, فهناك من بين المثقفين الفلسطينيين في الخارج, ولا سيما في الولايات المتحدة من يرعى نفس التوجه ويتبناه ويرى فيه مخرجا مفيداً لطرح القضية أمام المجتمع الأمريكي وفق مواصفات يفهمها وسبق له ان حدد موقفا منها. باختصار, لقد عشنا هذا القرن أو بعضه لنرى كيف تحولت قضية فلسطين من حركة تحرر وطني إلى حركة استقلال وطني إلى حركة مناهضة للتمييز العنصري. وتبقى الاشكالية التاريخية حول العلاقات بين الفكرة ومن سيترجمها إلى حقيقة مادية... ولكن ما يطمئن في النهاية ان الصراع لا يزال مستمرًا تحت مختلف الرايات والأفكار.. فهل يتسع الصدر لفكر جديد في الساحة!!