أحد الكتاب يتحدث عن ضرورة السفر فيقول: (انا لا أسافر لهدف معين, ولا يعنيني من السفر مكان بذاته, انا أسافر من أجل السفر, من اجل التغيير, الانتقال الى عالم آخر اتحرك فيه بحريتي وافعل ما يحلو لي) . وفي ظني فان الجميع عندما تنتابهم (لوثة) السفر, وتتحكم فيهم الى الدرجة التي لا يعودون قادرين فيها على وضع الأمر على الرف ونسيانه, فإن الذي يتقافز في دواخلهم هو رغبة التحرك لضفاف اخرى جديدة ينطلقون فيها بحرية ومتعة بعيدا عن عالم الهموم والمتاعب والاعمال. السفر يعني للكثيرين الحرية او التحرر بمعنى اصح من كل قيود الواقع وخاصة لهؤلاء المضغوطين تحت مطرقة العمل وسندان الضغوط والمشكلات, حتى صار الواحد منا لا يكتفي بان يعطي نفسه للعمل طوال اليوم, بل صار يأخذ العمل معه الى البيت او يأتي مساء ليكمل ما لم يستطع إكماله صباحا! هذا الانسان الذي صار يحمل مكتبه فوق رأسه صباحا ومساء ويدس أوراق عمله تحت اللحاف والوسادة, مطلوب منه ايضا ان يوازن بين متطلبات العمل ومتطلباته الاجتماعية والنفسية في ظل بيئة غير مساعدة تماما. ثم جاءت نعمة او نقمة التكنولوجيا لتزيد الضغوط وتضاعف حجم الاعمال بدل ان تفعل العكس. في حقيقة الامر نحن نحتاج الى لياقة بدنية ونفسية عالية في زمن يسحق كل دفاعات الانسان وطاقاته من اجل ان يمتص رحيق عافيته وقدراته الانتاجية, هذه اللياقة لا بد من البحث وعدم التخلي عنها لانها اصبحت حقا وليست ترفا على الاطلاق. اذا كانت بيئة الضغوطات التي تعيش فيها لا تتيح لك متعة الراحة والتحرر فابحث عن راحتك فذلك وقودك لحياة طويلة, وانس تماما ان هناك عملا واعباء ومتطلبات, لانك في النهاية انسان قابل للسقوط والنهاية تحت مطارق واقع يتحرك مسرعا وكأنه يرتدي احذية من ريح! ولن تستطيع مجاراته ولن تستطيع ايقافه ولكنك تستطيع ان تهرب من وجهه برهة من الزمن قصير, يتلاشى في الزمن الضخم الذي يسحقنا على امتداد العمر دون ان نشعر به. اعرف اشخاصا يفضلون ـ حين يسافرون ـ مدنا غريبة لا يقبل الناس على السفر اليها كثيرا, حيث يتنقلون بحرية واستمتاع ورضى وسط عالم لا يعرفونه ولا يعرفهم, هناك حيث لا يرون وجوها اعتادوا عليها او لغة اعتادوا التحدث بها, هناك سيأكلون طعاما آخر, وسيشاهدون حياة اخرى, وسينسون تماما عالمهم الذي جاءوا منه, وهم بذلك يؤكدون شعورهم بالراحة التامة التي تعيدهم لواقعهم مرة اخرى مشحونين بطاقات خلاقة وروح مفعمة بالرضى والسعادة. البحث عن الراحة حلم الكثيرين من الناس, لكن للأسف فان عددا قليلا من هؤلاء هم الذين يعرفون طريقهم للوصول اليها, واليوم او غدا عندما تفكر في الراحة او السفر فعليك ان تفكر الف مرة في هذا السؤال: لماذا أسافر؟ وماذا أريد من هذا المكان الذي أشد اليه رحالي, وانفق فيه كل هذا القدر من الوقت والجهد والمال؟