موافقة المتحدث باسم رئيس الوزراء الاسرائيلي, ديفيد بار ايلان على ما صرح به بوضوح وبدون وجل, من ان القمة الثلاثية التي عقدت مؤخرا في القاهرة ستنتهي إلى طريق مسدود , وهو ذات ما ألمحت اليه سوريا, بوجل أو حذر, أو على الاقل بدرجة ادنى من الصراحة, وذلك تحاشيا لان تتخذ أية بادرة نقد موضوعية من جانبها ذريعة لافشال القمة العربية الموسعة واقامة تنسيق عربي آخر, وافشاله بالذات من قبل بعض الجهات العربية التي تبحث جادة عن مثل هذه الذريعة. ولعل الفارق بين الحذر السوري والجرأة الصهيونية في اعلان ذات الحكم الموضوعي على القمة الثلاثية, هو بحد ذاته الدليل الادل على عدم نجاح تلك القمة, فأي قمة تلك, وماذا يتوقع منها لصالح العرب, ان كان فيها من سيغضب من الشقيق العربي ويدير له ظهره في مثل هذا الظرف العربي الصعب لسبب أو ذريعة لا تغضب احدا ولا تؤثر على أي ود ان صدرت عن العدو الصهيوني الذي يفترض ان هذه القمة عقدت لمواجهته, تلك هي بداية القمة وعنوانها: سوريا تبحث عن الرضا أو تحاول ان لا تتسبب في تبرير اعلان فقدانه علنا, واسرائيل يتم البحث عن رضاها مهما فعلت ويحق لها ما لا يحق للاخ والشقيق والحليف. ولنستعرض المحاور الستة التي جرى بحثها في القمة الثلاثية, وما اذا كان مؤملا لهذا البحث ان يخرج بنتيجة ايجابية ضمن الظروف والمعطيات التي نعرفها جيدا, ونبدأ بالمحور الاول وهو المبادرة الامريكية وسبل تفعيلها, وبالنسبة للشق الاول وهو القبول العربي بهذه المبادرة, فهو بحد ذاته خسارة عربية وتفريط عربي, خاصة بعد التهليل الضخم الذي صاحبها والذي ساهم العرب في بنائه بشكل رئيسي بحيث بدت وكأنها الحلم المأمول والعدل الموعود والمولود العزيز الاقرب إلى الطفل المخلص الذي طال مخاضه, فبعد هذا الحبس الطويل للانفاس الذي أعد له نتانياهو بعلم وتخطيط خبيث واع, وساعد عليه العرب بجهل منقطع النظير, ستأتي تلك الزفرة الامريكية المستقلة بثاني اكسيد الكربون, وكأنها تنهيدة الراحة الموعودة, ويحق للعالم ـ ومنه اسرائيل ـ ان يستريح, ويتوجب علينا نحن ان نريحه من لجاجتنا, فقد تحقق لنا ان تعيد اسرائيل نشر قوات احتلالها خارج, بل حول, ثلاثة عشر بالمائة من اراضينا المحتلة عام 67 فقط ـ دون ما احتل قبلها ــ وفي وضع يتيح لها اعادة الدخول إلى تلك الاراضي حسب نصوص أوسلو ذاتها وحسب اتفاق الخليل الذي اعطى اسرائيل وحدها حق متى وأين وإلى أي حد تطبق (إعادة الانتشار) هذا حسب متطلباتها الامنية التي تحددها ايضا هي وحدها. اوسلو والخليل أما بالنسبة للشق الثاني من المحور الاول على جدول أعمال القمة, والمتعلق (بسبل تفعيل هذه المبادرة) فان افتراض ما يستحق القبول في تلك المبادرة لا يوازيه جهلا أو خداع ذات سوى افتراض ان هناك أية وسيلة (لتفعيل) هذه المبادرة ما دامت امريكا تعلن بوضوح انها لن تمارس اي ضغط على اسرائيل, اللهم الا أن تستغل لهفة الزعماء العرب على (تفصيل) هذه المبادئ لاستخلاص المزيد من التنازلات العربية المبدئية والتاريخية, تماما كما حدث في اتفاقية الخليل وبذات الرعاية والهتافات الامريكية وذات الوساطة العربية عبر ذات القيادات العربية التي تدخلت وتوسطت في ماسمي (بأزمة) المفاوضات حول الخليل, لتستعمل ما تسميه (بثقلها) لدى اسرائيل وأمريكا لحل (أزمة) إعادة الانتشار أو مفاوضات الحل النهائي!! أما المحور الثاني الذي جرى بحثه في القمة الثلاثية وهو فرص عقد القمة العربية وسبل تفعيل التضامن العربي, فإن مجرد عقد هذه القمة الثلاثية في حين أن المطلب الشعبي العربي, والحاجة السياسية الواقعية, تتمثل في عقد قمة شاملة, مجرد عقد هذه الثلاثية هو ضرب لهذا الشمول واعتراف بغياب التضامن في حده الأدنى, لأنه بداية سلسلة عمليات الاستبعاد وإذا كانت سوريا هي التي استبعدت الآن فالمتوقع أن تعقد قمة أخرى مصغرة تستبعد الأردن بالذات وتضم سوريا والسعودية وقد يليها قمة تستبعد العراق إلى جانب غيره .. فدعوات الاستبعاد, المتبادلة في الأغلب ومحاولات الابتزاز عن طريق تهديد ضرب التضامن العربي في ظرف تزايد الحاجة اليه لدرجة غير مسبوقة في تاريخ التسوية السلمية على الأقل, هذه الدعوات ومحاولات الابتزاز معروفة للقارئ العربي بعناونيها وتفاصيلها وشخوصها لدرجة لاتحوجنا لشرحها أو حتى التذكير بها. أما المحور الثالث فهو الأوضاع المتردية في الأراضي العربية المحتلة, وهذه الأوضاع ناتجة عن أمرين: أولهما ممارسات سلطات الاحتلال المتراكمة والمتجددة والتي دمرت البنى التحتية وادت الى تراجع هائل في الخدمات الأساسية وتدهور الاقتصاد الفلسطيني وغياب ضرورات الأمن والاستقرار في حدها الأدنى, وثانيهما القمع الذي بدأ يحسه الشارع الفلسطيني بتزايد بعد أن ساهمت السلطة الفلسطينية في حرمانه من التصدي للمحتل ورضيت بتسمية نضاله المشروع هذا ارهابا بل وشاركت في نزع سلاحه البسيط وتدمير بنى المقاومة وتنظيماتها وملاحقة ومعاقبة المنتسبين إليها, وهذا هو ما يخيف السلطة الفلسطينية أكثر من تدهور الأوضاع المعيشية والاقتصادية وأوضاع الحريات العامة, فلو ان الأخيرة كانت تعني السلطة لحدت على الأقل من استشراء الفساد الداخلي إلى الحد الذي أدى إلى أزمة ثقة بالحكومة وشد حبال بينها وبين المجلس التشريعي وهذه الأوضاع لن تحلها القمة العربية الثلاثية لأنها - بشقيها الآتي من حصار المحتل وسياساته والآتي من سياسات السلطة الفلسطينية - من ضمن النتائج المباشرة لاتفاقيتي أوسلو ووادي عربه اللتين وضعتا الشعب الفلسطيني في حالة حصار وعجز وهيأت لظروف الاستفراد بأكثر من وسيلة, والقمة الثلاثية تضم اثنين من الزعماء العرب لن يقبلوا الزحزحة قيد أنملة عن أوسلو أو وادي عربه, ولا يملكان مثل هذا لان الاتفاقيتين ارتبطتا الآن بوجودهما ووسمتا خطهما السياسي الى الأبد بسمتيهما. وبالنسبة للمحور الرابع وهو القدس والخطة الاسرائيلية لتهويدها فإن مجرد اضافة أن هذا التهويد سيتم عن طريق (تنفيذ المشروع الاسرائيلي لتوسيع حدود بلدية المدينة في إطار مشروع القدس الكبرى ) - حسبما جاء في نص بيانات القمة الثلاثة - هو بحد ذاته دليل على هروب من المشكلة, فالتهويد لم يبدأ بمشروع ضم بلدية جديدة أو مستوطنة جديدة للمدينة, والقدس الكبرى لم تبدأ بإضافة أراضي تلك المستعمرة إلى المدينة المقدسة. بل ان مشروع القدس الكبرى والذي يهدف الى مصادرة القدس القديمة بالذات وجعل (المدينة المقدسة) عاصمة إسرائيل قد بدأ منذ زمن وهنالك مواقف عديدة للمشاركين في القمة. بشخوصهم في الأغلب أو جر دولهم أحيانا - مهدت وسهلت لهذا التهويد بطريقة أو بأخرى, وبدون الغوص في النوايا فإن مجرد طرح الحقائق المجردة في صيغة أسئلة وليس أجوبة كافٍ لوقف أي أملٍ كاذب في مساعدة القمة الثلاثية على تحريك شعرة واحدة في رأس نتانياهو المتعنت في قضية القدس بالذات, وبعض هذه الاسئلة - بعضها فقط - يقول ماذا عن أول زيارة قام بها رئيس عربي هو السادات للقدس بالذات مما اعتبر اعترافا بكونها عاصمة اسرائيل في لحظة اعترافه بإسرائيل وحقها في الوجود, بل وحقها في علاقات طبيعية وودية مع العرب؟ وماذا عن تأجيل السلطة الفلسطينية النظر في موضوع القدس في اتفاقية أوسلو إلى المرحلة النهائية وتقديم كل ما أرادته اسرائيل قبل ذلك دون الالتفات الى أهمية الأوراق التفاوضية في اللعبة النهائية؟! وماذا عن غض الطرف أو خداع الذات في كل مرة تصرح فيها اسرائيل على لسان زعمائها من العمل والليكود وحتى أثناء أوسلو وعند إعلانها وبعدها مباشرة, من ان القدس الموحدة ستظلل عاصمة (أبدية) لاسرائيل وان بالانسحاب منها أو اقتسامها (حلم) لعرفات, كما صرّح زعماء العمل الذين وقع معهم أوسلو, وبأنهم غير مسؤولين عن تحقيق (أحلامه) ؟! وماذا عن عبارات تتردد في خطابات الملك حسين, ولا تقدم لها أية تفسيرات مقنعة من أية جهة أردنية رسمية, من مثل أن (لاسيادة على القدس إلا لله) - وهل تنازع الدول الله - سبحانه - في سيادته على الكون حين تعلن سيادتها على حدودها؟! - وان للشعب الفلسطيني الحق في دولة عاصمتها (في القدس) ولماذا الإصرار على (في) هذه منذ لحظة إطلاقها قبل عام ونصف ورغم كل الضجة والاعتراض التي أثارتها داخل الأردن وخارجه في العالم العربي؟! وما علاقة القدس الكبرى بهذه الـ (في) وكما نعلم جميعا وكما أثبت الواقع, ومنه ضم المستوطنة اليهودية الجديدة للقدس بجرة قلم وبقرار اتخذ في لحظة, فإن حدود القدس الكبرى مطاطة جدا, فهل يتم ضم مناطق جديدة للقدس بجرة قلم أخرى وهل إذا أعطيت بعض هذه المناطق للفلسطينيين كعاصمة تصبح عاصمتهم (في القدس) ؟؟ وكما قلنا هذه بعض الاسئلة التي يجب أن تطرح على القادة الثلاث قبل الخوض في موضوع القدس, إن كنا نريد فعلاً نتائج عملية لهذا الخوض أو نتوقع نتائج ايجابية له!! اما المحور الخامس, وهو التحركات العربية والدولية في مواجهة الاجراءات الاسرائيلية غير الشرعية, فإن مجرد العودة الى قرارات قمة القاهرة السابقة والتي تلت اقامة مستوطنة أبوغنيم, والتذكير بأن قيادتي مصر والاردن أعفيتا انفسهما من وقف التطبيع مع اسرائيل بعد ان أوصى المؤتمر به لبقية العرب, بحجة انهما وقعتا اتفاقيات سلام ــ وما علاقة السلام بالتطبيع, وألا يعتبر اقامة المستوطنة خرقا للاتفاقايات السلمية! والتذكير ايضا بأن الاردن بالذات عاد وأكد رفضه لوقف التطبيع مع اسرائيل كهدف لمؤتمر عربي موسع.. بعد هذا ماذا تتوقع الزعامات المجتمعة في القمة من زعماء العالم في سبيل الضغط للتصدي لاسرائيل, خاصة اذا كان العالم يعرف اننا نطبع مع اسرائيل ونحن نتضرر, بل ونُهان, بينما لو اوقف هذا العالم ايا من تعاملاته مع اسرائيل فهو المتضرر آنذاك؟ اما المحور السادس, وهو (خطوات التحرك في العالم الاسلامي وعلى نطاق دولي والاعداد لعقد اجتماع لجنة القدس المنبثقة عن المؤتمر الاسلامي) فإن التعويل على مؤتمر اسلامي وصل به الامر قبل سنوات قليلة لإعلان وقف الجهاد لتحرير الاراضي المقدسة لا يبشر بخير في قضية آنية ملحة لتهويد القدس وضمها, وبالرغم من بشائر الامل المحدود التي لاحت في قمة طهران, فلابد من ربط تلك القمة ونجاحاتها الظاهرة بأكثر من سبب غير ظاهر, منها رغبة ايران في تحصين نفسها ضد حملة امريكية ــ غربية كانت قد بدأت بقوة ورغبتها في تسويق ذاتها كقوة اقليمية من جهة, وكقوة بدأت تميل للاعتدال من جهة اخرى لدى الغرب ولدى أمريكا بالذات, وقد كان لهذه الرغبة وللذكاء الذي خطط به لتنفيذها اثر كبير على ما بدا من نجاح قمة طهران, فهل بقي من تلك القمة ما يكفي لإنقاذ القدس بعد حسم كافة الفواتير الفردية العربية والاسلامية الخاصة بدول المؤتمر. ثم قبل الخوض بجدية وجدوى نتائج اجتماع القدس, لننظر أولا في جدية وجدوى السعي لعقد ذلك الاجتماع كما توحي به أوراق وبيانات القمة الثلاثية. فالقمة تحدد (خطوات التحرك) ــ ولم تدخل فورا في التحرك ذاته ــ (في العالم الاسلامي وعلى نطاق دولي) ــ وما شأن النطاق الدولي باجتماع تعقده دول العالم الاسلامي ضمن تنظيم خاص بها؟؟ ــ و(الاعداد لعقد اجتماع لجنة القدس) ــ والاعداد قد يأخذ زمنا يشمل آي نشاط وكان الاجدى ان تستعمل كلمة (الدعوى) أو (الطلب) ان اريد التحرك المباشر ــ وكل هذه كلمات منتقاة لصيغة تهدف الى شراء الوقت وليس سباقه كما يُحتم وضع القدس الخطير الآن, وتهدف الى تسهيل التملق وليس الى الالزام كما يوجب وضع القدس الآن. لسنا متشائمين, ولكننا نفرض ان نخدر بتفاؤل غير مجد, ونرفض بالذات ما نعتقد انه اضاعة للوقت فيما لا يجدي وحين يكون الوقت بالذات احد عوامل الحسم, ولا نسحب حكمنا على الآتي ليشمل اي تحرك عربي قادم, فهو حكم على القمة الثلاثية فقط نابع من بنيتها والمعطيات التي تعمل ضمنها, واذا تم تنسيق عربي آخر, وهو ما نأمل ان يتم وبسرعة وبصورة موسعة ان لم تكن شاملة, فالحكم يكون بالمقدمات وبالشخوص وما تدل عليه من نتائج متوقعة. فالسياسة, والسياسة الخارجية بالذات لما لها من ارتباطات دولية وحسابات لا تخضع لموازين دقيقة سبق اختيارها, لا تسمح بالمفاجآت, وقوامها الفعل وليس القول... وكل ما نحاول بيانه هنا في هذا التقييم لقمة أخذت من الدعاية المحلية في الدول التي شاركت فيها أكثر مما اخذت من الاهتمام الدولي الجاد, هو اننا كشعوب عربية ما عدنا نحلم بتغيير لا نرى شيئا من مقدماته. ولكن حاجتنا الماسة للتغيير تجعل لزاما علينا ان لا ندعي اننا فوجئنا بفشل مؤتمرات قمة مثل هذه, ولا ان نفقد الامل بمؤتمرات قمة غير هذه.