قام الاستاذ محمد حسنين هيكل بالقاء محاضرة في السابع والعشرين من الشهر الماضي في بيروت في نقابة المحامين اللبنانين حضرها حشد من الرسميين والمثقفين قل ان يجتمع مثله في مثل هذه الايام لسماع محاضرة , وفي ظني ان ذلك الحشد الذي حضر شده الى حسنين هيكل اكثر من سبب, اولها هو نستولوجي شعور الحنين الذي لايزال عالقا في ذاكرة الكثيرين عن شخص هيكل نفسه, عندما كان ممثلا لمرحلة عربية قام فيها بدور الناطق الرسمي باسم السلطة السياسية المصرية لقربة من الرئيس جمال عبدالناصر والذي لم يكن احد في الغالب الا ويريد ان يستمع الى مايقوله, وثانيها ان الرجل قد ظل بعد ذلك الفراق مع السلطة في بلده مؤثرا فيما يقول خاصة وانه اختار ان يقول عكس ما هو سائد, والناس عادة تريد ان تسمع الرأي الاخر حتى لو لم تكن مقتنعة به, فأصبح بذلك رجلا ومؤسسة في آن وثالثا فان النقابة البيروتية, هي نقابة محامين اختارت على الطرف الاخر ابرع الصحافيين اللبنانيين لحوار مع الاستاذ هيكل فكان لاستاذ غسان تويني صاحب النهار وايضا صاحب الرأي المستقل. لهذه الاسباب وربما لغيرها احتشد الكبار والمهتمون من الاخوة اللبنانيين في مساء ذلك اليوم في بيروت التي تكاد تقترب من تنفس الهواء الاكثر ملامسة الى قلبها وقلوبنا هواء الحرية بعد ان لوثته طويلا حروب المتاريس وجراح الحرب الاهلية الدامية ونتائجها الكارثية, اجتمعوا ليستمعوا الى الاستاذ هيكل واقواله. وقد نشرت المحاضرة وبعض من لقاءات صحفية في صحف بيروت بعد يومين من القائها ثم تلا ذلك نشر اللقاء مع الاستاذ هيكل في واحدة من صحف الخليج, كما ان المحاضرة بثت من احدى المحطات التلفزيونية العربية ذات الارسال الدولي. وقد لفت نظري ملاحظتان اساسيتان الاولى ان العديد ممن اعرفهم قد تحدث عن المحاضرة مادحا او قادحا معتمدا على ما شاهده في التلفزيون ولم يكن قرأها كنص, والملاحظة الثانية ان احدا من المعلقين في صحفنا الخليجية لم يعن له التعليق عليها رغم ما جاء بها من اشارات جديرة بالمناقشة حول مستقبل الخليج استراتيجيا. وقد قام كاتب هذه السطور ليس بقراءة النص فقط, ولكن بقراءة المقابلات الاخرى التي منحها الاستاذ هيكل لبعض الصحف البيروتية واثارت في داخلي العديد من الانطباعات, فمن ناحية الشكل فان الاستاذ هيكل نفسه شخصية عربية مثيرة للجدل, قد لا يتفق البعض مع بعض مايقول او كله, وقد يقبل البعض الآخر كل مايقوله او جله, الا انه شخصية لا تحب الكثير من المعارضة, فعلى سبيل المثال يشترط ان تكون الاسئلة في المحاضرات العامة التي يدلي بها مكتوبة لا شفاهية حتى يختار منها ما يحب الاجابة عنه ويهمل الباقي دون ان يستطيع احد ان يحاسبه على هذا الاهمال وهو قد ينسى الكثير ولكنه لاينسى النقد, خاصة ان اعتبره سلبيا, وهو في ذلك ليس استثناء من طباع الشخصية العربية بعامة, ولا من شخصيات الكبار بخاصة حتى ننصفه ونقول الحق في الوقت نفسه. اعتمادات المفارقات يعتمد الاستاذ هيكل على المفارقات في كتاباته وهي ميزة قد طبعت مايكتب منذ زمن فهو يقارن للقارىء بين الابيض والاسود, بين الصحو والغيم, وبين الغياب والحضور وبين الغضب والتوجس وذلك كما يقال من اجل اضاءة النص وابهار القارىء او المستمع ولعله اكتشف تلك الخاصية او توصل اليها بالخبرة الطويلة, حيث ان العقل العربي يعشق امثال هذه المتناقضات ويطرب لها, والثقافة العربية تتعلق بصفات التضخيم او التحقير وبعد ذلك يؤمن المستمع او القارىء بما تقود له هذه المفارقات الكلامية من اهداف حتى ولو كان هذا التعلق مؤقتا. ولم يكن بعض حضور المحاضرة او المناقشين خاصة المحاور الرئيسي الاستاذ تويني, ولا بعض الصحفيين اللبنانيين النابهين الذين علقوا على المحاضرة كسمير قصير وجهاد الزين قد فاتتهم قفزات الاستاذ هيكل على بعض الحقائق الموضوعية, فنوهوا عن تلك المفارقات فيما كتبوا وان جاء التنويه رقيقا متحفظا على خلفية مجاملة المضيف للضيف, وهي مجاملة تتوجب الرفق, والاكتفاء بالدلالات دون التخصيص. بعد هذه المقدمة التي اشعر انه لابد منها وبصرف النظر عن اتفاقنا او خلافنا مع الاستاذ هيكل فيما يطرح, فهناك قناعة لا تتزعزع ان من حق الاستاذ هيكل ان يقول كل ما يريده وما يتصور انه حقيقة ومن حقنا في المقابل ان نعلق ونناقش, وليس بالضرورة ان كل ما يقوله الاستاذ الكبير خاطىء, ذلك مالا ندعيه, ولكن ليس بالضرورة ايضا ان جل ما يقوله صحيح لا يأتيه الباطل من بين يديه او من خلفه, فذلك قطعا ما لا يدعيه, ان بعض ما قاله من حقنا ان نناقشه لاهميته من جهة, ولانه يعنينا هنا في الخليج بشكل مباشر من جهة اخرى, ولانه قول صدر قبل ذلك من الاستاذ الكبير. اما من ناحية الموضوع فان قصة المحاضر نفسها تبدأ حين طلبت نقابة المحامين اللبنانيين من الاستاذ هيكل الحديث في موضوع (حقوق الانسان) ولكنه اقترح موضوعا اخر هو (خطوة ممكنة في مستقبل ممكن) ثم تحدث في موضوع ثالث (تأثير السباق النووي في شبه القارة الهندية على الخليج) ولاينكر منصف عليه حق تعدد الخبرات كما لاينكر منصف مما يتمتع به الاستاذ من احاطة في الشأن العام السياسي وان فات عليه في خضم نظرته الى الشأن الاكبر بعض الحقائق الصغيرة كقوله ان مجلس الامن منذ ان انشيء قبل نصف قرن تقريبا قد شكلت عضويته الدول النووية, والكل يعرف ان معظم الدول وقتها في مجلس الأمن لم تكن كذلك. ففي أعقاب الحرب العالمية الثانية لم تكن البشرية قد شهدت استخداما نوويا غير ذلك الذي حدث عمليا على مدينتي هيروشيما ونجازاكي. ولكن فلسفة المجلس وقتها كانت تجمع الدول التي انتصرت في هذه الحرب والتي رأت أن من حقها تقرير مصير العالم. ولكن الذي أثار دهشتي ان يطل من ليل بيروت على بحر الخليج متجاهلا الواقع العربي المحيط به, متحدثا عن واقع افتراضي لم يحدث بعد وعن مخاوف بعيدة, مديرا ظهره لكل الكوابيس العربية القائمة, فقد تناسى بذور تلك الحرب الأهلية الشعواء التي مازالت نتائجها تحصد في البلد الصغير لبنان, ومتناسيا حربا أهلية غير مسبوقة في الجزائر وفي السودان متخطيا قضايا عربية ساخنة, ربما لان الحديث في بيروت حول الحروب الاهلية او احوال وحقوق الانسان قد يفهمها بعض الجيران الاقرب او الابعد انها موجهة لهم, وفي ذلك احراج للضيف والمضيف, فالهلال الخصيب مخصب بانتهاكات حقوق الانسان, التي افردت لها جريدة الاوبزيرفر اللندنية ــ وفي اليوم التالي للمحاضرة يا للمصادفة ــ صفحات طويلة مليئة بأدلة الادانة, كما ان الحديث عن الخطوات الممكنة في مستقبل عربي قد يفهمها من يستمع الى الاستاذ هيكل على ضفاف النيل على انها موجهة له, وفي ذلك احراج لا يريده ولا يرغبه الاستاذ, فليكن إذن الحديث عن الخليج مباشرة هو المخرج, فلا حرج فيه للقائل ولا حرج فيه لأهل البيت المضيف, اما المقصودون فهم بعيدون, وليكن الحديث عن الامور الاخرى تلميحا يستطيع الاستاذ في وقت لاحق ان يقول انه فهم خطأ فيما ذهب اليه. تركز قلق الاستاذ هيكل على السباق النووي الباكستاني ــ الهندي ليس فقط بسبب انتشار الاسلحة النووية خارج حظيرتها وليس فقط تخوفا من العصر النووي, وليس التخوف من حرب نووية هندية ــ باكستانية لا تبقي ولا تذر, ولكنه قلق من التأثير السياسي للقوة النووية في شبه القارة الهندية وبالذات على الخليج, فكما قال: (ان انبهار الهند وباكستان بقوتهما النووية سوف يسحب الطرفين او يفرض عليهما طرقا او فتح ابواب يرونها مؤدية الى ما هو مطلوب, وأول المطلوب باب يمكن الدخول منه للحصول على الموارد المطلوبة للتمويل او بعضها, والثاني باب يمكن ان يؤدي الى مجال تمارس فيه الهيبة السياسية النووية دورها, والباب الثالث يمكن ان يقود الى ترتيبات اقليمية تناسب وتساعد على تعظيم المكانة النووية الجديدة) . دواعي هيكل والدواعي التي يراها الاستاذ هيكل مغرية للطرفين الهندي والباكستاني لمحاولة ولوج الابواب الثلاثة ــ حسب تعبيره من باب الخليج كما رصدها هي ان منطقة الخليج تمتاز بأنها: 1ــ مصدر معبأ بالموارد للتمويل او لنصيب كبير منها. 2ــ مجال قريب وجاهز بالجوار والقرب لممارسة التأثير والنفوذ. 3ــ ساحة فيها وحولها وفي كل الاتجاهات ــ عناصر مواتية لخطط او ترتيبات لخطوط مواجهة او مواجهات سياسية جديدة. 4ــ فضاء مكشوف بالموقع, وفراغ في التركيبة البشرية تفتح ثغرات للنفاذ. 5ــ ثم تبقى حقيقة أخيرة انه ليس هناك أبواب اخرى للتسابق الى طرقها او فتحها, لانه اذا اندفعت الهند شرقا تصطدم بالصين (وهي عدو رئيسي متفوق) واذا اندفعت باكستان في نفس الاتجاه تصطدم بالهند (وأسلحتها النووية اكثر) واذا اندفعت البلدان شمالا فهي أصقاع روسيا وجنوبا فهي مياه المحيط. إذن فهو الخليج على وجه التخصيص والتعيين.. لا فض فوك أيها الاستاذ ومات حاسدوك, على هذا الخيال الخصب الذي يمتلىء بالتناقضات رغم بلاغته, ففي نفس المحاضرة يتحدث الاستاذ للتدليل على ما ذهب اليه ان العرب (وربما يقصد أهل الخليج) قد قدموا مساعدات مالية لباكستان من اجل انتاج السلاح النووي, وان ذو الفقار علي بوتو قد اعدم لهذا السبب (حتى يختفي سر المشاركة العربية في القنبلة الاسلامية الى الابد بظن ان القبور هي أكفأ خزائن الصمت) ولكنه يعود فيقول انهم اي العرب ساعدوا ايضا ضياء الحق من بعده, فأين اختفاء السر؟ وفي مكان ثالث يقول (ان الولايات المتحدة قامت بابلاغ الحكومة الباكستانية بما نصه انه في حالة ظهور ادلة على تعاون نووي باكستاني مع اي طرف عربي فان الولايات المتحدة سوف ترى نفسها مضطرة الى توجيه ضربة مباشرة وسريعة ومؤلمة للمنشآت النووية الباكستانية) . وهكذا يضعنا الاستاذ في حيرة أمام هذه النصوص الثلاثة المتناقضة, فهل يعني اعدام بوتو التساهل مع ضياء الحق؟ وهل يعني ان الولايات المتحدة لم تعثر على دليل على (مساهمة عربية) في البرنامج النووي الباكستاني حتى الآن, فاكتفت بهذا التحذير العام؟ ام انها ان انها وجدته وعرفته كما عرف به الاستاذ ــ كما قال في المحاضرة ــ ولم تفعل شيئا, حيث ان تهديداتها غير جادة؟ وكيف يستقيم إعدام بوتو بسبب هذه المساهمة, ويأتي ضياء الحق فيكمل المشوار؟ تلك بعض الاسئلة وليس كلها التي يرغمنا النص مجبرين على طرحها. نعود الى التيمة الرئيسية للمحاضرة فالاستاذ هيكل يرى ان التوجه للسباق النووي في شبه القارة الهندية يضع الخليج (امام ضغوط تتضاعف اثقالها مرتين, مرة بنقص الموارد, ومرة بتزايد وحشة الجو المحيط بالمنطقة, وفيها عراق غاضب, وله الحق في الغضب, وفيها إيران متوجسة, ولها الحق في التوجس) , لذلك يصل تحليل الاستاذ الى القول ان هذه الضغوط (.. لن يخفف منها ظل البوارج الحربية..) وما العمل إذن؟ هل هو التوجه الى (قلب الأمة العربية) كما يشير اليه الاستاذ وهو قلب وبكلمات الاستاذ (.. قد تخلى عن دوره التاريخي في العلم وفي الثقافة والفنون, وراح يقدم نفسه الى جناح (أمته) الشرقي بائعا للأمن والحماية, ثم ان الجناح الشرقي تقدم لقلب الأمة مشتريا, هذه العلاقة بين بائع ومشتر راحت تتراجع من المستوى القومي الى المستوى الوطني الى المستوى العائلي الى المستوى الشخصي أحيانا..) . الانفلات من التحليل في التعليق الاخير تظهر حدة الانفلات من التحليل الموضوعي الى الاشارات الخاصة جدا, والتي لم يستطع الاستاذ الكبير الا ان يقع معها في خطأ التصغير للقضايا الكبرى وربما لاغراض ذاتية بحتة الا ان اشارة (ظل البوارج) تقودنا الى تصريح اخر لقد طوف الاستاذ هيكل في محاضرته بقضايا عديدة بطريقة عابرة فقد استغل نظرية الواقع الافتراضي مرة اخرى ليربط بين الضعف السياسي لـ (قلب الامة) والتخوف غير المنطقي من ولوج القارة الهندية الى الخليج من الابواب الثلاثة فقط لانها ملكت السلاح النووي وكأن من يملك هذا السلاح يستطيع باشارة منه ان يركع العالم. لقد ناقشنا منذ مدة وقبل اشارات الاستاذ ما يعنيه لنا في الخليج السباق النووي في شبه القارة الهندية وما يمكن ان يمثله من اخطار بيئية في الاساس ولكن ليس من العقل ان نتناسى ان هناك مصالح عالمية لا تتيح لكل من ملك سلاحا فتاكا ان يفرض هيمنته السياسية على اي منطقة يريدها خاصة اذا كانت هذه المنطقة هي الخليج, والمثال واضح فرغم ملكية اسرائيل لسلاح نووي لم يخضع العرب ومازالوا يقاومون وقد استعصت منطقة مثل جنوب لبنان على القنبلة النووية الاسرائيلية حتى الان كما لم يستطع البيض في جنوب افريقيا ان يحتفظوا بالسلطة فقط لانهم امتلكوا (القدرة النووية) اما ان اردنا ضرب المثال من كلمات الاستاذ فقد قال وفي المحاضرة نفسها (ان واشنطن لم تعد تسمح للاعب مهما بلغ ولعه بالقمار السياسي ان يواصل اللعب بمنطق تعويض الخسارة) اليس في ذلك اجابة عن تساؤله السابق, ان قررت القارة الهندية ــ حسب رأيه ــ ان تولع بالقمار السياسي؟ اما النقطة الاخيرة التي كان بودي ان يفسرها الاستاذ هيكل فهي عبارته عن (عراق غاضب ومن حقه ان يغضب) فهو لم يفسر لنا سر غضب العراق... هل هو غاضب منا ام من نظامه ام من المجتمع الدولي؟ واذا القينا العتب على انفسنا كعرب فهل نما الى الاستاذ هيكل ان بلدا عربيا استباح العراق واغتصب فتياته وشرد اهله, وطرد ثلاثة ملايين عراقي خارجه وحرق آبار نفطه ام ان ذلك بعض نتاج الدكتاتورية المنغمسة بترياق القوة الفظة في بغداد التي كان حريا بالاستاذ الاشارة اليها مباشرة في محاضرته, لقد تهرب اكثر من مرة من تسمية الاشياء بأسمائها متعللا بانه لا يريد ان يذكر اي اسم كأنه يظن ان كل تلك التحليلات السياسية التي يؤكدها يمكن ان تدور وسط الفضاء المجرد. ولعلنا نلاحظ انه قد عاد الى ذلك الامر في حديثه المطول مع جريدة السفير عندما قال للمحرر (حرام عليك, حرب الخليج) احتلال الكويت وتحريرها, كلها اثيرت لصالح اسرائيل... ولسوء الحظ ان بعض الزعماء تصرفوا بطريقة ادت الى هذه النتيجة. حتى لو قبلنا نظرية المؤامرة فمن المسؤول عنها؟ لم يقل لنا الاستاذ من هم الزعماء؟ المشكلة حقيقة اننا وكما قال الاستاذ هيكل (مازلنا اسرى لما عرفناه ونرفض ان نرى كيف يتغير العصر) ولم يكن الاستاذ هيكل بمنأى عن هذا التعميم. اذكر في وسط الثمانينات اثناء عقد مؤتمر لوزراء الخارجية العرب في الكويت كان يبحث في شأن عربي, فاستشاط فاروق قدومي غضبا ــ وهي طبيعة لازمة لبعض السياسيين العرب ــ وقال ما معناه ان اسرائيل تهدد مكة, فابتسم رجل السياسة الحاذق وزير الخارجية السعودي الامير سعود الفيصل وقال بهدوء ان لمكة ربا يحميها ولعل القول فيه حكمة للاستاذ هيكل بان للخليج ربا يحميه وشعبا يؤمن بالاخوة العربية دون شراء ولا بيع ولا تهوين او تهويل.